موقع مدى مصر
تحالف لتقنين زراعة البذور المعدلة وراثيًا برعاية «مستقبل مصر» بعد حظر 14 عامًا
بعد أكثر من عقد من المحاولات الفاشلة لتمرير قانون يسمح بتداول المحاصيل المعدلة وراثيًا واستيرادها وزراعتها، بدأت قبل أشهر محاولة جديدة. ويبدو أن هذه المحاولة مختلفة، وأكثر قدرة على النجاح، وذلك بسبب عامل جديد لم يكن حاضرًا في الجولات السابقة: هو جهاز «مستقبل مصر للتنمية المستدامة».
مصادر حكومية وبرلمانية قالت لـ«مدى مصر» إن تحالفًا يشكل حاليًا بقيادة «مستقبل مصر» وعدد من الشركات العالمية على رأسها «باير» الألمانية، لفتح الباب أمام تقنين البذور المعدلة وراثيًا، وبدء استيرادها وتداولها وزراعتها في مصر خلال الأشهر المقبلة.
عقد الجهاز عدة اجتماعات خلال شهري مارس وأبريل الماضيين أحدها مع وفد رفيع المستوى من الشركة الألمانية وممثلي مركز البحوث الزراعية وعدد من الجهات والوزارات المعنية لمناقشة بعض النقاط الخلافية الخاصة بتفعيل الإطار القانوني والتنفيذي لاستخدامات الهندسة الوراثية في الزراعة.
بحسب مصدرين أحدهما حكومي والآخر برلماني تحدثا لـ«مدى مصر» بشكل منفصل، يدعم جهاز «مستقبل مصر» التوسع في استخدامات تقنيات التكنولوجيا الحيوية (الهندسة الوراثية) في الزراعة والغذاء، تنفيذًا لتوجيهات رئاسية بالتوسع في استخدام تلك التقنية في الزراعة لزيادة الإنتاج وخفض التكلفة.
وكشف مصدر حكومي ثانٍ أن السماح بالاستخدام التجاري للبذور المعدلة وراثيًا في مصر يمهد لإنشاء الجهاز مصنعًا لإنتاج بذور معدلة وراثيًا (GMOs) بالشراكة مع شركات عالمية بينها «باير»، فضلًا عن منحه امتيازات تتعلق باستيراد هذه البذور، كما حدث في القمح وفي السلع الاستراتيجية التي انتقلت سلطة استيرادها من هيئة السلع التموينية إلى الجهاز مؤخرًا.
أحد الأسباب التي أدت إلى تعطيل القانون مرارًا كان تخوف الرأي العام منه. ففي مارس 2012، بعد عام على ثورة يناير، أصدر وزير الزراعة، رضا إسماعيل، قرارًا بتعليق تسجيل الذرة المعدّلة وراثيًا، وإيقاف زراعتها في عدد من الأراضي المستصلحة بعشر محافظات، ومنع تداولها التجاري في البلاد، والتي كان سُمح باستيرادها في 2008 من شركة مونسانتو، عملاق اﻟﺒﺬور واﻟﻜﯿﻤﺎوﻳﺎت، واﻟﻤﺴؤﻮﻟﺔ ﻋﻦ إﻧﺘﺎج اﻟﻐﺎﻟﺒﯿﺔ اﻟﻌﻈﻤﻰ ﻣﻦ اﻟﺒﺬور اﻟﻤﻌﺪﻟﺔ وراﺛﯿًﺎ، والمالكة لحق اﻟﻤﻠﻜﯿﺔ اﻟﻔﻜﺮﻳﺔ ﻷﻋﺪاد ﻣﺘﺰاﻳﺪة ﻣﻦ اﻟﺒﺬور ﻋﻠﻰ ﻣﺴﺘﻮى اﻟﻌﺎﻟﻢ، والتي استحوذت عليها «باير» الألمانية في 2018.
في العام التالي، احتج مواطنون ونشطاء بيئيون في مصر ضمن حملة دولية حملت شعارات معادية لاستخدامات الهندسة الوراثية في الزراعة والغذاء، شارك فيها مئات الآلاف، خصوصًا بعد تمرير ﻗﺎﻧﻮن أمريكي يحمي «مونسانتو» عمليًا من تبعات الملاحقة القضائية، بما فيها طلب التعويض في حال ﺛﺒﺖ أن ﻣﻨﺘﺠﺎتها ﺗﺴﺒﺐ أﺿﺮارًا ﺻﺤﯿﺔ وﺑﯿﺌﯿﺔ.
استمر حظر استخدام التعديل الوراثي بموجب قرار عام 2012، والذي تأكد مرة أخرى في 2021 بعدما أصدر حينها، وزير الزراعة، السيد القصير، اللائحة التنفيذية لقانون الزراعة العضوية، والتي تضمنت عدة نصوص تحظر استخدام الكائنات المعدلة وراثيًا، والمنتجات منها أو بواسطتها، والحيوانات المستنسخة أو المهجنة وراثيًا، والكائنات الدقيقة (مثل الفيروسات والبكتيريا والفطريات) المعدلة وراثيًا، فضلًا عن البذور والأجزاء الخضرية المعدلة وراثيًا.
في المقابل، تكررت محاولات تمرير القانون، كان آخرها في فبراير 2025، لكن جميعها باءت بالفشل. غير أنه يبدو أن كل هذا في طريقه إلى التغيير الآن.
هذا التغيير يأتي ضمن تغييرات جذرية أخرى في طبيعة الزراعة في مصر، والتي تراكمت طوال الأعوام الماضية. وعلى الرغم من الاختلافات العلمية حول الأضرار الصحية التي قد تسببها المحاصيل المعدلة وراثيًا، فإن مختلف الخبراء البيئيين والزراعيين يتفقون على حقيقة واحدة: التكنولوجيا في حد ذاتها تحمل إمكانيات هائلة للبشرية، لكن سيطرة الشركات عليها وعلى البنية التحتية للزراعة تدمر التنوع البيولوجي، وتنهك الأراضي الزراعية، وتجعل الفلاحين والأمن الغذائي بشكل عام عبيدًا للشركات الأجنبية المنتجة للبذور ومبيداتها ومخصباتها.
خلال اجتماع حضره رئيس الوزراء ووزير الزراعة ورئيس جهاز مستقبل مصر وآخرون في فبراير 2023، وجّه الرئيس عبد الفتاح السيسي بتكثيف استخدام التقنيات الحديثة في الزراعة والهندسة الوراثية، وتعظيم الاستفادة من الأبحاث العلمية لزيادة الإنتاج وخفض التكلفة، «لما لذلك من مردود إيجابي لصالح المربين والمزارعين.. وبما يدعم الجهود المكثفة لتحقيق الأمن الغذائي في مصر».
مصدر بوزارة الزراعة كشف أنه في ضوء التوجيهات الرئاسية، عقد وزير الزراعة، علاء فاروق، منذ بداية العام الجاري عدة اجتماعات مع عدد من ممثلي شركات عالمية، استعدادًا لإعادة التسجيل التجاري للبذور المعدلة وراثيًا.
أحد هذه الاجتماعات كان في فبراير الماضي وجمع الوزير مع ممثلين عن شركة باير، والتي تخلت عن اسم «مونسانتو» بعد استحواذها عليها في صفقة بلغت قيمتها حوالي 63 مليار دولار في واحدة من أضخم صفقات صناعة الكيماويات والزراعة عالميًا، بسبب الجدل الواسع والسمعة السلبية المرتبطة بالشركة، خصوصًا في ما يتعلق بالمبيدات الزراعية والكائنات المعدلة وراثيًا. وتنتظر «باير» الآن صدور القانون لتسجيل منتجاتها من البذور وبيعها داخل مصر.
شهد الاجتماع نقاشًا حول حزمة من المقترحات العملية لتعميق التعاون الفني، من بينها دعم البرامج البحثية من خلال التعاون في تربية وتحسين سلالات المحاصيل الاقتصادية، وعلى رأسها الذرة والمحاصيل الصيفية، لرفع الإنتاجية ومواجهة التغيرات المناخية، فضلًا عن دراسة واختبار أحدث تقنيات ومنتجات «باير» داخل البيئة المصرية لضمان فاعليتها وأمانها، إضافة إلى دور مركز البحوث الزراعية كمرجعية علمية لتقديم بيانات دقيقة وتجارب ميدانية تدعم الموقف المصري في المحافل الدولية المتعلقة بالاشتراطات الزراعية، بحسب بيان الوزارة.
خلال هذا الاجتماع، بحسب المصدر، أبدت الشركة استعدادها لإنشاء مصنع لإنتاج بذور معدلة وراثيًا في مصر فور الانتهاء من الإطار التشريعي والتنفيذي المنظم.
وأضاف المصدر أن وفد الشركة الألمانية ناقش خلال لقائه مع مسؤولين من «مستقبل مصر» ومركز البحوث الزراعية ونواب بالبرلمان أهمية إصدار الإطار التشريعي والتنفيذي للتداول التجاري للبذور المعدلة وراثيًا في السوق المحلي.
بعد عدة أسابيع، أحال رئيس مجلس النواب، المستشار هشام بدوي، في الرابع من أبريل الماضي، مشروع قانون مقدّم من رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل، محمد فؤاد، وآخرين، بشأن «تنظيم النفاذ إلى الموارد الأحيائية والاقتسام العادل للمنافع الناشئة عن استخدامها»، إلى لجنة مشتركة من لجان الطاقة والبيئة، والتعليم، والزراعة، والشؤون الدستورية والتشريعية.
ينص مشروع القانون الذي قدمه فؤاد على إنشاء جهاز قومي للموارد الأحيائية والمعارف التقليدية، يتبع رئيس الوزراء برئاسة وزير البيئة، ويمنحه العديد من الصلاحيات أبرزها منح التراخيص الخاصة باستخدام الموارد الأحيائية والمعارف التقليدية والابتكارات (استحداث أو تطوير تقنية جديدة أو تطوير تقنية أو معرفة قائمة في مجال التنوع الأحيائي).
حدد المشروع خمسة أنواع من التراخيص تفرق بين أغراض البحث غير التجاري أو الأكاديمي والأغراض التجارية. ويتكلف إصدار الرخصة 200 ألف جنيه بحد أقصى، مع جواز إعفاء أو تخفيض الرسوم في حالتي الترخيص الأكاديمية أو الاستغلال غير التجاري داخل المجتمعات المحلية. بحسب أستاذ الوراثة ومدير متحف حماية النباتات في سيناء، سيد النشيوي، كان الأولى أن ينص القانون على الإعفاء لأغراض البحث وليس ربطها بقرار منفصل.
هذه هي المرة الثالثة منذ عام 2016 التي يُحيل فيها رئيس الغرفة الأولى من البرلمان مشروعَ قانون يخص نفس الموضوع، إلى اللجان الفرعية لإقراره.
يتشابه المشروع الجديد إلى حد كبير مع مسودات سبق أن قدمتها الحكومة إلى البرلمان بغرفتيه، الأولى في 2016 بعنوان «السلامة الأحيائية فى تداول منتجات التحور الوراثى»، قبل أن تدخل عليها الحكومة تعديلات في يناير 2017، وتعيد تقديمها مرة ثانية باسم جديد -الاسم المستخدم حاليًا- إلى مجلس النواب الذي أحاله بدوره إلى لجنة الطاقة والبيئة، والتي بدأت مناقشتها في نهاية 2018، لكنها لم تنته إلى شيء.
وفي مارس 2021، عرضت الحكومة نسخة ثالثة من المشروع على مجلس الشيوخ، وهي النسخة التي أقرّها المجلس في أكتوبر من العام نفسه بعد إدخال مجموعة من التعديلات، قبل أن يعيد إرسالها إلى لجنة الطاقة والبيئة بمجلس النواب، والتي واصلت بحث المشروع حتى العام الماضي.
حددت الحكومة في مسوداتها السابقة الغرض من القانون بـ«حماية موارد مصر الأحيائية والجينية وأصولها الوراثية ومعارفها التقليدية، ومنع استيلاء الغير عليها دون مقابل، وتقاسم المنافع نتيجة تطويرها واستخدامها من قِبل الغير»، والحماية من مخاطر المنتجات والأغذية المعدلة وراثيًا.
لكن مشروع فؤاد يختلف، كما يتضح في مذكرته الإيضاحية، في إشارته المباشرة إلى ضرورة تنظيم زراعة المحاصيل المعدلة وراثيًا داخل البلاد على غرار السماح باستيرادها، والسماح باستيراد البذور المعدلة وراثيًا على غرار المحاصيل المعدلة وراثيًا مثل الذرة وفول الصويا.
يبرر فؤاد في المذكرة الإيضاحية بأن «التخوفات والضغوط التي يستخدمها البعض لعرقلة إصدار التشريع والتخويف من إمكانية زراعة بعض النباتات الناتجة عن تطويرات جينية، والتي حالت دون استكمال المناقشات حوله بعد عرضه على مجلس الشيوخ في الفصل التشريعي السابق، لم تمنع استغلال العديد من المستثمرين لها بل إن مراجعة قوائم الاستيراد تظهر أن نسبة كبيرة للغاية من المحاصيل التي يجري استيرادها هي بالأساس منتجات وأغذية تم تغيير مادتها الوراثية مخبريًا».
يوضح فؤاد أن مصر تستورد مئات السلع الغذائية التي تدخل في تصنيعها مكونات معدلة وراثيًا، فيما تمنع استيراد البذور المهندسة وراثيًا وزراعتها محليًا. يضرب فؤاد مثلًا بما تستورده مصر سنويًا من الذرة الصفراء (10-11 مليون طن)، ومن فول الصويا (4.5-6 ملايين طن)، من دول مثل الولايات المتحدة الأمريكية والبرازيل وغيرها من الدول التي تعتمد على تقنيات الهندسة الوراثية في الزراعة، لتلبية احتياجات سوق الأعلاف لصناعات الدواجن والماشية والاستزراع السمكي، وهو ما يصب في مصلحة عدد قليل من المستثمرين الذين يحتكرون عمليات استيراد تلك المحاصيل.
يتفق أستاذ الوراثة والتكنولوجيا الحيوية بجامعة الزقازيق، أحمد منصور الزهيري، مع ضرورة وجود موقف مصري واضح من الكائنات المعدلة وراثيًا يتبلور في تشريع، لأن غياب الإطار القانوني يخلق حالة من الفوضى. ويقول: «الدنيا سايبة خالص، وكل واحد بيعمل اللي هو عايزه.. لو حد قرر يستورد بذور مهندسة وراثيًا، مفيش حاجة تمنعه، الزيوت المنتجة من بذور معدلة وراثيًا موجودة في الأسواق ومحدش بيمنعها».
ويضيف الزهيري لـ«مدى مصر» أنه بالرغم من حظر مصر استيراد البذور المعدلة وراثيًا وتداولها تجاريًا وزراعتها داخل البلاد منذ 2012، إلا أن غياب الرقابة يجعل كل شيء متاحًا، ويترك الشركات دون رادع يمنعها من إدخال البذور إلى البلاد، لإنتاج محاصيل تستهلك محليًا.
ما يشير إليه الزهيري أثبتته عدد من الدراسات البحثية. كشفت دراسة أجراها أربعة باحثين وباحثات بمعهد بحوث الهندسة الوراثية بجامعة مدينة السادات بالمنوفية، بعنوان «الكشف عن البطاطس المعدلة وراثيًا في درنات البطاطس المزروعة في مصر»، عن وجود درنات بطاطس مهندسة وراثيًا متاحة في السوق المصرية دون أي إشارة إلى كونها معدلة وراثيًا، خاصة أن أجهزة الرقابة المصرية على الواردات تركز فقط على فحص السموم الفطرية والمحتوى الغذائي، دون اعتماد معايير خاصة بالتعديل الوراثي (GMO labeling). أصدرت الهيئة القومية لسلامة الغذاء بالفعل قرارًا نُشر في يناير الماضي بتنظيم قواعد تداول واستيراد الأغذية المعدلة وراثيًا، تشمل إضافة وسم «معدل وراثيًا» ضمن مكونات المنتج وتقديم ما يثبت سلامته، إلا أن هذا القرار لم يدخل حيز التنفيذ بعد.
وبحسب الدراسة المنشورة في «المجلة المصرية للوراثة وعلم الخلايا» عام 2018، زرع الباحثون 26 صنفًا من بذور البطاطس المتوفرة في السوق المصري داخل مزرعة بحثية تابعة لمعهد الدراسات والبحوث البيئية بجامعة مدينة السادات، وذلك لاستخلاص الحمض النووي (DNA) من النباتات وتقييمها جزيئيًا وشكليًا. وتوصل البحث إلى وجود تعديلات وراثية لمقاومة الحشرات في 12 صنفًا، وتعديلات أخرى تزيد من مقاومة الفطريات في عشرة أصناف، بالإضافة إلى استخدام محفز فيروسي في غالبية الأصناف.
على ما يبدو، بدأ هذا النمط في التسلل حتى إلى المؤسسات الرسمية دون انتظار القانون.
يشير مصدر بوزارة الزراعة إلى إعلان هيئة الطاقة الذرية في أبريل 2022 نجاحها في حصاد طفرات جديدة للقمح، تتحمل الملوحة ونقص المياه، وتتميز بزيادة في الإنتاج تصل إلى زيادة طن تقريبًا عن الأصناف العادية، فضلًا عن كونها تستغرق 140 يومًا فقط من بدء الزراعة حتى الحصاد.
وعلى الرغم من أنه لم يصدر قرار من وزير الزراعة بتسجيل أقماح هيئة الطاقة الذرية، ولم ينشر في الجريدة الرسمية، إلا أن مقدم برنامج «الجدعان» المذاع على قناة «القاهرة والناس» افتتح حلقة التاسع من أغسطس الماضي بالإعلان عن موافقة وزارة الزراعة على تسجيل صنفين تابعين للهيئة هما: «طاقة 4» لقمح المكرونة، و«طاقة 152» لقمح الخبز. محافظة الوادي الجديد، من جانبها، أشارت في بيان لها في أبريل الماضي إلى نجاح تجربة زراعة الصنفين في مزرعة بها.
لكن ما لم تذكره الهيئة، بحسب المصدر، أن تلك الطفرات هي أصناف معدلة وراثيًا للقمح، وهو ما أكدته الهيئة الدولية لتطبيقات التكنولوجيا الحيوية الزراعية، ويوضح المصدر أن زراعة تلك الأصناف عممت، واستُخدمت محاصليها محليًا بالفعل، مضيفًا أن التجارب سجلت نتائج جيدة وعرضت على جميع أجهزة الدولة وحصلت على الضوء الأخضر لإزالة أية عوائق أمام تنفيذها.
على الرغم من هذا الواقع، إلا أن كل محاولات إصدار القانون خلال السنوات العشر الماضية باءت بالفشل. وكان السبب، بحسب مصدر بالأمانة العامة لمجلس النواب تحدث لـ«مدى مصر» طالبًا عدم ذكر اسمه، هو نفوذ عدد محدود من النواب المستثمرين.
طبقًا له، هناك شبكة مصالح يتصدرها كبار المصدّرين إلى أوروبا، إلى جانب كبار مستوردي البذور التقليدية، ومستوردي الذرة الصفراء وفول الصويا من الدول الراعية للهندسة الوراثية مثل الولايات المتحدة، وتعارض هذه الشبكة إصدار قانون يسمح باستخدام الهندسة الوراثية.
السبب هو أن أوروبا التي تعد قبلة للصادرات الزراعية المصرية، تحظر دخول المحاصيل المعدلة وراثيًا إلى أراضيها. يشرح الزهيري أن أوروبا تتبنى سياسات صارمة تجاه حظر دخول السلع والمنتجات المستخدم فيها تقنيات الهندسة الوراثية إليها.
تشترط أوروبا ألا تتجاوز نسب التعديل الوراثي 0.9 من مكونات أي منتج، على أن تكون هذه النسبة عرضية وغير متعمدة تقنيًا. ويختبر الاتحاد المنتجات قبل خروجها من بعض الدول المصدرة، وفي موانيها، عبر أجهزة PCR، للتأكد من عدم تخطي تلك النسب في المواد المصدرة إليها، وعند اكتشاف مخالفات، يوقف استيراد الشحنات.
وحتى إذا كان المصدِّر نفسه ملتزمًا بالقواعد الأوروبية، فإن وجود حقول مجاورة تستخدم بذورًا معدلة وراثيًا ستجد طريقها إلى الحقول العادية عبر ما يُعرف بالتلقيح المتقاطع. يكفي أن يستخدم مزارع واحد في السلسلة بذورًا معدلة وراثيًا كي تُرفض أوروبيًا، وهو ما يعني خسارة أعوام تتطلبها إعادة بناء الثقة مع المستوردين الأوروبيين. هذا هو ما يدفع المصدرين إلى تفضيل المنع التام للبذور المعدلة وراثيًا كما هو قائم حاليًا عن أي محاولة للتنظيم.
في المقابل، بحسب المصدر، هناك شبكة مصالح أخرى كانت تدفع نحو إقرار القانون لفتح أسواق جديدة لاستيراد البذور المعدلة وراثيًا والمبيدات المرتبطة بها. توازن النفوذ بين الطرفين، طبقًا له، أسهم في تجميد إقرار تلك القوانين طوال العقد الماضي رغم تكرار المحاولة.
لكن الأمر يختلف هذه المرة. يلاحظ عضو الأمانة العامة بـ«النواب» أن مشروع القانون الجديد لم يأتِ من الحكومة، وإنما من فؤاد ممثلًا عن الهيئة البرلمانية لحزب العدل.
يقول المصدر إن فرص إقرار مشروعات القوانين المقدمة من النواب في المعتاد تكاد تكون منعدمة في الظروف العادية، مقارنة بمشروعات القوانين المقدمة من الحكومة.
يتفق عضو بلجنة الطاقة والبيئة بمجلس النواب، تحدّث أيضًا لـ«مدى مصر» طالبًا عدم ذكر اسمه، مع مصدر «النواب» على أن إقرار مشروع فؤاد أو مشروعات الحكومة يظل مرهونًا بتدخل جهات سيادية عليا لترجيح كفة شركات البذور والمبيدات المعدلة وراثيًا، وحسم المخاوف المتعلقة بمعايير الجودة والسلامة الأوروبية.
بالنسبة لمصدر «النواب»، فإن إعادة تدوير مشروعات القوانين الخاصة بالسلامة الأحيائية، الموجودة في مجلس النواب منذ 2016، وطرحها تحت مظلة «الهندسة الوراثية»، يمثل إما قراءةً جيدة من رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل لحسابات السوق وتوازنات القوى، وإما تنسيقًا مسبقًا مع أحد أجهزة الدولة.
لكن بالنسبة لفؤاد، فإن دافعه هو مواجهة حالة الفوضى وغياب أي تنظيم واضح للاستخدام الآمن لتقنيات الهندسة الوراثية. «إن كان ضارًا نوقف استيراده، ولو مفيد نزرعه»، يقول لـ«مدى مصر».
لا تشير الأبحاث العلمية إلى ضرر تتسبب فيه المحاصيل المعدلة وراثيًا بصحة الإنسان بشكل مطلق. لكن كل محصول ينتج عن تعديل وراثي يحتاج لدراسة منفصلة معمقة لتقييم سلامته، خصوصًا على المدى الطويل. ينص تشريع الاتحاد الأوروبي الصادر في 2015، على سبيل المثال، على أن «تخضع الكائنات المعدلة وراثيًا [لأغراض] الزراعة لتقييم مخاطر منفرد قبل السماح بطرحها في أسواق الاتحاد».
شكلت مصر بداية من 1995 عدة لجان للسلامة الأحيائية للرقابة على المنتجات المستخدم فيها تكنولوجيا الهندسة الوراثية المطروحة في الأسواق، بما يشمل الأدوية واللقاحات والأغذية والتركيبات الغذائية الخاصة والبذور، لضمان الاستخدام الآمن للهندسة الوراثية وحماية البيئة وصحة الإنسان.
وفي عام 2008، وافقت وزارة الزراعة، دون إعلان رسمي، على تسجيل صنف ذرة شامية معدّلة وراثيًا طوّرته «مونسانتو»، عبر تهجين صنف معدّل وراثيًا MON810 مع صنف ذرة مصري محلي اسمه «عجيب». وسجل الصنف الناتج باسم «Ajeeb-YG» في سجلات «مونسانتو»، ومنحت الوزارة في العام نفسه لوكيل الشركة الأمريكية في مصر آنذاك شركة «فاين سيدز» ترخيصًا لتداوله تجاريًا في السوق المصري. أعقب ذلك زراعة الصنف الجديد في 3800 فدان بين عامي 2008-2012.
أجريت لاحقًا عدة دراسات على صنف الذرة الشامية الذي طوّرته «مونسانتو» للسوق المصرية. رصدت دراستان نُشرتا عام 2014 تغيرات نسيجية مرضية في كبد الفئران، وتضخمًا في الأوعية الكلوية، إضافة إلى نخر في خلايا الخصيتين وزغابات الأمعاء بعد 91 يومًا من التغذية على الذرة المعدلة وراثيًا.
بعدها بعامين، أكدت دراسة نشرتها باحثتان بكلية الطب بجامعة طنطا النتائج ذاتها، حيث أظهرت أن الفئران المغذّاة لمدة 90 يومًا على ذرة MON810:Ajeeb-YG عانت من أضرار جسيمة في أمعائها.
بالتوازي مع المخاوف التي عبرت عنها الدراسات المختلفة، انطلقت حملات محلية قادها نشطاء ومجتمع مدني في 2012، ضمن حملات عالمية أخرى، تضغط ضد «مونسانتو».
أوروبيًا، تسببت الضغوط الشعبية والدراسات المختلفة في حظر زراعة هذا الصنف من الذرة في دول مختلفة كالنمسا وفرنسا وألمانيا واليونان والمجر، استنادًا إلى مخاوف من مخاطر على التنوع البيولوجي. ورغم أن الاتحاد الأوروبي أقر زراعة هذا الصنف منذ سنة 1998، إلا أن زراعته تقتصر حتى اليوم على دول قليلة، أبرزها إسبانيا والبرتغال. وفي 2015، أقر الاتحاد الأوروبي إطارًا تشريعيًا يفرض ضوابط مشددة على الزراعات المعدلة وراثيًا تشترط تقييمًا شاملًا للمخاطر قبل الموافقة على أي محصول معدل، يشمل تأثيره على الصحة البشرية والحيوانية والبيئة.
بالمثل، وتحت هذه الضغوط، اضطر وزير الزراعة المصري وقتها لإيقاف شحنة بذور الذرة المعدلة، وهو القرار الذي لا يزال ساريًا.
أحد الأسباب الأساسية التي دفعت هذه الحملات إلى التحرك تتعلق بشكل أساسي بالتأثيرات الكارثية التي قد يتسبب فيها استخدام التكنولوجيا الحيوية في البيئة وأنماط الزراعة بشكل عام، لما له من تأثير على التنوع البيولوجي يتعلق بإمكانية انتقال الجينات المعدلة إلى النباتات البرية، ما قد يؤدي إلى ظهور أعشاب مقاومة للمبيدات، أو التأثير على الكائنات غير المستهدفة (مثل النحل وغيره من الكائنات المفيدة).
إلى جانب هذا، هناك مخاوف الخضوع للشركات متعددة الجنسيات، إذ يؤدي انتشار هذه المحاصيل إلى احتكار البذور والتحكم في النظام الغذائي من قبل عدد محدود من الشركات العالمية.
تتحكم أربع شركات (باير/مونسانتو، وسينجنتا، وباسف، ودودوبون) على نحو 75% من أبحاث تربية النباتات، و60% من سوق البذور التجارية، و76% من مبيعات المبيدات الزراعية عالميًا، بعد أن كانت حصة الشركات العشر الكبرى لا تتجاوز 15% في الثمانينيات.
طورت تلك الشركات بذورًا مصممة للعمل بالتكامل مع مبيداتها الخاصة. على سبيل المثال، تنتج شركة «باير» مبيد الجليفوسات المعروف باسم «Roundup»، كما تنتج بذورًا مقاومة له (Roundup ready). يتسبب هذا في اضطرار المزارعين لشراء البذور والمبيدات معًا بشكل حصري منهم مع كل موسم زراعي. وربطت دراسات متعددة بين اندماجات هذه الشركات وارتفاع أسعار البذور، بما يزيد الضغوط على صغار المزارعين، خصوصًا في الدول النامية.
إلى جانب هذا، يتسبب الاعتماد على نوع واحد من المبيدات إلى زيادة مقاومة النباتات الضارة لها مع الوقت. ولهذا يضطر المزارعون لاستخدام المبيد بكميات أكبر، ما يتسبب في مخاطر صحية وبيئية كبيرة. عدة دراسات حذرت من تأثير ذلك سلبيًا على صحة الإنسان، فيما صنّفته منظمة الصحة العالمية عام 2015 بوصفه «محتمل التسبب في السرطان للبشر». ولهذا واجهت «مونسانتو/باير» آلاف الدعاوى القضائية في أمريكا من مواطنين يُرجعون إصابتهم بسرطان الغدد الليمفاوية إلى التعرض للبذور والمبيدات المقاومة للأعشاب، في الوقت الذي حذرت فيه دراسات محكّمة من التأثيرات البيئية للجليفوسات بوصفه عالي التسرب إلى المياه الجوفية ومُدمِّر لخصوبة التربة.
لهذا ترى أستاذة الأنثروبولوجيا الاجتماعية السابقة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، ريم سعد، إننا لا نحتاج تشريعًا بقدر حاجتنا إلى الوعي والمناقشة المجتمعية حول موقفنا من زراعة البذور المعدلة وراثيًا، مشددة على أنه إجراء يتسبب في نتائج يتعذر تداركها على البيئة وعلى الأراضي الزراعية وعلى الفلاح.
وتؤكد سعد أن الترويج لكون استخدامات التكنولوجيا الحيوية هدفه القضاء على الجوع مردود عليه بأن أزمة الجوع في العالم ليست بسبب نقص الإنتاج ولكن غياب عدالة التوزيع، فضلًا عن أن زيادة إنتاج المحاصيل المعدلة وراثيًا مقرون بزيادة استخدام المبيدات التي تخل بجودة التربة، وبالنظم الإيكولوجية، وتخفض التنوع البيولوجي.
تتفق مع الرأي السابق، استشارية التراث والبيئة، هالة بركات، التي أوضحت أن الحديث عن السلامة الأحيائية دائمًا ما يخلط بين الرقابة على المنتجات المعدلة وراثيًا وبين السماح بها، مضيفة في حديثها لـ«مدى مصر» أن فتح مصنع لتداول وزراعة تلك البذور في مصر يشبه فتح مصنع للأسمنت بسبب المخاطر البيئية والصحية الفادحة. «التفكير في مصالح المستثمرين يدمر الزراعة»، كما تقول.
وتشدد بركات على أن كل ما تحتاجه الزراعة في مصر هو الحفاظ على البذور المحلية ودعم الحكومة لصغار المزارعين وليس كبار المستثمرين للحفاظ على البذور المحلية والأصناف الملائمة للمناخ والتربة، والتي لا تحتاج للأسمدة الكيماوية التي ترهق التربة وتستنفد الموارد المحدودة.
رئيس قسم الوراثة الأسبق بكلية الزراعة بجامعة الزقازيق، سعيد سليمان، يقول بدوره لـ«مدى مصر» إن الشركات العالمية الكبرى لا تستهدف فقط بيع البذور، بل تسعى إلى إحكام السيطرة على المحاصيل الاستراتيجية، مثل القمح والأرز كما فعلت مع الذرة، عبر نشر هجن وبذور مهندسة وراثيًا تستخدم لمرة واحدة، بما يضمن استمرار اعتماد المزارعين عليها موسمًا بعد آخر. بحسب تعبيره، فإننا «نسير بخاطرنا إلى حتفنا»



ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.