موقع زاوية ثالثة
الحركة المدنية في أزمتها الأعمق: بيان واحد كشف ما تراكم منذ 2017
اعتذرت الحركة المدنية الديمقراطية وحذفت بيانًا دافعت فيه عن قصر أكمل قرطام، لتتفجر أزمة داخلية تكشف خلافات متراكمة منذ تأسيس التحالف عام 2017 بين 12 حزبًا، وسط مطالبات بإعادة الهيكلة أو الحل قبيل اجتماع مجلس الأمناء في 12 يونيو.
شهدت الحركة المدنية الديمقراطية خلال الأسابيع الأخيرة واحدة من أكبر أزماتها منذ تأسيسها، بعدما أثار بيان أصدرته تضامنًا مع رئيس حزب المحافظين، المهندس أكمل قرطام، موجة واسعة من الجدل والغضب داخل الأوساط السياسية وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، قبل أن تعتذر الحركة عنه وتسحبه وتحذفه من صفحتها الرسمية.
وجاء البيان على خلفية أزمة هدم قصر يملكه قرطام على ضفاف النيل، ما وصفه بأنه تعديًا على حقوقه، بينما أكدت وزارة الموارد المائية والري أن المبنى أقيم بالمخالفة للقانون ومتعدٍ على حرم النيل.
رأى منتقدون أن البيان خلط بين نزاع قانوني يتعلق بملكية خاصة وبين قضايا عامة ووطنية مثل جزيرة الوراق والمقابر التاريخية، بما أضفى على القضية أبعادًا سياسية أوسع من نطاقها المباشر. فيما اعتبر آخرون أن الحركة منحت أولوية للدفاع عن أحد قياداتها على حساب قضايا تمس شرائح أوسع من المواطنين، فضلًا عن اعتراضات على آلية إصدار البيان وعدم طرحه للنقاش بصورة كافية داخل الحركة قبل نشره.
وذهب بعض المنتقدين إلى أن البيان تبنى موقفًا منحازًا في نزاع لا يزال محل إجراءات قانونية، وهو ما دفع الحركة لاحقًا إلى سحب البيان والاعتذار عنه، مؤكدة أن صياغته لم تكن موفقة وأدت إلى تأويلات لا تعكس مقصودها
موجة الانتقادات الكبيرة، دفعت مجموعة من الأحزاب والسياسيين إلى إعلان اعتراضهم أو التنصل من مسؤوليته، وعلى رأسهم حزب المحافظين الذي يترأسه أكمل قرطام، ما كشف عن خلل كبير وخلافات عميقة حول آليات اتخاذ القرار داخل الحركة وطبيعة أولوياتها السياسية.
وبحسب مصادر مطلعة من داخل الحركة المدنية تحدثت لـ”زاوية ثالثة”، فإن حالة الغضب التي خلفها البيان دفعت إلى مراجعات داخلية بشأن مستقبل التحالف وآليات إدارته. إذ تشهد الأحزاب المشاركة في التحالف اجتماعات ومشاورات لتقييم التجربة ومناقشة مستقبل الاستمرار فيها، بين إعادة هيكلة شاملة أو حلها مع تكوين تحالفات جديدة ذات طابع أيدلوجي، فيما قررت أمانة شباب الحركة إعداد مقترح لإعادة الهيكلة أملاً في إنقاذ التحالف.
وتقرر تأجيل اجتماع مجلس الأمناء الذي كان من المقرر عقده في 5 يونيو الماضي، إلى 12 يونيو، لإتاحة الفرصة لحضور جميع الأعضاء وتهدئة الأجواء. وفي السياق نفسه، أعلن حزب المحافظين إعادة تقييم تحالفاته السياسية، بما فيها الحركة المدنية، وهو ما فسره البعض باعتباره تمهيدًا للانسحاب، بينما أكدت مصادر بالحزب أن القرار النهائي سيتحدد عقب الاجتماع المرتقب.
ورغم أن الأزمة بدت في ظاهرها خلافًا حول بيان تضامني، فإن قيادات وأعضاء بالحركة وباحثين وسياسيين تحدثوا لـ”زاوية ثالثة” يروا أنها كشفت أزمة أعمق تراكمت على مدار سنوات، تتعلق بالتكلس التنظيمي، وضعف آليات اتخاذ القرار، وتراجع الارتباط بالقضايا الجماهيرية، وفشل محاولات تجديد الدماء داخل أكبر تحالف مدني معارض في البلاد.
أزمة كاشفة
تأسست الحركة المدنية الديمقراطية في ديسمبر 2017، كتحالف سياسي يضم 12 حزبًا سياسيًا وعددًا من الشخصيات العامة آنذاك، بهدف توحيد جهود قوى المعارضة المدنية والدفاع عن مبادئ الدولة المدنية والديمقراطية وسيادة القانون، وتقديم بديل سياسي قائم على التعددية والتداول السلمي للسلطة.
ومنذ نشأتها، جمعت الحركة تحت مظلتها تيارات ليبرالية ويسارية وقومية، وهو التنوع الذي منحها قدرة على بناء توافقات حول عدد من القضايا العامة، لكنه حمل في الوقت ذاته بذور خلافات ظلت تتراكم مع مرور السنوات.
واجهت الحركة منذ عام 2018، وهو عام الولاية الثانية للرئيس المصري الحالي عبد الفتاح السيسي، تحديات سياسية وأمنية حدّت من قدرتها على ممارسة دورها في المجال العام. وظلت الحركة في حالة من الخمول والتقييد، حتى عادت إلى واجهة المشهد السياسي مجدداً في أبريل 2022، عقب دعوة الرئيس المصري، خلال حفل إفطار الأسرة المصرية، إلى إطلاق الحوار الوطني بمشاركة قوى الموالاة والمعارضة، وهي الدعوة التي مثلت فرصة لاستعادة جزء من الحضور السياسي للحركة وإعادة تنشيط دورها داخل المجال العام.
شهدت مرحلة الحوار الوطني قدرًا من التماسك داخل الحركة المدنية، إذ برز نشاطها بشكل واضح في المطالبة بالإفراج عن المحبوسين على ذمة قضايا الرأي. غير أن هذا التماسك لم يدم طويلًا، وسرعان ما بدأت الخلافات تتصاعد مع اقتراب الانتخابات الرئاسية لعام 2023. ففي البداية تبنّت الحركة موقفًا موحدًا يدعو إلى توفير ضمانات لإجراء انتخابات تنافسية، قبل أن تتباين مواقف مكوناتها لاحقًا بشأن مسألة المشاركة في السباق الرئاسي، ما أدى إلى انقسام داخل صفوفها.
وفي تقرير سابق لزاوية ثالثة بعنوان “اتفقنا على أن لا نتفق… كواليس انشقاقات المعارضة المصرية”، رصد التقرير أبرز محطات الانقسام داخل الحركة المدنية الديمقراطية خلال هذه المرحلة، وتوقع أن تشهد الحركة تحولاً في طبيعة دورها بعد الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وأن لا تعود إلى وضعها السابق قبل الاستحقاق الانتخابي. وهو ما تجسّد لاحقًا مع تجميد حزبي المصري الديمقراطي الاجتماعي والعدل لعضويتهما، قبل أن يقرر حزب الإصلاح والتنمية التجميد أيضًا بعد ذلك.
في هذا السياق، يرى أكرم إسماعيل، القيادي بالحركة المدنية الديمقراطية وحزب العيش والحرية، أن الأزمة الأخيرة كشفت عن واقع الحركة وأزماتها البنيوية، موضحًا أن التحالف يعيش حالة حصار سياسي وأمني نتيجة محاولته التعبير عن تيار يرفض هندسة الحياة السياسية ويسعى للحفاظ على قدر من الاستقلال.
ويضيف، في حديثه لـ”زاوية ثالثة”، أن الحصار لا يعفي الحركة من مسؤوليتها في البيان المحذوف، إذ تضم تناقضات داخلية وأوزانًا غير متكافئة بين مكوناتها، فضلًا عن اختلافات في الخلفيات الأيديولوجية وتقاليد العمل السياسي، وهي عوامل تجعلها أكثر هشاشة كلما تراجع النشاط السياسي وغابت المبادرة، فتطفو الخلافات الكامنة إلى السطح بصورة أوضح.
ويؤكد “إسماعيل” أن الحركة تحاول التعبير عن معارضة مستقلة خارج حدود “الحيز المتاح” (تحالف انتخابي يضم أحزاب العدل والمصري الديمقراطي والإصلاح والتنمية وعددًا من أحزاب الموالاة)، وهو ما يجعلها تدفع ثمن هذا الخيار عبر الحصار والعزلة، لكنه يرى في الوقت نفسه أن الخطأ الذي ارتكبته الحركة في بيان التضامن مع أكمل قرطام لا يمكن تجاهله ولا يبرره هذا الحصار، خاصة بعدما ربط قضية ذات طابع شخصي بقضايا وطنية عامة، الأمر الذي سهّل توجيه الانتقادات إليها في لحظة تعاني فيها أصلًا من الترهل وضعف الفاعلية.
من جانبه، يرى الباحث السياسي والحقوقي مصطفى شوقي أن الأزمة الحالية لا يمكن فصلها عن المسار التاريخي للحركة، معتبرًا أنها امتداد لسلسلة من الأزمات المتراكمة وليست وليدة البيان الأخير.
ويقسم شوقي في حديثه لـ”زاوية ثالثة: جذور الأزمة إلى شقين رئيسيين؛ الأول موضوعي يتمثل في ما يصفه بـ”التأميم الشامل للمجال العام”، وهو ما أدى إلى انغلاق المجال السياسي وعزل القوى المدنية عن المجتمع وإضعاف قدرتها على بناء قواعد جماهيرية أو التواصل مع المواطنين.
أما الشق الثاني، فيتعلق بالعوامل الذاتية داخل الحركة نفسها، وفي مقدمتها فشل محاولات إعادة الهيكلة، خاصة بعد الحوار الوطني، الذي مثل فرصة لإعادة ضخ دماء جديدة وتجديد آليات العمل، إلا أن ما يصفه بـ”القيادة المتكلسة” لم تتمكن من استثمار هذه الفرصة المحدودة، قبل أن يعود الجمود مع تراجع هامش الحركة السياسية.
مسار طويل من التفكك
انتهت الانتخابات الرئاسية في ديسمبر 2023 بإعلان فوز الرئيس عبد الفتاح السيسي بولاية ثالثة، غير أن ذلك لم يُنهِ الخلافات داخل الحركة المدنية الديمقراطية، فقد استمر تجميد عضوية حزبي المصري الديمقراطي الاجتماعي والعدل، في ظل تصاعد النقاش حول التحالفات الانتخابية والاستعداد لانتخابات البرلمان 2025، خصوصًا مع تمسك الحركة برفض أي تنسيق مع أحزاب الموالاة، ما عمّق التباينات بين مكوناتها.
وفي فبراير 2024، تفجرت أزمة جديدة عقب بيان صدر عن الحركة دعا إلى السماح بالتظاهر رفضًا للإبادة الجماعية في غزة وانتقد الموقف المصري من الحرب واستمرار اتفاقية كامب ديفيد، لكن البيان لم يحظَ بإجماع داخلي رغم نشره رسميًا، ما فجّر خلافًا جديدًا حول آليات اتخاذ القرار. ووفق تقرير سابق لـ”زاوية ثالثة”، اعترضت عدة أحزاب على صدوره دون توافق، كان أبرزها حزب الإصلاح والتنمية، يليه المحافظين والدستور، ما كشف عن المزيد من الخلافات السياسية والترهل التنظيمي داخل الحركة.
لاحقًا، غادر حزب الإصلاح والتنمية مقعده داخل الحركة المدنية مقعده داخل الحركة مع اقتراب الانتخابات البرلمانية، ليضاف إلى سلسلة من التراجعات التي قلّصت عدد الأحزاب الفاعلة داخل الحركة المدنية إلى تسعة أحزاب فقط، وباتت الحركة تعتمد بدرجة أكبر على الشخصيات العامة داخل الإطار صاحب القرار “مجلس أمناء الحركة” مقارنة بالأحزاب السياسية المنظمة، في ظل غياب رؤية موحدة أو حضور جماهيري واضح.
في يوليو 2024، وفي محاولة لرأب الصدع وخلف فرصة تواصل جماهيري وتجديد الدماء داخل الحركة المدنية، بدأت الحركة في المضي قدمًا حول ما أقرته بإعادة الهيكلة، وهو ما نتج عنه لاحقًا تشكيل ما عُرف بـ“أمانة الشباب” ، غير أن هذه الأمانة لم تستمر سوى لفترة قصيرة، وظهرت عبر نشاطات وفاعليات محدودة قبل أن يتراجع دورها تدريجياً دون أن تترك أثرًا تنظيميًا أو سياسيًا ملموسًا داخل بنية التحالف.
ومع الانتخابات البرلمانية الأخيرة، ظهرت الحركة في حالة تشتت انتخابي وغياب برنامج موحد أو تحالف انتخابي متماسك يجمع مكوناتها تحت مظلة واحدة، وهو ما رصدته زاوية ثالثة في تقريرها” انقسامات أم تكامل أدوار.. لماذا لم تنجح الحركة المدنية في صياغة تحالف انتخابي واحد؟”
ولم تتوقف تداعيات هذه المرحلة عند حدود التشتت التنظيمي، إذ امتدت إلى أزمة جديدة تمثلت في اتهامات وُجهت لإسلام قرطام، نجل أكمل قرطام رئيس حزب المحافظين، خلال ترشحه لانتخابات مجلس النواب عن دائرة البساتين ودار السلام، ونفاها حزب المحافظين لاحقًا، والتي تمحورت حول مزاعم بشأن وجود تنسيق غير مباشر مع مرشحين من حزب الموالاة ‘مستقبل وطن’ على المقاعد الفردية، إلى جانب اتهامات تتعلق باستخدام المال السياسي في العملية الانتخابية. في سياق يتعارض مع المواقف المعلنة سابقًا من الحركة المدنية وحزب المحافظين.
وفيما يتعلق بشأن ما أثير حول إسلام قرطام خلال الانتخابات البرلمانية الأخيرة، يقول أكرم إسماعيل إن الأمر شهد خلافات كبيرة داخل الحركة لم تظهر إلى العلن، مؤكدًا أن الطريقة التي نجح بها إسلام قرطام لم تمر بصورة عادية، وأنها كانت محل نقاشات وتصاعد للخلافات بين مكونات الحركة.
ويشير إلى أن المعلومات التي وصلت إلى الحركة تحدثت عن وجود ممارسات انتخابية شبيهة بما يحدث في الانتخابات من قبيل استخدام المال السياسي وغيرها، لكن تقييم هذه الممارسات يختلف بين أطراف الحركة، فهناك من يعتبرها جريمة انتخابية، بينما رأى آخرون أنها جزء من الطريقة المعتادة التي تدار بها الانتخابات، نتيجة اختلاف تقاليد العمل والممارسة السياسية بين الأحزاب والتيارات المختلفة داخل الحركة.
وفي تقييمه للأداء السياسي للحركة، يقول مصطفى شوقي إن الحركة المدنية لم تطور رؤيتها للواقع السياسي في مصر منذ أزمة تيران وصنافير، واعتمدت منذ ذلك الحين على مجموعة من المواقف الجاهزة أو “المعلبة” التي لا تشتبك مع القضايا الأكثر أهمية في حياة المواطنين، موضحًا أنه رغم تقديم الحركة في مراحل سابقة تصورات للإصلاح السياسي والاقتصادي، فإنها أخفقت في إنتاج أي تطوير حقيقي لرؤيتها السياسية في ظل استمرار انغلاق المجال العام.
جدل حول دور المحافظين ونفوذه والحزب يعلن عن غضبه
رغم أن البيان محل الخلاف داخل الحركة المدنية جاء في إطار التضامن مع “قرطام” في أزمته، فإن المفارقة تمثلت في أن حزب المحافظين اعترض على البيان وتنصل من مضمونه عقب تصاعد الانتقادات. فيما أعلن الحزب لاحقًا تجميد تحالفاته السابقة والشروع في بناء تحالفات ليبرالية اجتماعية جديدة استعدادًا للاستحقاقات الانتخابية حتى عام 2030.
ورغم أن البيان لم ينص صراحة على الانسحاب من الحركة المدنية الديمقراطية، فإن مضمونه فُسِّر داخل الأوساط السياسية باعتباره تمهيدًا لفك الارتباط مع التحالف، خاصة بعد مغادرة المهندس أكمل قرطام المجموعة الخاصة بمجلس أمناء الحركة المدنية، في خطوة اعتبرها مصدر مطلع من داخل الحركة لـ”زاوية ثالثة” رسالة واضحة تعبر عن موقف حزب المحافظين من مستقبل علاقته بالحركة.
وبالتزامن مع حالة الغضب التي أثارها البيان، أُثير نقاشًا أوسع حول حجم نفوذ حزب المحافظين داخل الحركة وحدود تأثيره في صياغة مواقفها، خاصة في ظل اعتماد اجتماعات الحركة لفترات طويلة على مقار الحزب بما يوفره من إمكانات مالية ولوجستية.
ويصف مصطفى شوقي الباحث السياسي والحقوقي وجود المهندس أكمل قرطام الذي جاء من خلفية سياسية كأحد أعضاء الحزب الوطني الديمقراطي ‘الحزب الحاكم في عهد الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، ضمن الهيئة القيادية للحركة المدنية بـ “الخطأ التاريخي” الذي ارتكتبه الحركة منذ تأسيسها، موضحًا أن التغاضي عن ممارساته السياسية وانحيازاته التاريخية جاء نتيجة النفوذ المالي الذي يمتلكه.
في الوقت نفسه يرى شوقي أن الحديث عن حجم السلطة التي يمنحها هذا النفوذ المالي داخل الحركة يعد أمرًا مبالغًا فيه، ويوضح أن الوزن النسبي لأحزاب اليسار، سواء القومية أو الاشتراكية، ظل دائمًا هو الأعلى والأكثر تأثيرًا في صناعة قرارات الحركة، إلا أن المشكلة الحقيقية كانت في عدم تعبير هذه القوى عن موقف موحد، إذ كان بعض أطرافها يتبنى مواقف تيارات أخرى داخل الحركة ويمنحها الثقل اللازم لحسم القرارات، الأمر الذي جعل آلية اتخاذ القرار أكثر ديناميكية وتعقيداً من مجرد خضوعها لتأثير شخص واحد.
من جهته يقول مجدي حمدان، عضو المجلس الرئاسي لحزب المحافظين، إن بيان الحزب الأخير لا يعني بالضرورة الانسحاب من الحركة المدنية أو أي من التحالفات القائمة، موضحًا أن الحزب يمر بمرحلة “إعادة ترتيب ومراجعة مواقفه”.
ويضيف “حمدان” في حديثه لـ”زاوية ثالثة: أن طلعت خليل عضو المجلس الرئاسي والمنسق العام للحركة المدنية الديمقراطية، مفوض من الحزب لاتخاذ قرار بشأن الاستمرار داخل الحركة أو تجميد العضوية، على أن يُحسم ذلك في اجتماع قادم.
ويؤكد أن بقاء حزب المحافظين داخل الحركة المدنية مرهون بوجود رغبة حقيقية لدى الحركة في التطوير وإحداث تغيير داخل بنيتها، واعتبر أن استمرار بعض الوجوه والقيادات التي وصفها بـ”الأصنام الموجودة” يعوق عملية التجديد، وأن الحركة بحاجة إلى جذب شخصيات أكثر فاعلية وقدرة على التأثير في المجال السياسي. مشيرًا إلى أن تركيبة الحركة غير متوازنة أيديولوجيًا، إذ يغلب عليها الطابع اليساري مقابل حزب ليبرالي واحد هو المحافظين، ما انعكس على ضعف التوافق في المواقف، خصوصًا الانتخابية.
ويعتبر “حمدان” أن تحالف الحركة المدنية لم يحقق أهدافه كإطار انتخابي، وأن المحافظين ظل الحزب الأكثر تأثيرًا داخله، بل وذهب إلى القول إنه لولا الحزب لما تأسست الحركة.
وفيما يخص مستقبل تحالف حزب المحافظين والدستور، وصف “حمدان” وضع الدستور التنظيمي بأنه مضطرب وغير محسوم قانونيًا حول رئاسته وعدم اعتراف لجنة شؤون الأحزاب بأي من الأطراف المتنازعة كرئيس رسمي للحزب. موضحًا أن الحزب لا يتعامل إلا مع الكيانات المعترف بها رسميًا.
كذلك يؤكد أن هذا التوجه ينسجم مع احترامه للقانون ومؤسسات الدولة، ورافضًا الانخراط في الخلافات الداخلية للأحزاب الأخرى. كاشفًا عن توجه المحافظين لتأسيس تحالف ليبرالي أوسع يضم قوى مختلفة، ضمن خطة لإعادة بناء اصطفاف سياسي قادر على المنافسة في المشهد العام.
وفي تعليقه على أزمة أكمل قرطام، انتقد ما وصفه بـ“الشماتة” داخل بعض أطراف الحركة وتنصل أخرى من مسؤولياتها، مشيرًا إلى أن قرطام قدّم لاحقًا ما يعتبره أدلة تنفي اتهامات وزارة الري بشأن الواقعة محل الجدل.
اعتذار غير مقبول
رغم اعتذار الحركة المدنية الديمقراطية عبر صفحتها الرسمية وسحب البيان محل الجدل، فإن ذلك لم ينجح في احتواء موجة الغضب والانتقادات التي تصاعدت، ووصلت إلى حد المطالبة بحل الحركة وإنهاء تجربتها باعتبارها لم تعد قادرة على أداء دورها كإطار جامع لقوى المعارضة المدنية.
وخلال الأزمة الأخيرة أثير الجدل حول مستقبل الحركة، إذ رأى منتقدون أنها فقدت قدرتها على تمثيل المعارضة المدنية أو التعبير عن أولوياتها، معتبرين أن الأزمة الأخيرة كشفت حجم الأزمات التنظيمية والسياسية الممتدة، ما دفع بعض الأصوات إلى المطالبة بحلها والبحث عن إطار بديل أكثر تماسكًا وفاعلية.
في هذا السياق، ترى علا شهبة، القيادية في حزب العيش والحرية، أن أزمة الحركة المدنية الديمقراطية أعمق من واقعة البيان الأخير معتبرة أن جذورها ترتبط بطبيعة التحالف وآليات عمله واختياراته السياسية.
وتوضح، في حديثها لـ”زاوية ثالثة”، أن انسحاب أي حزب لن يحل الأزمة، لأن الحركة بطبيعتها قامت على تحالف قوى مختلفة سياسيًا وفكريًا، وهو أمر طبيعي في التحالفات، لكنها ترى أن الإشكال الحقيقي يتمثل في مسألتين أساسيتين: ضعف الارتباط بالقضايا الاجتماعية المباشرة وغياب قاعدة جماهيرية حقيقية، ما جعل الحركة تفتقد سندًا اجتماعيًا يراقب أداءها ويمنحها شرعية أوسع.
وتضيف أن الأزمة الثانية تتعلق بالبنية الداخلية وآليات اتخاذ القرار، مشيرة إلى أن أزمة البيان الأخير كشفت خللًا واضحًا في طريقة صناعة القرار داخل الحركة، حيث صدر البيان دون نقاش كافٍ بين جميع الأطراف، وتم التعامل مع بعض الاعتراضات باعتبارها آراء أقلية، بينما لم يقدّم آخرون اعتراضًا صريحًا رغم تحملهم المسؤولية السياسية عنه.
كذلك تشير القيادية بحزب العيش والحرية إلى ما جرى بعد صدور البيان كشف عن أن بعض الأطراف داخل الحركة سارعت إلى الدفاع عن نفسها بصورة منفردة وإعلان عدم مسؤوليتها عن البيان، معتبرة أن هذه اللحظة مثلت إعلانًا عمليًا بأن الحركة لم تعد تعمل كائتلاف سياسي منسق، لأن عددًا من مكوناتها انشغل بحماية كيانه الحزبي بدلًا من الدفاع عن القرار الجماعي. كما كشف الأمر عن وجود تكلس واضح في آليات العمل الداخلي، وعدم اكتراث من بعض الأطراف بمصير التحالف نفسه، فضلًأ عن غياب الخيال السياسي والقدرة على تقدير تبعات القرارات التي تصدر باسم الحركة.
وتعتبر أن إشكال البيان لم يكن فقط في مضمونه، بل في انفصاله عن السياق الاجتماعي، إذ إن القضية التي تناولها ارتبطت برجل أعمال لا يمثل تهديدًا اجتماعيًا عامًا، ما جعل المقارنة التي تضمنها البيان مع قضايا مثل الوراق أو المقابر التاريخية غير موفقة سياسيًا، وكشف عن ضعف في تقدير ردود الفعل.
وفي المقابل، يقول وليد العماري، المتحدث الرسمي باسم الحركة المدنية وعضو حزب الدستور، إن اجتماع مجلس الأمناء تم تأجيله لضمان حضور أوسع، على أن يعقد الاجتماع القادم في مقر حزب التحالف أو العيش والحرية- تحت التأسيس، مؤكدًا أن ما يُتداول بشأن حل الحركة لا يستند إلى نقاش رسمي حتى الآن.
ويضيف أن النقاشات داخل الحركة تتركز حول خيارين: إما إعادة هيكلة شاملة وتجديد دماء، أو الحل إذا تعذر التوافق على الإصلاح، لافتًا إلى أن فكرة الحل لم تُطرح كقرار نهائي داخل المجلس.
ويشير إلى أن جزءًا كبيرًا من الانتقادات الحالية صادر عن أطراف كانت ضمن التيار الديمقراطي منذ نشأته، معتبرًا أن بعض الخطاب الرافض للحركة والمطالب بحلها لا يقدم بديلًا واضحًا لمستقبل العمل المدني.
ويؤكد العماري أن الحركة اعترفت بخطأ البيان وقدمت اعتذارًا عنه، في إطار ترسيخ ثقافة المساءلة السياسية، مشددًا على أن الحياة السياسية في مصر تفتقر عمومًا للاعتراف بالأخطاء. ويضيف أن التخوف الحقيقي يتمثل في استمرار الهجوم حتى بعد تنفيذ أي إصلاحات أو إعادة هيكلة، محذرًا من أن استمرار ذلك قد يهدف إلى إضعاف المعارضة المدنية، خاصة مع تبني بعض وسائل الإعلام الرسمية لهذا الخطاب.
شباب الحركة المدنية محاولة لإعادة الهيكلة بائت بالفشل
وفي سياق الحديث عن إعادة الهيكلة الداخلية التي يستعد مجلس أمناء الحركة المدنية لمناقشتها خلال اجتماعه المرتقب في 12 يونيو، تعود إلى الواجهة تجربة سابقة خاضتها الحركة في عام 2024، عندما سعت إلى ضخ دماء جديدة داخل بنيتها التنظيمية عبر إطلاق مبادرة “أمانة الشباب“. وجاءت المبادرة بهدف إدماج الشباب في آليات صنع القرار وتجديد البنية التنظيمية، لكنها بقيت محدودة التأثير رغم تنظيم بعض الفعاليات وتمثيلها داخل مجلس الأمناء.
وبحسب مصادر تحدثت إلى “زاوية ثالثة”، فإن أمانة الشباب واجهت منذ نشأتها تحديات داخلية حالت دون تطورها، إذ لم تحظَ بقبول كامل من جميع مكونات الحركة. ونظرت بعض الأطراف، سواء من ممثلي الأحزاب أو من الشخصيات العامة، إلى المبادرة باعتبارها محاولة لإعادة تشكيل موازين القوى داخل الحركة أو فرض نفوذ جديد على عملية اتخاذ القرار، وهو ما انعكس على مستوى التعاون معها.
وأضافت المصادر أن الأمانة واجهت كذلك أزمات تنظيمية متلاحقة، تتعلق بغياب لائحة واضحة تحدد صلاحياتها وعلاقتها بمجلس الأمناء، فضلاً عن الخلافات حول معايير العضوية والتمثيل، وضعف التنسيق بينها وبين الأحزاب المكونة للحركة، الأمر الذي أدى تدريجيًا إلى تراجع نشاطها وانحسار دورها.
من جهته يوضح أكرم إسماعيل أن الشباب أعضاء الأمانة ظلوا متحفظين إلى حد ما بشأن الانخراط الكامل داخل الحركة، بسبب التوتر المستمر حول ممارسات مجلس الأمناء والخلافات المتعلقة بأولوياته وتفضيلاته. مشيرًا إلى أن الحركة المدنية لم تحسم حتى الآن رغبتها في توسيع المكون الشبابي داخلها، وأن القيادات التقليدية لا تزال تهيمن على الحركة، وأن هناك حذرًا في التعامل مع الجيل الجديد وفتح المجال أمامه وتحمل تبعات ذلك، رغم أن منح الشباب الفرصة لاكتساب الخبرة يقتضي قبول احتمالات ارتكابهم أخطاء أو اتخاذ مواقف غير متزنة في بعض الأحيان.
فيما يرى شوقي أن فشل أمانة الشباب في تجديد الحركة المدنية يعود لسببين رئيسيين: هيمنة قيادة تقليدية تعاملت مع الشباب كملحق تنظيمي لا كقوة تغيير، مقابل عجز المجموعة نفسها عن فرض حضور مؤثر داخل الحركة أو انتزاع مساحة لصالح مشروعها. ويضيف أن الانغلاق السياسي يدفع إلى التقليل من قدرة الشباب على الفعل، وأن المشاريع الجديدة لا يمكن أن تؤثر إلا في فترات انفتاح سياسي واتساع المجال العام.
في السياق، ترى علا شهبة أن أمانة الشباب لم تنجح في أداء الدور المتوقع منها كمساحة لتجديد الأفكار أو تطوير أنشطة تعيد ربط الحركة بالمجتمع. وتضيف أن الإشكال لا يرتبط بالشباب وحدهم، بل بطبيعة تكوينهم السياسي ومدى انخراطهم الفعلي في العمل العام، إلى جانب ضعف اهتمام بعض الأحزاب بالقضايا الاجتماعية والديمقراطية الداخلية، مشيرة إلى أن انتماءهم إلى فئة الشباب لا يكفي لإحداث تغيير إذا ظلوا يتحركون داخل نفس الأطر الفكرية والتنظيمية التقليدية.
كذلك ترى أن إشراك مستقلين وشخصيات عامة داخل مجلس الأمناء، مع مساواتهم في التصويت بممثلي الكيانات الحزبية، قلّص من مساحة تأثير الشباب، وخاصة أن هؤلاء المستقلون أو الذين عرفوا بالشخصيات العامة لا يخضعون للمساءلة من قواعد تنظيمية أو حزبية ولا يستندون إلى جماعات سياسية تدعم مواقفهم.
وتؤكد أن هذا الخلل البنيوي انعكس على أداء الحركة وأمانة الشباب معًا، ما يستدعي مراجعة آلية التأسيس وطريقة العمل. وتشير إلى أن الأمانة نشأت في سياق زخم شبابي مرتبط بالقضية الفلسطينية، لكن التعويل على هذا الزخم وحده لم يكن كافيًا لإنتاج تجديد سياسي حقيقي أو تجربة تنظيمية مستقرة، رغم إدراكها لكلفة هذا الحراك على بعض الشباب واستمرار احتجاز بعضهم.
مستقبل الحركة المدنية إما التطوير أو الحل
عن مستقبل الحركة المدنية، يرى الباحث السياسي مصطفى شوقي أن الدعوات إلى حل الحركة بقرار تنظيمي لن تغيّر من طبيعة الأزمة السياسية القائمة، مرجحًا أنها لن تُحل بإرادة ذاتية، بل ستتجه إلى “تحلل” تدريجي مع بروز بديل سياسي أكثر قدرة على استقطاب العناصر الفاعلة داخلها. ويضيف أن القيادة الحالية غير مؤهلة لاستيعاب مشروعات جادة للإصلاح، وأن ما يُطرح لا يتجاوز، في تقديره، محاولات لتحسين الصورة لا أكثر.
في المقابل، يؤكد وليد العماري أن أمانة الشباب سوف تتقدم في الاجتماع القادم بمقترح لإعادة هيكلة الحركة المدنية على أمل الحفاظ على هذا التحالف المدني. ويشير العماري إلى أن مقترحات الإصلاح تشمل توسيع قاعدة العضوية، وإدماج شخصيات عامة وشباب وقيادات من جيل الوسط، مع إعادة تعريف مفهوم الشخصية العامة ووضع ضوابط للعضوية وربطها بالمشاركة الفعلية، وإسقاط عضوية المتقاعسين، إلى جانب إنشاء مكتب تنفيذي بصلاحيات تنفيذية حقيقية، ووضع ضوابط للخطاب السياسي للحركة باعتبارها تحالفًا مدنيًا لا أيديولوجيًا.
ويضيف العماري أن أمانة الشباب لعبت أدوارًا في ملفات عامة وحقوقية، بينها قضايا علاء عبد الفتاح وإضراب ليلى سويف وملف قانون الإجراءات الجنائية، مؤكدًا أنها ظلت متماسكة رغم الخلافات حول بيان الحركة الأخير.
ويعزو تراجع نشاطها إلى خلافات داخلية وغياب التوافق حول آليات الشفافية والمصارحة، مع التأكيد على أن ذلك لا يعفيها من المسؤولية. كما يوضح أن تمثيل الشباب داخل مجلس الأمناء كان عبر عضوين أحدهما مستقل والآخر حزبي، وأن لهما موقفًا حاسمًا في رفض استخدام اسم الحركة في دعم أي مرشح انتخابي، وهو ما التزم به مجلس الأمناء.
أما علا شهبة ترى أن حلّ الحركة المدنية أو استبدالها بتحالفات أيديولوجية جديدة لن يكون مخرجًا للأزمة، لأن ذلك سيعيد إنتاج كيانات أصغر تواجه المشكلات ذاتها ولكن بقدرة تأثير أضعف. وتوضح أن الحركة نشأت أساسًا كتحالف لقوى معارضة في سياق سياسي مغلق، بهدف تنسيق الجهود حول قواعد مشتركة لا توحيد المرجعيات الفكرية، معتبرة أن وجودها لا يمنع في الوقت نفسه قيام تحالفات موازية حول قضايا أو توجهات محددة إذا رغبت أي من الأطراف في ذلك.
وتشير إلى أن الأزمة الحقيقية لا تتعلق بشكل التحالف بقدر ما تتعلق بكيفية إدارته وآليات اتخاذ القرار داخله، معتبرة أن الحركة المدنية تحتاج اليوم إلى ضغط خارجي حقيقي إذا كانت ترغب في إعادة هيكلة جادة تقوم على أسس مختلفة.
وتؤكد كذلك على أن الأحزاب المكونة للحركة نفسها تحتاج إلى مراجعة عميقة لآليات اتخاذ القرار داخلها، والقضايا التي تتبناها، ولوائحها الداخلية، ومدى احترامها للديمقراطية الداخلية وحقوق النساء وأعضائها، معتبرة أن هذه الملفات ليست قضايا هامشية، وإنما تعكس طبيعة الثقافة السياسية السائدة داخل هذه الأحزاب، ومدى قدرتها على إنتاج قيادات جديدة وتمكين الأعضاء المهمشين من التأثير في القرار السياسي.
تكشف أزمة الحركة المدنية الديمقراطية، أن الإشكال لم يعد مرتبطًا بواقعة بعينها أو بيان مثير للجدل، بل يعكس تراكمًا طويلًا من التباينات السياسية والتنظيمية داخل تحالف تأسس على التنوع أكثر من الانسجام، وبين مسارات الإصلاح وإعادة الهيكلة من جهة، ودعوات الحل من جهة أخرى، تبدو الحركة أمام لحظة اختبار حاسمة تتعلق بقدرتها على تجديد أدواتها وإجراء مراجعة تنظيمية شاملة، أو مواجهة احتمال التآكل التدريجي في ظل غياب بديل سياسي واضح حتى الآن.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.