موقع زاوية ثالثة
بعد الأراضي والقمح والأسماك.. جهاز مستقبل مصر يتولى 40 ألف منفذ تمويني
مذكرة تفاهم حكومية لتحويل 40 ألف منفذ تمويني يستفيد منها 60.8 مليون مواطن إلى علامة “كاري أون” بإدارة جهاز مستقبل مصر، لكن أصحاب المنافذ لم يتلقوا أي إخطار رسمي بآليات التحول أو مصادر تمويله، فيما لا تتجاوز هوامش أرباحهم 25 قرشًا للعبوة.
في الثاني من يونيو الجاري أعلن مجلس الوزراء، توقيع مذكرة تفاهم بين الشركة القابضة للصناعات الغذائية وجهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر، لتحويل وتطوير المنافذ التموينية، وعلى رأسها مشروع “جمعيتي” وبدالي التموين، للعمل تحت مظلة شركة “كاري أون”، والتي وافق الرئيس عبد الفتاح السيسي، في فبراير الماضي على إطلاقها كمشروع قومي، يهدف لتوحيد العلامة التجارية للمجمعات والمنافذ التموينية.
وتضمنت المذكرة إتاحة جهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر حزمة متكاملة من الخدمات التمويلية والفنية لأصحاب المنافذ التموينية القائمة والمستحدثة، بما يشمل تمويل المشروعات بنظام الامتياز التجاري (الفرانشايز).
ويستند هذا النظام إلى منح صاحب علامة تجارية ناجحة الحق لمستثمر آخر في استخدام العلامة التجارية وتطبيق نموذج التشغيل المعتمد لها داخل نطاق جغرافي محدد، مقابل عائد مالي متفق عليه، بما يتيح للمستثمر الاستفادة من الخبرات التشغيلية والسمعة التجارية المتراكمة للشركة المالكة للعلامة.
ويبلغ عدد المنافذ التموينية في مصر 40 ألف منفذ، تضم ما يقرب من 30 ألف بدال تمويني، و8500 منفذ ضمن مشروع “جمعيتي”، إلى جانب أكثر من 300 سيارة متنقلة لبيع السلع الغذائية، فضلاً عن 1062 منفذًا تابعًا للشركة القابضة للصناعات الغذائية، يستفيد منها نحو 60.8 مليون مواطن.
ومن المقرر أن يتولى جهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر تقديم حزمة من الحوافز الضريبية والائتمانية والتسويقية لدعم مشروع توحيد الشكل والهوية البصرية للمنافذ التموينية على مستوى الجمهورية. غير أن هذه التوجيهات أثارت حالة من القلق والتساؤلات بين أصحاب المنافذ التموينية وبدالي التموين وفروع مشروع “جمعيتي”، الذين أعربوا، في تصريحات لـ”زاوية ثالثة”، عن مخاوفهم من أن تترتب على عملية التطوير أعباء مالية إضافية قد لا تتمكن بعض المنشآت الصغيرة من تحملها.
ويقول ماجد نادي، نقيب بقالي التموين والمفوض من ممثلي بدالي التموين بالمحافظات، إن فروع مشروع “جمعيتي” والمنافذ التموينية لم تتلقَّ حتى الآن أي مخاطبات أو منشورات رسمية من وزارة التموين أو الجهات المعنية توضح آليات التحول إلى العلامة التجارية “كاري أون”، أو تحدد ما إذا كان الانضمام إلى المنظومة الجديدة سيكون إلزاميًا أم اختياريًا، كذلك لم تُعلن الجهات المختصة، بحسب قوله، عن مصادر تمويل أعمال التطوير أو الكيفية التي ستتحمل بها المنافذ تكاليف تنفيذها.
ورغم تأييده لمخطط تطوير المنافذ التموينية والارتقاء بمستوى الخدمات المقدمة للمواطنين، يبدي نادي تحفظات تتعلق بالاشتراطات المتوقعة للمشروع، ولا سيما ما يرتبط بمساحات الفروع المطلوبة، والتي قد لا تتوافر في عدد كبير من متاجر البقالة التموينية ومنافذ “جمعيتي” القائمة.
كذلك يحذر من أن يضطر بعض التجار إلى استئجار مقار جديدة أو إجراء أعمال تطوير واسعة على نفقتهم الخاصة للامتثال للمعايير الجديدة، قبل أن يواجهوا لاحقًا مخاطر عدم تجديد عقود الإيجار من جانب الملاك، الأمر الذي قد يترتب عليه فقدان الاستثمارات التي ضخوها في تلك المواقع.
وبدأ المشروع في 29 سبتمبر من العام الماضي، حين افتتح العقيد طيار بهاء الغنام، الرئيس التنفيذي لجهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، والدكتور شريف فاروق، وزير التموين والتجارة الداخلية، أول ثلاثة فروع مطورة من المجمعات الاستهلاكية تحت العلامة التجارية الموحدة “كاري أون”، وذلك في مناطق كلية البنات والأميرية والسيدة زينب، والمتخصصة في بيع اللحوم والأسماك.
وفي إطار التوسع بالمشروع، افتتح وزير التموين الفرع الرابع في ديسمبر الماضي بمدينة الإنتاج الإعلامي بمحافظة الجيزة، فيما تستهدف الخطة التوسع بافتتاح سلاسل جديدة في منطقتي شينزو أبي وسوق غزة بالقاهرة، ضمن توجه حكومي لإعادة تطوير منافذ بيع السلع الغذائية وتوحيد هويتها التجارية
“كاري أون ” تعد امتداد لفكرة السلاسل التجارية التي كان قد أطلقها “مستقبل مصر”، تحت مسمى “سوبر توفير“، وتضم 1427 منفذًا بمختلف المحافظات، وتستهدف الوصول إلى 2000 منفذ بحلول عام 2027، والتي يقول الجهاز إنها تسهم في تخفيض الأسعار عبر تقليل حلقات التوريد وتوصيل المنتج من المصدر للمواطن مباشرة، ومن خلال العلامة التجارية “خيرها” يوفّر الجهاز 20 سلعة استراتيجية تتضمن السكر، الأرز، الزيت، الدقيق والبقوليات والخضروات المجمدة.
ويمنح مشروع “كاري أون” جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة دورًا متزايدًا في قطاع تجارة وتوزيع السلع الغذائية، بعد أن توسعت أنشطته خلال السنوات الأخيرة من الإنتاج الزراعي واستصلاح الأراضي إلى مجالات الاستيراد والتسويق والتوزيع الغذائي.
ويُعد الجهاز كيانًا حكوميًا أُنشئ بموجب قرار رئيس الجمهورية رقم 591 لسنة 2022، ويرأسه العقيد طيار بهاء الدين محمد الغنام، ويتولى إدارة عدد من المشروعات الاقتصادية والتنموية الكبرى، تشمل استصلاح الأراضي الزراعية، واستيراد السلع الاستراتيجية، والإنتاج الغذائي، إلى جانب مشروعات صناعية وخدمية متنوعة. ومع اتساع نطاق أنشطته ودخوله المتزايد في حلقات إنتاج وتوزيع الغذاء، يثير الجهاز جدلًا متواصلًا بشأن طبيعة دوره الاقتصادية وآليات عمله وتأثيره على هيكل الأسواق المحلية
أوضاع اقتصادية ومهنية متردية
يأتي الإعلان عن التحول إلى العلامة التجارية “كاري أون”، في وقت يواجه فيه ملاك فروع “جمعيتي” والبدالين التموينيين، أوضاعًا اقتصادية ومهنية متردية، في ظل غياب أي ضمانات أو تأمينات اجتماعية وصحية للعاملين بالمنظومة، إذ يتحملون جميع الأعباء التشغيلية على نفقتهم الخاصة، بدءًا من نقل السلع من المخازن إلى المنافذ، مرورًا بسداد إيجارات المحال والمخازن وفواتير الكهرباء والمياه وأجور العمالة، وصولًا إلى تحمل خسائر أي عجز أو تلف أو سرقات قد تقع أثناء العمل، بحسب سعيد محمد، أحد البدالين التموينيين بمحافظة المنوفية.
ويرى أن ارتفاع تكاليف نقل البضائع أصبح يمثل عبئًا كبيرًا على أصحاب المنافذ، إذ ارتفعت تكلفة نقلة البضائع من عشرات الجنيهات في السابق إلى ما بين 600 و700 جنيه حاليًا، في وقت يعاني فيه كثير من البدالين من نقص السيولة وعدم القدرة أحيانًا على توفير مصروفات التشغيل الأساسية.
يقول لـ “زاوية ثالثة”: “العاملين بالمنظومة يضطرون للعمل لساعات طويلة تمتد إلى 10 و12 ساعة يوميًا، بما في ذلك بعض فترات الأعياد، دون الحصول على إجازات أو مزايا وظيفية مماثلة للعاملين في القطاعات الأخرى.
ويؤكد أن المشكلة لا تقتصر على الأوضاع المعيشية للبدالين، بل تمتد إلى غياب الوضوح بشأن آليات العمل والتغييرات المرتقبة في المنظومة التموينية، موضحًا أن التجار كثيرًا ما يتفاجؤون بقرارات أو إجراءات جديدة دون إخطار مسبق أو شرح كافٍ، رغم أنهم يواجهون المواطنين بشكل مباشر ويتحملون تبعات أي نقص في السلع أو تأخير في وصولها.
ويلفت إلى أن أصحاب البطاقات التموينية يحملون التاجر مسؤولية أي أزمة تتعلق بتوافر السلع أو تشغيل المنظومة، رغم أنها ترتبط بتأخر توريد البضائع أو قرارات إدارية خارجة عن إرادة أصحاب المنافذ، داعيًا وزارة التموين إلى سرعة الإعلان عن السياسات الجديدة المتعلقة بالتحول إلى العلامة التجارية كاري أون، حتى يتمكن البدالين التموينيين من الاستعداد لها وتوضيحها للمواطنين.
أما منى السيد (اسم مستعار)، التي تدير مع زوجها أحد فروع “جمعيتي” في كفر الشيخ، فتعتقد أن الحديث عن تطوير المنافذ أو الحصول على قروض جديدة لا يراعي الواقع الاقتصادي الصعب الذي يعيشه أصحاب الفروع، إذ أن هامش الربح على بعض السلع التموينية محدود للغاية، لا يتجاوز في بعض الأحيان 25 قرشًا للعبوة الواحدة، بينما يتحمل التاجر كامل خسائر الهالك أو التلف في السلع، فضلًا عن النفقات التشغيلية من إيجارات وكهرباء وورق تشغيل وأكياس وخدمات أخرى.
وتؤكد أن مشروع “جمعيتي” بالكاد يغطي تكاليفه التشغيلية وضرائبه تأميناته، بينما يضطر زوجها إلى العمل في وظيفة إضافية بعد انتهاء عمله بالمحل لتوفير احتياجات الأسرة.
تقول لـ “زاوية ثالثة”: “نحن وكثير من أصحاب الفروع ما زلنا نسدد القروض التي حصلنا عليها عند بدء المشروع، لدفع قيمة التأمين والبضاعة، وتحملنا أعباء تمويل مرهقة، ما يجعل فكرة الحصول على قروض جديدة للتطوير بمثابة أزمة بالنسبة لنا”.
وتؤكد أن غالبية أصحاب المنافذ لا يرفضون التطوير من حيث المبدأ، لكنهم يحتاجون إلى وضوح بشأن آليات التنفيذ والتكلفة ومصادر التمويل، مضيفة: “الناس لا تريد الدخول في قروض جديدة قبل معرفة مصير المشروع وشكل المنظومة الجديدة. بالنسبة لنا الأولوية هي الاستمرار وتغطية المصروفات الحالية، وليس تحمل أعباء مالية إضافية قد لا نستطيع الوفاء بها”.
وتبدي “منى” تخوفها من كون اشتراطات التطوير المقترحة تتطلب مساحات للمحال لا تقل عن 30 مترًا، في وقت ارتفعت فيه الإيجارات بصورة كبيرة، مؤكدة أن غالبية أصحاب الفروع، خصوصًا المستأجرين، لا يعرفون كيف سيتمكنون من تحمل تكاليف التوسعات أو التطوير في ظل ضعف العائد الحالي.
وتشير إلى أن أصحاب المنافذ يواجهون أيضًا مشكلات متكررة في توفير السلع التموينية، موضحة أن بعض الفروع تبدأ صرف المقررات التموينية في أول الشهر ثم تقضي أيامًا أو أسابيع في انتظار وصول كميات جديدة من السلع الأساسية، وعلى رأسها السكر والزيت، بينما نقص السلع يضع التاجر في مواجهة مباشرة مع المواطنين، الذين يحملونه مسؤولية عدم توافر الأصناف المعلن عنها ضمن الدعم أو المنحة الإضافية.
اشتراطات المساحة وتكاليف التطوير
في أبريل الماضي بدأت وزارة التموين والتجارة، في حصر منافذ البقالين على مستوى الجمهورية الراغبين في الانضمام إلى منظومة “كاري أون”، على أن يتم بحث البيانات والتأكد من استيفاء المنافذ للشروط المخصصة لذلك ثم تطويرها وضمها للمنظومة.
وتضمنت نماذج طلب اشتراك بدّالي التموين، ومنافذ جمعيتي، لتحويل منافذهم إلى سلسلة “كاري أون”، والتي قامت وزارة التموين والتجارة الداخلية بإرسال إلى شعبة البقالة والمواد الغذائية بالغرف التجارية، في أبريل الماضي، طلب معلومات اسم صاحب النشاط، اسم المدير المسئول إن وُجد، عنوان المَنفذ تفصيليًّا، المحافظة التي ينتمي إليها، مساحة المنفذ، المَنفذ إيجار أم تمليك، مدة عقد الإيجار، رقم التليفون.
علي أبو زراير، أحد البدالين التموينيين بمحافظة الشرقية، كان من أوائل التجار الذين سارعوا بالتسجيل في عملية الحصر التي أعلنت عنها وزارة التموين، آملًا في تحسين أوضاع مشروعه الذي تستنزف غالبية أرباحه في سداد الضرائب التي تبلغ نحو 27 ألف جنيه سنويًا، بجانب التأمينات البالغة نحو ألف جنيه كل شهر، ونفقات نقل البضائع والسلع التموينية، إضافة إلى تحمل قيمة الهدر نتيجة تلف كميات من العبوات أثناء نقلها.
ورغم أن المعلومات المتاحة حتى الآن بشأن منظومة “كاري أون” لا تزال محدودة، إلا أن أبو زراير، يؤكد أن أحد الشروط الأساسية للانضمام إلى المنظومة، هي ألا تقل مساحة المنفذ عن 30 مترًا مربعًا، فيما سيتحمل التاجر تكلفة التطوير.
ويلفت إلى أن باب التقديم الرسمي للمنظومة لم يُفتح بعد، وأن ما يجري حاليًا يقتصر على حصر الراغبين في الانضمام، على أن تبدأ الإجراءات التنفيذية، وفق ما أُبلغ به التجار، مطلع العام المقبل.
ويوضح أن المنظومة المقترحة تقوم على فكرة “الكارت الموحد”، بحيث يحصل المواطن على الدعم النقدي على البطاقة ويستخدمه في شراء ما يحتاجه من السلع، على غرار السوق الحر، بدلًا من الاقتصار على قائمة محددة من السلع التموينية؛ إذ ستجمع الفروع المطورة بين التجارة الحرة والسلع المدعمة داخل منفذ واحد.
يقول لـ “زاوية ثالثة”: “المنظومة قد تساهم في معالجة بعض المشكلات التي يواجهها البدالون حاليًا، خاصة ما يتعلق بتكاليف نقل السلع التموينية، لا سيما بالنسبة للمنافذ الصغيرة التي تحصل على كميات محدودة من البضائع”.
ويأمل البقال التمويني أن يعوض التوسع في النشاط التجاري، التجار عن تكاليف التطوير والإيجارات المرتفعة، من خلال زيادة حجم المبيعات وتنوع السلع المعروضة.
ورغم أن تفاصيل الجهات المشاركة وآليات التوريد لم تُعلن حتى الآن، إلا أنه يشرح أن وزارة التموين ستظل جهة إشرافية على المنظومة، بينما ستتولى الشركة القابضة للصناعات الغذائية ومصانع الإنتاج الحربي توريد السلع لفروع كاري أون.
وفي السياق ذاته يرى السيد برعي، رئيس شعبة المواد الغذائية والبقالة التموينية بمحافظة البحيرة، أن مشروع “كاري أون” يجب النظر إليه باعتباره مشروعًا لتحويل نحو 40 ألف منفذ تمويني إلى سلسلة تجارية موحدة تعتمد على نظام الشراء المجمع، وليس مجرد تغيير في الاسم أو الهوية البصرية للمنافذ.
ويؤكد أن الفكرة التي يجري الحديث عنها حاليًا سبق أن طرحتها الشعبة العامة للمواد الغذائية منذ نحو عامين، قبل الإعلان الرسمي عن “كاري أون”، بهدف تمكين المنافذ التموينية من العمل ضمن منظومة شراء موحدة تسمح بالحصول على السلع بأسعار أقل، بما ينعكس على المستهلك والتاجر معًا.
يقول لـ “زاوية ثالثة”: “المنظومة المقترحة تعتمد على التسعير الموحد والميكنة الكاملة، بحيث تخضع أسعار السلع للرقابة عبر نظام إلكتروني موحد، ما يحد من تفاوت الأسعار بين المحافظات والمناطق المختلفة”.
ويرى أن الأولوية يجب أن تكون لتأمين السلع بأسعار مناسبة للمواطن، وليس للتركيز على الشكل الخارجي للمنافذ وتغيير الهوية البصرية والحد من تكاليف تطوير المنافذ التموينية لاسيما أن معظمها تعمل بالفعل ضمن منظومة مميكنة ومجهزة للتشغيل، مؤكدًا أن كثيرًا من التفاصيل التنفيذية، بما فيها الجهات التي ستتولى توفير السلع وآليات التطبيق، لم تُحسم بشكل نهائي بعد.
ويعتبر أن نجاح المشروع يتوقف على تطبيق نظام شراء مجمع موحد يتيح التفاوض على كميات ضخمة من السلع، وهو ما يمكن أن يخفض أسعار الشراء ويزيد من قدرة المنافذ الصغيرة على منافسة السلاسل التجارية الكبرى.
ويرى أن المستفيد الأول من المشروع هو المستهلك، الذي سيتمكن من الحصول على السلع بأسعار أكثر استقرارًا، إلى جانب استفادة التاجر من تحسين هامش الربح من خلال خفض تكلفة الشراء وزيادة حجم التداول.
ويشير إلى أن الاتحاد العام للغرف التجارية دعا إلى اجتماع مع ممثلي الشعبة والبدالين التموينيين في الثامن من يونيو الجاري، لبحث تفاصيل المشروع ووضع “النقاط على الحروف”، موضحًا أن الهدف هو الوصول إلى تصور يضمن حماية مصالح التجار الصغار وعدم تكرار المشكلات التي صاحبت تطبيقات سابقة في المنظومة التموينية.
ويستعيد برعي تجربة فرض التأمينات المالية على البدالين التموينيين عام 2017، معتبرًا أنها لم تحقق النتائج التي وُعد بها التجار آنذاك، وهو ما يجعلهم أكثر حذرًا تجاه أي مشروع جديد. لذلك يؤكد ضرورة إعلان آليات التنفيذ والضمانات بصورة واضحة قبل بدء التطبيق الفعلي.
ورغم هذه التحفظات، يبدي برعي تفاؤله بالمشروع إذا طُبق وفق التصور الذي طرحته الشعبة، مشيرًا إلى أنه قد يمثل “نقطة تحول” للمنافذ التموينية من خلال تعزيز قدرتها التنافسية وتحسين أوضاع التجار الذين يعانون منذ سنوات من انخفاض هوامش الربح وارتفاع تكاليف التشغيل.
تحقيق للتوازن أم إخلال بالتنافسية؟
من ناحية أخرى يثير المشروع مخاوف بشأن الإخلال بمبدأ التكافؤ التنافسي في الأسواق المحلية، كونه من المفترض أن يضم 40 ألف منفذًا، ستنافس بقوة سلاسل السوبر ماركت ومتاجر البقالة والمواد الغذائية في مصر، وتحظى بأفضلية سعرية، مما قد يؤثر على فرص العمل المرتبطة بها.
وبسؤاله حول تأثير المشروع على تجار التجزئة خارج منظومة التموين و”جمعيتي”، يؤكد حازم المنوفي، عضو شعبة المواد الغذائية باتحاد الغرف التجارية، أن الهدف الأساسي للمشروع ليس الإضرار بأي طرف، وإنما تحقيق التوازن في السوق من خلال توفير السلع بأسعار عادلة، بما يدفع مختلف منافذ البيع إلى تقديم أسعار أكثر تنافسية لصالح المستهلك.
ويوضح أن تحويل المنافذ التموينية وفروع “جمعيتي” للعمل تحت العلامة التجارية الموحدة “كاري أون” يأتي في إطار مشروع قومي تتبناه الدولة لتطوير منظومة التجارة الداخلية وتوسيع نطاق إتاحة السلع للمواطنين.
ورغم أن بعض أصحاب المنافذ التموينية لديهم مخاوف تتعلق بتكاليف التطوير والتأهيل المطلوبة للانضمام إلى المنظومة الجديدة، إلا المنوفي يرى أن المؤشرات الأولية تشير إلى وجود تسهيلات وآليات دعم وتمويل تستهدف تخفيف الأعباء عن التجار المشاركين.
يقول لـ “زاوية ثالثة”: “الدولة تسعى إلى الاستفادة من الانتشار الجغرافي الواسع للبدالين التموينيين وفروع “جمعيتي”، باعتبارها نقاط بيع قريبة من المستهلكين في مختلف المناطق”.
ويشير عضو شعبة المواد الغذائية إلى أن المنظومة الجديدة تقوم على شراكة وتنسيق بين وزارة التموين والتجارة الداخلية، وجهاز “مستقبل مصر”، ووزارة الزراعة، بما يضمن توفير السلع بأسعار مناسبة وتحقيق التوازن في السوق.
ويلفت إلى أن المنتجات التي يطرحها جهاز “مستقبل مصر” تقل أسعارها عن مثيلاتها في السوق الحرة، وهو ما ينعكس إيجابًا على المستهلك ويسهم في ضبط الأسعار.
ويضيف أن تفاصيل وآليات التنفيذ لا تزال غير واضحة بشكل كامل حتى الآن، والصورة النهائية للمشروع ستتضح مع صدور القرارات والإجراءات التنفيذية المنظمة له.
في المقابل يتساءل الباحث في سياسات التعاقدات وتعاون الدفاع، مؤمن أشرف، حول الأعباء المالية التي قد تُفرض على أصحاب المنافذ التموينية الصغيرة، حال التحول إلى العلامة التجارية الموحدة كاري أون خاصة في ظل محدودية هوامش أرباحهم الحالية، التي تُحتسب بالقروش على السلع المدعمة، ما يجعل قدرتهم على تحمل تكاليف إضافية محل شك.
ويشرح الباحث في تدوينة له عبر حسابه الشخصي على موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك، أن متطلبات التطوير المتداولة، والتي تشمل تحديث واجهات المحال، وتركيب تجهيزات جديدة وأنظمة تشغيل إلكترونية، قد تدفع بعض أصحاب المنافذ إلى اللجوء للاقتراض من أجل تنفيذها.
ويشير إلى أن المعلومات المتداولة بشأن المنظومة الجديدة تتضمن حديثًا عن مشاركة جهات مختلفة في الإدارة والتشغيل والتوريد، وهو ما يستدعي – من وجهة نظره – مزيدًا من الشفافية والإفصاح بشأن طبيعة التعاقدات وآليات التمويل وتوزيع الأرباح والمسؤوليات بين الأطراف المختلفة.
وبحسب تقديره، فإن أصحاب المنافذ الذين يعانون بالفعل من ضعف العائد قد يجدون صعوبة في سداد التزامات مالية جديدة إذا لم تتوافر لهم آليات دعم أو تمويل ميسرة، محذرًا من أن تطبيق المنظومة الجديدة بصورة إلزامية قد يؤدي إلى خروج بعض أصحاب المنافذ الصغيرة من السوق إذا لم يتمكنوا من الوفاء بمتطلبات التطوير، مما قد ينعكس على أوضاع آلاف البقالين التموينيين وأسرهم.
ويرى أن القضية لا تتعلق فقط بأصحاب المنافذ، بل تمتد كذلك إلى تأثيرات محتملة على المنافسة داخل قطاع تجارة التجزئة، وعلى العلاقة بين الجهات الحكومية والاقتصادية المنخرطة في المشروع، معتبرًا أن نجاح أي عملية تطوير يتطلب ضمان عدم تحميل صغار التجار أعباء تفوق قدرتهم المالية، مع توفير رقابة واضحة وإفصاح كافٍ عن الجوانب الاقتصادية والتنفيذية للمشروع.
وبينما تراهن الحكومة على “كاري أون” باعتباره مشروعًا لتحديث واحدة من أكبر شبكات توزيع السلع في مصر، لا يزال السؤال الأهم بلا إجابة واضحة: من سيتحمل تكلفة هذا التحول؟ فبالنسبة لآلاف البدالين التموينيين وأصحاب فروع “جمعيتي”، لا يتعلق الأمر بتغيير اسم أو لافتة تجارية، بل بمصير نشاط يعتمد عليه عشرات الآلاف من الأسر في ظل هوامش ربح محدودة وأعباء تشغيلية متزايدة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.