هبة، أرملة وأم لطفلين في المرحلة الابتدائية، كانت تمتلك بطاقة تموينية مسجلًا عليها فردان؛ هي وزوجها، قبل أن يُحذف اسمه عقب وفاته، لتصبح حصتها اليومية خمسة أرغفة فقط، تتقاسمها مع طفليها، إلى جانب ما تضطر إلى شرائه بالسعر الحر.
لكن المفاجأة الأكبر بالنسبة لهبة، التي لا تعمل وتعتمد على معاش زوجها البالغ نحو 4 آلاف و300 جنيه لتوفير احتياجاتها وأطفالها، كانت ظهور رسالة تفيد بعدم استحقاقها للدعم ووقف صرف الأرغفة الخمسة لأسرتها. وعندما حاولت معرفة السبب من خلال مكتب التموين، أُبلغت بضرورة فحص بطاقتها عبر موقع مصر الرقمية، لتفاجأ برسالة: "عفوًا.. البطاقة التموينية غير سارية"، دون أي تفاصيل أخرى.
ولم تكن هبة وحدها. فإلى جانب عشرات الشكاوى التي عاينها "صحيح مصر" أمام عدد من الأفران ومنافذ صرف السلع، امتلأت مواقع التواصل الاجتماعي بآلاف الشكاوى المتواصلة، التي تصاعدت بشكل ملحوظ منذ مطلع يوليو الجاري، بشأن وقف بطاقات المستفيدين من دعم الخبز والسلع التموينية.
في التقرير التالي، نتتبع رحلة تراجع دعم الخبز والسلع التموينية خلال العقد الأخير، في ظل برامج الإصلاح الاقتصادي المدعومة من صندوق النقد الدولي، ونرصد حجم الإنفاق الحالي على الدعم، وعدد المستفيدين منه، وأسباب استبعاد مئات الآلاف من البطاقات التموينية.
حذف 6 ملايين شخص من البطاقات التموينية
يبلغ عدد المستفيدين من دعم السلع التموينية 60 مليونًا و800 ألف مواطن، بعدما تم حذف أكثر نحو 6.1 مليون مواطن منذ 2015 وحتى 2026/ 2027.
وتكشف خطة الحكومة المعلنة في تقارير المراجعة الدورية لصندوق النقد الدولي اتجاهها إلى خفض حجم الدعم المقدم للمواطنين، عبر تقليص دعم المواد البترولية، مع الاكتفاء بتحويل الدعم الغذائي التمويني إلى الشكل النقدي، وإلغاء أوجه الدعم الأخرى، ومنها دعم المواد البترولية، ودعم ألبان الأطفال، ودعم شركات المياه، والمزارعين، بحسب مصدر بوزارة المالية تحدث لـ"صحيح مصر" في تصريح سابق.
وبحسب صندوق النقد الدولي، بدأت الحكومة تطبيق إجراءات تعديل السياسات في العام المالي 2014/ 2015، من خلال إعادة هيكلة أسعار الوقود والكهرباء، ووضعت خطة للتخلص التدريجي من أوجه الدعم الموجهة لهما.
ونتيجة لذلك، انخفضت فاتورة الدعم بنحو 3% من الناتج المحلي الإجمالي في العام المالي 2014/ 2015.
تراجع سنوي في برامج الدعم والمنح
تكشف مراجعة الموازنة العامة أنه خلال الفترة من العام المالي 2014/ 2015 حتى موازنة العام الحالي 2026/ 2027، انخفض باب الدعم والمنح من 9.7% من الناتج المحلي الإجمالي إلى 3.4%، بتراجع تجاوز النصف.
كما مثّل دعم السلع التموينية نحو 4% من إجمالي مصروفات الموازنة العامة في العام المالي 2014/ 2015، قبل أن يتراجع إلى 3.4% من إجمالي مصروفات موازنة العام المالي 2026/ 2027.
وخصصت الموازنة العامة للعام المالي 2026/ 2027 نحو 178 مليارًا و300 مليون جنيه لدعم السلع التموينية، تشمل دعم رغيف الخبز، ودقيق المستودعات، ونقاط الخبز، وسلع البطاقات التموينية.
ويستحوذ دعم رغيف الخبز على 133 مليارًا و799 مليون جنيه، فيما يخصص 6 مليارات و661 مليون جنيه لدعم دقيق المستودعات، ومليار و840 مليون جنيه لدعم نقاط الخبز.
ومن بين كل 100 رغيف مدعم، يسحب المستحقون 85 رغيفًا، بحسب تقديرات الموازنة، بما يشير إلى استمرار ارتفاع الطلب على الخبز المدعم، بينما يستبدل المستحقون الـ15 رغيفًا المتبقية بنقاط تُصرف في صورة سلع، بواقع 10 قروش لكل رغيف.
إسراء، إحدى المستفيدات من منظومة دعم الخبز، تقول إنها تضطر إلى استبدال حصتها بنقاط، بعدما انتقلت إلى منطقة سكنية أخرى ولم تعد تتمكن من صرف الخبز. أما منى، فلا تحصل على حصتها من الخبز المدعم، لعدم قدرتها على ترك أطفالها لساعات تقضيها في طابور الخبز اليومي، فتضطر في معظم الأحيان إلى شراء الخبز بالسعر الحر، وتكتفي باستبدال ما تبقى من حصتها بنقاط للحصول على السلع.
ويبلغ حجم دعم السلع على البطاقات التموينية نحو 36 مليار جنيه، ويحصل كل مواطن مقيد على بطاقة تضم أسرة من أربعة أفراد على 50 جنيهًا دعمًا سلعيًا، بينما يحصل كل فرد يزيد على الأربعة على 25 جنيهًا.
إغلاق شبه دائم.. وإضافات مشروطة لمنظومة الدعم
فتحت وزارة التموين باب إضافة مستفيدين جدد إلى منظومة دعم السلع التموينية في عام 2018، للمواليد خلال الفترة من 2006 إلى 2015، وفق شروط تتعلق بانخفاض الدخل، والتعطل عن العمل، والانتماء إلى الفئات الأولى بالرعاية، وذلك بحسب القرار الوزاري رقم 19 لسنة 2018.
وفي عام 2022، وبناءً على زيادة أعداد المترددين على مكتب خدمة المواطنين بديوان عام الوزارة لتقديم طلبات إضافة المواليد من الفئات الأكثر احتياجًا، أعادت الوزارة فتح باب استقبال الطلبات، لكنه اقتصر على أربع فئات هي: مستحقو معاش تكافل وكرامة، ومستحقو معاشات التضامن، وحاملو كروت الخدمات المتكاملة، وأسر الشهداء.
التموين: حذف 850 ألف مواطن من البطاقات في يونيو
في الخامسة صباحًا، هربًا من الطوابير الطويلة وارتفاع درجات الحرارة، توجهت أمل إلى أحد الأفران القريبة من منزلها للحصول على الخبز، كما اعتادت يوميًا. لكنها فوجئت بأن بطاقتها التموينية، المقيد عليها اسمها وزوجها فقط دون طفليهما، متوقفة عن الصرف.
توجهت الأم الشابة إلى مكتب التموين للاستفسار عن سبب وقف البطاقة، وهناك سألها الموظف عما إذا كان أحد أبنائها يدرس في مدرسة خاصة. وحين أجابت بالإيجاب، أخبرها بأن ذلك هو سبب اعتبارها غير مستحقة للدعم.
تقول أمل إن زوجها يغادر المنزل في السادسة صباحًا، ولا يعود إلا بعد الواحدة بعد منتصف الليل، إذ يعمل في وظيفتين مقابل دخل يبلغ نحو 10 آلاف جنيه شهريًا. وتوضح أن الأسرة تسدد من هذا المبلغ إيجار الشقة، الذي يلتهم 3500 جنيه من دخلها ويزداد سنويًا، إلى جانب اشتراك جمعية بقيمة ألفي جنيه لتوفير المصروفات الدراسية، التي تبلغ نحو 10 آلاف جنيه سنويًا لكل من طفليهما، مؤكدة أن ما يتبقى بعد سداد فواتير الكهرباء والغاز والمياه ومصاريف الانتقالات لا يكفي احتياجات الأسرة في كثير من الأحيان.
وأصدرت وزارة التموين بيانًا أكدت فيه استمرار مراجعة وتنقية قواعد بيانات البطاقات التموينية وفق محددات العدالة الاجتماعية، مشيرة إلى أنها ستتيح التظلمات للمستبعدين ممن يرون أن هذه المحددات لا تنطبق عليهم.
وقالت الوزارة إن المراجعة تتم وفق مؤشرات تعكس القدرة الاقتصادية والمالية للمستفيدين، بالاعتماد على قواعد البيانات الرسمية، ومن بينها امتلاك سيارة حديثة أو مرتفعة القيمة، أو الإقامة في تجمعات سكنية فاخرة، أو سداد مصروفات التعليم الدولي أو الخاص، أو امتلاك شركات، أو حيازة أكثر من 10 أفدنة.
وقال أحمد كمال، المتحدث باسم وزارة التموين، إن الوزارة حذفت خلال يونيو الماضي 850 ألف مواطن من بطاقات التموين، موضحًا أن أعداد المستبعدين خلال الشهر الجاري ستتضح بعد نهايته، ومؤكدًا أن الهدف من عملية التنقية ليس تقليل عدد المستفيدين أو خفض قيمة الدعم.
وترى أمل أن وضع التعليم الدولي والتعليم الخاص في معيار واحد أمر غير عادل، إذ لا يمكن، بحسب قولها، المساواة بين من يمتلكون شركات وأراضي وينفقون مئات الآلاف على التعليم الدولي، وبين الأسر التي تلجأ إلى المدارس الخاصة منخفضة التكلفة بحثًا عن مستوى تعليمي أفضل من المدارس الحكومية.
وتشير إلى أن كثافة الفصول في المدرسة الحكومية، عندما حان موعد التحاق طفلها الأول، تجاوزت 70 تلميذًا، فضلًا عن نقص أعداد المعلمين، وهو ما دفع الأسرة إلى الاستثمار في تعليم طفليها رغم الأعباء المالية.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.