اتهامات التمييز الديني تلاحق قطاع كرة القدم في مصر
القاهرة – “القدس العربي”: عادت اتهامات التمييز الديني تلاحق قطاع كرة القدم في مصر، مع واقعة استبعاد طفل مسيحي من الانضمام لناشئي فريق نادي الاتحاد الإسكندري، بسبب ديانته.
وبدأت الواقعة بعد أن نشرت والدة أحد الأطفال المسيحيين شكوى على صفحتها على “فيسبوك، قالت فيها إن نجلها مكاري (13 عاماً) شارك في اختبارات الناشئين في النادي، وإن أحد المدربين أشاد بمستواه الفني قبل أن يتغير الموقف بعد معرفة اسمه.
وقالت الأم في منشورها الذي حذفته لاحقاً، أن المدرب ذاته قال لابنها: “هذا الاسم لا ينفع عندنا”، معتبرة أن ما حدث يحمل شبهة تمييز، ما أصاب نجلها بحالة من الحزن والبكاء.
في حين، نفى مدرب الفريق أحمد ساري أن يكون استبعاد الطفل بسبب ديانته.
وكتب في منشور عبر صفحته قبل أن يحذفه لاحقاً: “لم يصدر عنه مطلقًا قول: مينفعش عندنا”. وزاد أنه أثناء متابعة اللاعبين لفت الطفل مكاري انتباهه، فسأله عن اسمه لتدوينه إذا واصل تقديم مستوى مميز، وأضاف أنه قال له مازحًا: “اسمك صعب”، ثم استكمل تقسيمة اللاعبين.
وبين أن اللجنة الفنية لم تختر مكاري ضمن الأسماء التي اجتازت المرحلة، لافتًا إلى أنه اعتاد بعد كل مرحلة من الاختبارات عقد جلسة مع اللاعبين غير المختارين لرفع روحهم المعنوية، وإبلاغهم بأنهم لاعبون جيدون، وأنه سيحتفظ بأرقامهم لإعادة متابعتهم بعد شهرين أو ثلاثة.
وأضاف أنه فوجئ بالطفل يبكي مع والده خارج الملعب، فتوجه إليه وقال له: “إيه يا كيرو لماذا تبكي ليه؟ رقم هاتفك معي، وأنت لاعب كويس.”
وأكد ساري أنه لم يكن يعلم ديانة الطفل، وأنه لا يعنيه في عملية الاختيار، مشددًا على أنه لا يفرق بين مسلم ومسيحي، وأن معياره الوحيد هو الرأي الفني داخل الملعب.
وختم مؤكدًا أن تربيته وأخلاقه، وعلاقاته الممتدة مع لاعبين ومدربين وأصدقاء مسيحيين، تشهد على رفضه لأي تمييز، مؤكدًا أن نادي الاتحاد الإسكندري لم يكن يومًا قائمًا على التفرقة الدينية، وأنه تربى داخل النادي على قيم المساواة واحترام الجميع.
كذلك، أصدر مسؤولو نادي الاتحاد السكندري تصريحات نفوا فيها بشكل قاطع صحة الاتهامات المتداولة، مؤكدين أن اختيار اللاعبين يتم وفق معايير فنية فقط، وأن ما أثير بشأن وجود تمييز ديني “لا أساس له من الصحة”، مشددين على أن النادي يضم لاعبين من مختلف الخلفيات دون تفرقة.
وأكدوا قبول الطفل مكاري، بعد أن تم استبعاده في السابق، وأن الأمر لم يكن به أي إساءة للطفل، وإنما كان على سبيل الدعابة من المدرب، وأن أزمة اللاعب أعطيت أكبر من حجمها.
ثبوت الواقعة
تصاعد الأزمة دفع وزارة الشباب والرياضة للإعلان عن أن اللجنة التي شكلتها لتقصي حقيقة الواقعة انتهت إلى ثبوت ارتكاب المدرب مخالفة، وذلك بعد الاستماع إلى أقوال عدد من شهود الواقعة.
وشددت الوزارة، في بيان، على عدم التهاون مع أي مخالفة تمس العدالة أو تكافؤ الفرص، أو تنطوي على أي صورة من صور التمييز داخل الهيئات الرياضية والشبابية.
وطالبت إدارة النادي بسرعة استكمال التحقيق مع المدرب وتوقيع الجزاء المناسب، مع موافاة الوزارة بنتائج الإجراءات خلال مدة لا تتجاوز 48 ساعة.
كما تقرر إحالة الواقعة إلى النيابة العامة لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، بما يحقق الردع ويمنع تكرار مثل هذه الوقائع.
وأكدت أن اختبارات الناشئين وجميع الأنشطة الرياضية يجب أن تُدار وفقًا لمبادئ النزاهة والشفافية وتكافؤ الفرص، مشددة على أن حصول الشباب على فرص عادلة لاكتشاف مواهبهم وممارسة الرياضة حق أصيل لا يجوز المساس به.
وأضافت أنها ستتعامل بحزم مع أي تجاوزات تمس المنظومة الرياضية أو تُخل بمبادئ العدالة داخل الأندية ومراكز الشباب.
وقائع أخرى
لم تكن واقعة مكاري هي الوحيدة، ففي عام 2016، تفجّرت قضية على السوشيال ميديا، كان بطلُها الطفل طوني عاطف الذي قالت أسرته وقتها إنه خاض اختبارات النادي الأهلي، وبعد أن أقنع المُختبرين ذهب ليسجل اسمه ضمن المقبولين، فأشار المشرف المسؤول عن تسجيل الأسماء للكابتن المنوط به اختيار اللاعبين على معصمه في إشارة واضحة لديانة الطفل.
ومعظم المسيحيين في مصر يوشمون الصليب أو ما يُعرف بدق الصليب، في عادة تراثية وثقافية مصرية خاصة بالأقباط، حيث يتم وشم صليب صغير على معصم اليد اليمنى.
واقعة أخرى شهدها النادي الأهلي، تم فيها رفض الطفل مينا عصام بعدما نجح في الاختبارات المبدئية، وتفوق على 250 طفلاً متقدماً لمركز حراسة المرمى، وأبلغه المسؤولون بالحضور لفرع النادي في ضاحية مدينة نصر في القاهرة للاختبار النهائي، ليذهب متحمِّساً، ويعلم أن اسمه تم حذفه من القوائم.
وقال مينا عصام، في تصريحات صحافية سابقة، إن الكابتن علي خليل، مدرب حراس المرمى، عامله بشكل سيئ، وعندما ذكر اسمه للكابتن أحمد إكرامي، المشرف الفني على مدربي حراس المرمى في قطاع الناشئين في الأهلي، رفض إعادته للاختبارات، وطرده من على الباب.
لم يشهد المنتخب المصري سوى انضمام عدد قليل من اللاعبين المسيحيين عبر تاريخه، على الرغم من أن التقديرات الرسمية الحكومية لأعدادهم تشير إلى ما بين 5 إلى 8 ملايين نسمة (بنسبة نحو 5% إلى 6%)، بينما تقدرها القيادات الكنسية بنحو 15 مليون نسمة أو أكثر (بنسبة تقارب 10% إلى 15% من إجمالي السكان).
تعصب المدربين
وكان هاني رمزي آخر لاعب مسيحي انضم للمنتخب مصر، في فترة التسعينيات من القرن الماضي، برر غياب اللاعبين المسيحيين عن بعض الأندية ومنتخب مصر لفترات طويلة، بوجود بعض المدربين في قطاعات الناشئين الذين يتعاملون بتعصب، وليس بروح العدالة.
وأكد في تصريحات صحافية قبل أسابيع أن الأديان تدعو إلى المحبة والإنصاف، وأن المدرب الحقيقي يجب أن يمنح الفرصة لكل لاعب وفقًا لموهبته واجتهاده، بعيدًا عن أي اعتبارات أخرى.
وأضاف أن بعض الأسر أصبحت تُثبط أبناءها عن تجربة كرة القدم بسبب هذا الشعور، لكنه دعا الأهالي إلى عدم الاستسلام، مؤكدًا أن هناك أيضًا مدربين كثيرين يمنحون الفرص بعدل ويبحثون عن الموهبة فقط.
وسبق وأن كشف أحمد حسام ميدو، لاعب منتخب مصر ونادي الزمالك السابق، عن وجود عنصرية ضد المسيحيين في ملاعب الكرة المصرية.
وتساءل ميدو في تصريحات متلفزة: هل يعقل ألا يكون هناك في تاريخ الكرة المصرية سوى 5 لاعبين مسيحيين فقط في المستويات العليا في الكرة المصرية؟
وأضاف أن هناك الكثير من اللاعبين المسيحيين يتوقفون عن لعب الكرة في سن صغيرة بسبب العنصرية التي يواجهونها في فرق الكرة. ولفت إلى أنه اقترح أثناء وجوده في لجنة قانون الرياضة النص على نسبة 10% مسيحيين في الفرق المصرية.
وسط حالة الجدل التي يشهدها المجتمع حول حقيقة وجود تعصب ضد المسيحيين في الأندية المصرية، رفض البعض الاعتراف بالأمر، مبررًا موقفه بأن هناك أندية يمتلكها مسيحيون في مصر ولا تضم لاعبين مسيحيين، ما يعني أن الأمر يتعلق بالموهبة.
نادي الجونة
وتفاعل رجل الأعمال نجيب ساويرس مع جدل متداول عبر منصة “إكس” بشأن ما أُثير حول رفض مدرب العمل مع لاعب مسيحي داخل نادي الجونة الذي تمتلكه عائلته وينافس في الدوري الممتاز، مؤكدَا أن مثل هذه المواقف لا تُحل فقط بتغيير مدرب، وإنما تحتاج إلى معالجة أعمق تتعلق بثقافة قبول الآخر.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.