قلاع وبروج ألسيسي الحصينة المشيدة دفاعا عن نفسة ونظام حكمة العسكري لن تبنى دولة مدنية قوية وتحقق العدالة الاجتماعية والسياسية لشعبها
📌 ربط رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي، ورئيس الوزراء مصطفى مدبولي، خلال خطابيهما في فعاليات افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية للدولة "الأوكتاجون" خلال الأسبوع الجاري، سبب إنشاء العاصمة الجديدة بحماية مؤسسات الدولة كما قال #السيسي.
◾ أو لأن "الدول القوية تُقاس صلابتها وقدرتها على التعامل مع كافة الأزمات والتحديات، وهنا تكمن أهمية هذا الصرح الكبير"، بحسب تعبير مدبولي.
◾ وتعكس تصريحات رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء تصورًا يربط قدرة الدولة على الاستمرار ومواجهة الأزمات بتأمين وحماية مقار المؤسسات السيادية، وبالتالي فإن نقلها إلى #العاصمة_الجديدة يأتي لاعتبارها بيئة أكثر أمنًا وقدرة على إدارة الأزمات.
➖ في التقرير التالي، تشتبك منصة "#متصدقش" مع هذا الخطاب، لتحاول الإجابة عن سؤالين: هل يكفي عزل مراكز القيادة العليا للدولة وتحصينها للحفاظ على الدولة؟ وهل تكفي سياسة إنشاء منشآت ضخمة لمؤسسات الدولة ونقلها إلى العاصمة الجديدة لضمان قوة هذه المؤسسات؟:⬇️⬇️
⭕ نظام قوي ومحصن.. و"دولة ضعيفة"
◾ يشير أستاذ الاقتصاد السياسي الراحل سامر سليمان في كتابه "النظام القوي والدولة الضعيفة" المنشور في عام 2006، إلى مفارقة في النظام السياسي القوي، القادر على البقاء في الحكم من خلال القبضة الأمنية، بينما تواجه الدولة نفسها صعوبات وضعفًا في أداء وظائفها التنموية والمؤسسية بكفاءة.
◾ ويخلص سليمان في كتابه إلى أن أزمة مصر في عهد مبارك تمثلت في "نجاح نظام وفشل دولة"، موضحًا أن النظام استثمر في بقائه أكثر مما استثمر في بناء الدولة، مستندًا في ذلك إلى قراءة الحسابات الختامية للموازنة العامة على مدار سنوات من حكم مبارك.
◾ ولاحظ سليمان أن أولويات الإنفاق العام تغيرت تدريجيًا مع تفاقم الأزمة المالية للدولة، خصوصًا منذ ثمانينيات القرن الماضي، فأصبحت الموارد تتجه بصورة أكبر إلى الأجهزة التي تضمن استقرار النظام واستمراره، بينما تراجعت قدرة الدولة على تمويل وظائفها التنموية والخدمية.
◾ باختصار، يرى سليمان أن "قوة الأجهزة لا تعني قوة المؤسسات"، ولذلك يفرق في كتابه بين قوة النظام وقوة الدولة؛ فقد ينجح النظام أمنيًا في ضبط المجال السياسي واحتواء المعارضة بسياسات الترغيب والترهيب، وفرض قراراته غير الشعبية، والاستمرار في الحكم لعقود.
◾ لكن، في الوقت نفسه، قد تكون مؤسسات الدولة أقل قدرة على تقديم الخدمات، وتعاني من ضعف الإدارة، وتفتقر إلى الكفاءة المؤسسية، أي أن القدرة على السيطرة ليست هي نفسها القدرة على التنمية أو الإدارة الفعالة.
◾ وهو ما يمكن أن نجده اليوم بوضوح بالنظر إلى موارد الموازنة على مدار السنوات الماضية، فبينما لم تلتزم الحكومة بإنفاق نسبة تُقدّر بـ 6% من الناتج القومي الإجمالي على التعليم، و3% على الصحة. كما يقر الدستور، وتحايلت على النسب الدستورية بعدة طرق.
◾ ونجد خلال السنوات نفسها أن نسبة مستحقات فوائد الديون وسداد القروض من الاستخدامات كان متوسطها في السنوات الخمس الأولى لحكم الرئيس السيسي 45.5%، وارتفعت في السنوات الخمس التالية إلى 53.1%.
◾ قبل أن ترتفع النسبة مجددًا في السنوات الثلاث الأخيرة (من عام 2025/2024 إلى 2027/2026) إلى 63.99%.
◾ وكان سليمان قد رأى أن النظام استمر رغم ضعف الدولة، لأنه استطاع تعويض تراجع شرعيته التنموية عبر توسيع أدوات السيطرة، وإعادة توزيع الموارد بما يحافظ على تحالفاته، فضلًا عن توجيه الإنفاق نحو المؤسسات الأكثر ارتباطًا ببقائه.
◾ كما لاحظ سامر سليمان، من خلال قراءة بيانات الموازنة العامة، أن الدولة بدأت تتحول تدريجيًا من دولة تنموية إلى دولة جباية، إذ أصبحت تحصل من المجتمع على موارد أكبر عبر الضرائب وغيرها من أدوات التحصيل، بينما تقدم خدمات وفرصًا أقل، وهو ما أدى -بحسب تحليله- إلى إضعاف شرعيتها المؤسسية.
◾ وهو ما نجد أمثلة له تحدث حاليًا، فعلى سبيل المثال، في موازنة العام المالي الحالي 2027/2026، يظهر لنا استمرار غياب العدالة الضريبية؛ ففي الموازنة التي تستهدف فيها الحكومة زيادة تحصيل الضرائب بنسبة 33% مقارنة بالعام السابق، لتسجل 3.5 تريليون جنيه. نجد أن الجميع ليس على قدم المساواة، فبينما يدفع المستهلكون والأفراد نحو نصف الإيرادات الضريبية المستهدفة، تدفع الفئات الأعلى دخلًا نحو 20.75% من الضرائب.
◾ كان تشخيص سليمان لأزمة الدولة المالية في عصر مبارك متصلًا اتصالًا مباشرًا بغياب القدرات المؤسسية، وفقا لمقال للأستاذ المشارك في قسم العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية عمرو عدلي نُشر في موقع "المنصة"، لذلك قد يكون توصيف سليمان صالحًا لليوم، أكثر حتى من عصر مبارك.
◾ يقول عدلي في مقاله: رحل سامر سليمان لكن استمرت أزمة الدولة المالية في مصر، بل تفاقمت في محتواها وحجمها وتبعاتها، وبقي تحليل سليمان كواحد من أهم الأطر التي يمكن من خلالها الإلمام بجذورها وبمآلاتها وبأبعادها المعقدة التي تجمع بين الاقتصاد والسياسة، وبين ما هو محلي وما هو دولي.
⭕ دولة تنتقل إلى عاصمة جديدة.. وتترك الأزمات كما هي في العاصمة القديمة
◾ نقل مقر الحكم إلى العاصمة الجديدة لا يعالج بالضرورة الأسباب التي دفعت الناس للاحتجاج في 2011؛ لأن تلك الأسباب كانت تتعلق بقضايا أعمق مثل الاقتصاد، والعدالة الاجتماعية، والحريات، وطريقة عمل المؤسسات، وهو ما يمكن تفهمه من خلال قراءة في كتاب "لماذا تفشل الأمم؟".
◾ في أحاديثه المتكررة، ينتقد الرئيس السيسي #ثورة_25_يناير 2011، معتبرًا أنها كادت تتسبب في انهيار الدولة.
◾ وفي أحدث تصريحاته، يوم السبت 4 يوليو 2026، حمَّل الثورة مسؤولية تراجع قيمة الجنيه، متجاهلًا أثر السياسات والقرارات الاقتصادية التي اتخذتها الدولة خلال سنوات حكمه، والتي أسهمت أيضًا في تراجع قيمة العملة المحلية.
◾ كما برر الانتقال إلى العاصمة الجديدة بأنه يهدف إلى منع تكرار ما حدث خلال أحداث يناير، حين تعرضت مؤسسات الدولة للحصار والضغط.
◾ وكان الرئيس نفسه قد أشاد بثورة 25 يناير في أكثر من مناسبة خلال السنوات الأولى التي أعقبتها، ووصفها في إحدى المناسبات بأنها "إرادة تغيير"، قبل أن تتغير لهجته في الحديث عنها لاحقًا.
◾ لكن، بعيدًا عن تقييم الرئيس للثورة ونتائجها، يبقى السؤال: هل يكفي الانتقال إلى العاصمة الجديدة وحده لضمان عدم تكرار سيناريو 25 يناير؟
◾ للإجابة عن هذا السؤال، علينا العودة إلى الأسباب التي دفعت المصريين إلى الاحتجاج، والتي دعت إلى مظاهرات 25 يناير. فقد توزعت هذه المطالب بين محاور سياسية، وحقوقية، واقتصادية، لخصها الشعار الأشهر: "عيش، حرية، عدالة اجتماعية".
◾ ولا شك أن تقييم ما إذا كانت هذه الأزمات قد انتهت أو استمرت أو تفاقمت يظل محل نقاش سياسي واقتصادي.
◾ عند العودة إلى حديث الرئيس، الذي يقدم رواية مفادها أن ثورة يناير كانت تستهدف مؤسسات الدولة نفسها، يبرز سؤال آخر: كيف كان ينظر المحتجون في يناير إلى هذه المؤسسات؟ وهل كانت مطالبهم تستهدف هدم الدولة وإتلاف مباني المؤسسات، أم إصلاح الطريقة التي تعمل بها المؤسسات؟
◾ وللإجابة عن هذا السؤال، يمكن الاستعانة بمرجع أكاديمي محايد، وهو في الوقت نفسه ذو تأثير عالمي، وهو كتاب "لماذا تفشل الأمم؟" (Why Nations Fail)، الصادر عام 2012، لمؤلفيه الاقتصاديين دارون أسيموغلو وجيمس أ. روبنسون، اللذين حصلا على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 2024.
◾ والمثير للاهتمام، أن الكتاب يبدأ أصلًا بالحالة المصرية، ويتخذ من ثورة 25 يناير مدخلًا لشرح فكرته الأساسية: لماذا تنجح بعض الأمم بينما تفشل أخرى؟.
◾ والجدير بالذكر أن الكتاب الذي فاز مؤلفاه بجائزة نوبل جاء عن أبحاثهما التي تضمنها الكتاب، وهي عن "دور المؤسسات في ازدهار الدول أو فشلها"؛ إذ يتبنى الكتاب نظرية مفادها أن طبيعة المؤسسات السياسية والاقتصادية في أي دولة هي العامل الرئيسي الذي يحدد نجاح الدول أو فشلها، وليس الجغرافيا أو الثقافة أو الدين.
◾ ولم يعتبر المؤلفان ثورة 25 يناير مجرد حدث يؤيد نظريتهما فقط، وإنما ذهبا أبعد من ذلك، إذ اعتبرا أن المتظاهرين في ميدان التحرير سبقوهم في فهم النظرية، قبل أن يطرحها العالمان.
◾ اعتبر المؤلفان أن المصريين الذين نزلوا إلى الميادين للاحتجاج كانوا أقرب إلى تشخيص المشكلة، لأنهم ربطوا الفساد، وسوء الخدمات، وغياب الفرص بطبيعة النظام السياسي نفسه، الذي احتكرت فيه السلطة نخبة ضيقة استخدمت مؤسسات الدولة لخدمة مصالحها.
◾ ومن هنا يبدأ المؤلفان كتابهما بسؤال لافت: "لماذا مصر أفقر بكثير من الولايات المتحدة؟" ثم يقدمان الإجابة التي أصبحت أساس النظرية كلها: مصر ليست أفقر من الولايات المتحدة بسبب الجغرافيا أو الثقافة أو الدين، وإنما لأن مؤسساتها السياسية والاقتصادية تطورت بطريقة مختلفة.
◾ وبحسب الكتاب، فإن السلطة في مصر تركزت تاريخيًا في يد نخبة ضيقة استخدمت هذه السلطة لبناء مؤسسات اقتصادية تخدم مصالحها، بينما تطورت في الولايات المتحدة، وقبلها بريطانيا، في مؤسسات أكثر شمولًا، توسع المشاركة السياسية، وتحمي الحقوق الاقتصادية، وتفتح المجال أمام المنافسة.
◾ ويرى الكتاب أن المصريين خرجوا إلى الشوارع لأن هذه النخبة كانت تتحكم في مؤسسات الدولة، وتصوغ القوانين بما يخدم مصالحها، أي لم يكن الخروج ضد المؤسسات نفسها.
◾ والجدير بالذكر أن رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، خلال مؤتمر "حكاية وطن" في سبتمبر 2023، الذي عُقد في العاصمة الإدارية الجديدة بحضور الرئيس عبد الفتاح السيسي، استشهد بالكتاب نفسه، لكنه عرض تفسيرًا يختلف عن الأطروحة الأساسية التي تبناها المؤلفان.
◾ فقد قال مدبولي إن الكتاب أرجع فقر مصر إلى طبيعتها الصحراوية، ومحدودية مواردها، وتأثر الشخصية المصرية وضعف أخلاقيات العمل نتيجة تراجع الخدمات. غير أن هذه الأفكار هي بالتحديد ما أنتقدها الكتاب في مئات الصفحات، أما خلاصة الكتاب كما أوضحنا، فهي أن العامل الحاسم في نجاح الدول أو فشلها هو طبيعة المؤسسات السياسية والاقتصادية.
⭕ قوة المؤسسات وضعفها.. ليست بالمباني المحصنة فقط
◾ هل يجعل نقل مؤسسات الدولة إلى العاصمة الجديدة، وتحصين مقارها، هذه المؤسسات أكثر قوة، وأكثر قدرة على حماية الدولة من المخاطر، كما ورد في تصريحات رئيس الوزراء مصطفى مدبولي والرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن أهداف الانتقال إلى العاصمة الجديدة؟.
◾ للإجابة عن هذا السؤال، وبالعودة إلى كتاب "لماذا تفشل الأمم؟"، الذين فاز مؤلفاهما بجائزة نوبل في الاقتصاد، نجد أن المؤلفين لا يعرفان قوة المؤسسة من خلال مبناها أو موقعها الجغرافي، وإنما من خلال القواعد التي تعمل وفقها.
◾ فالمحكمة الدستورية العليا، على سبيل المثال، تصبح مؤسسة قوية لأنها مستقلة، وتطبق القانون على الجميع، وليس لأن مبناها حديث أو محصن، أو لأن المتظاهرين لن يتمكنوا من محاصرته كما حدث خلال ثورة 25 يناير.
◾ويرى عالمي الاقتصاد أن مفتاح ازدهار الدول أو فشلها يكمن في طبيعة المؤسسات التي تنظم توزيع السلطة والفرص داخل المجتمع، ولذلك يميزان بين نوعين من المؤسسات.
◾ النوع الأول هو "المؤسسات الشاملة"، وهي المؤسسات التي تسمح بمشاركة واسعة في الحياة السياسية، وتخضع فيها السلطة للمساءلة، ويُطبق القانون على الجميع، وتحمي حقوق الملكية، وتتيح للمواطنين تأسيس الأعمال والاستثمار والمنافسة، دون أن تكون الفرص حكرًا على مجموعة محدودة.
◾ تقع مصر في مرتبة متأخرة في المؤشرات الدولية التي ترصد مدى تحقيق الديمقراطية والمساءلة السياسية؛ فوفقًا لمؤشر الديمقراطية الصادر عن مجلة الإيكونوميست لعام 2024، تحتل مصر المرتبة 128 مكررًا من أصل 167 دولة، ويصف المؤشر مجلس نواب مصر بأنه ذو دور محدود.
◾ ولا تقلل هذه النظرية من أهمية الأجهزة الأمنية أو مؤسسات الدولة السيادية، بل تؤكد أن الدولة تحتاج إلى سلطة مركزية قادرة على فرض القانون وتقديم الخدمات العامة.
◾ لكن، في الوقت نفسه، يجب أن تكون هذه السلطة مقيدة بمؤسسات وقواعد تمنع احتكارها. ولذلك، فإن الدولة القوية، في نظر المؤلفين، ليست مجرد دولة تمتلك أجهزة أمنية فعالة، وإنما دولة تجمع بين القدرة المؤسسية والتعددية السياسية.
◾ أما النموذج الثاني، فهو "المؤسسات الاستخراجية"، التي تركز السلطة في يد نخبة ضيقة تستخدمها لتحقيق مصالحها الخاصة، وتصمم هذه النخبة القوانين والسياسات الاقتصادية بما يضمن استمرار نفوذها، فتضعف المنافسة، وتنتشر المحسوبية، وتُمنح الامتيازات للمقربين، بينما تُحرم الأغلبية من الفرص.
◾ ويرى المؤلفان أن هذا النمط من المؤسسات يفسر استمرار الفقر في كثير من الدول، رغم امتلاكها موارد كبيرة.
◾ ويطبقان هذا التحليل على مصر، وهو ما فسر من وجهة نظرهما خروج المصريين إلى الشوارع عشية ثورة 25 يناير، باعتبارها احتجاجًا على طبيعة هذه المؤسسات أكثر من كونها احتجاجًا على الظروف الاقتصادية وحدها.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.