بعد تعليق عملها.. مدير "قضايا المرأة": الدولة بتزهقنا لحد ما نقفل لوحدنا
أعلنت مؤسسة قضايا المرأة المصرية/سيولا، أول أمس الجمعة، تعليق عملها خلال أغسطس/آب الجاري، بسبب انتهاء عدد من المشروعات وتراجع الموارد المالية، واتجاهها إلى زيادة الاعتماد على العمل التطوعي، إلى جانب الضغوط المتراكمة على العاملات والعاملين خلال الفترة الماضية.
وقال المدير التنفيذي للمؤسسة شريف جمال لـ المنصة إن القرار يأتي في سياق ما وصفه بأنه "محاولة لتجفيف منابع عمل المجتمع المدني"، مضيفًا "الدولة بتزهقنا لحد ما نقفل لوحدنا، لإنها ما زالت تعاملنا على إننا مخربين وجواسيس!".
وعبّر جمال عن بالغ استيائه وحزنه من اضطرار المؤسسة إلى تعليق عملها، موضحًا أن القرار جاء في ظل محدودية الموارد وتراجعها، بسبب رفض وزارة التضامن الاجتماعي 7 مشروعات جديدة للمؤسسة خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة؛ إذ رفضت الوزارة 5 مشروعات بشكل قاطع، بينما ماطلت في الرد على مشروعين آخرين حتى انقضى الموعد النهائي لتقديم الموافقة إلى الجهات المانحة، ما تسبب في سحب تمويلهما.
وسبق أن اشتكت "سيولا" في 9 يونيو/حزيران الماضي، مما وصفته بـ"تعطيل نشاطها التنموي" خلال العامين الماضيين، بسبب "الرفض الإداري غير المسبب والمماطلة في الإجراءات"، ما تسبب في وأد 6 مشروعات حقوقية وتنموية لها منذ عام 2024، كان آخرها إخطار المؤسسة برفض مشروع "من حقي حمايتي".
وحاولت المنصة التواصل مع المتحدث باسم وزارة التضامن محمد العقبي، لكن دون رد حتى موعد النشر.
"لحد ما تزهقوا وتقفلوا لوحدكم"
وقال جمال إن المؤسسة تدخل عامها الثالث دون الحصول على مشروعات جديدة، موضحًا أنهم استمروا بسبب "إن عندنا مشاريع سابقة كانت طويلة الأجل لخمس وثلاث سنوات، إضافة إلى إيمان العاملين بالمؤسسة والمتطوعين من المحامين وغيرهم بقضايا الستات وتبرعهم بوقت ومجهود في مكاتب المساندة بعدة محافظات مقابل عائد مادي ضعيف جدًا".
وأكد المدير التنفيذي للمؤسسة أن "قرار التعليق محاولة لإعادة ترتيب الأولويات وتخفيف الأعباء، قائلًا "قررنا الاعتراف إننا غير قادرين على العمل بكامل طاقتنا، وهو الذي دفعنا للاضطرار للاستغناء عن عدد من زملائنا العاملين بالمؤسسة، صحيح الناس بتحب شغلها لكن الضغط النفسي ومجهود العمل الكبير أصبح عامل مؤثر الفترة الأخيرة، لذا قررنا نحصل على فرصة لالتقاط الأنفاس، وإعادة توجيه الموارد المحدودة بحسب أولوية القضايا وظروف المستفيدات من الخدمات للوصول للعدد الأكثر استحقاقًا للخدمة".
ويرى جمال أن ما تواجهه مؤسسة قضايا المرأة جزء من حالة التضييق الواسعة على المجتمع المدني، وأن الأمر لم يعد حالة فردية، بل تواجه مؤسسات مستقلة عديدة رفض قبول مشروعاتها من الجهات المانحة، بينما تدعم الدولة منظمات التحالف الوطني للعمل الأهلي.
وسبق أن حذرت المحامية بالنقض وإحدى المديرات التنفيذيات بمؤسسة قضايا المرأة المصرية سهام علي، في تصريحات لـ المنصة مطلع ديسمبر/كانون الأول 2025، من أن استمرار رفض وزارة التضامن مشروعات المؤسسة "يُهدد بإغلاق عدد من الجمعيات الفاعلة"، ضمن قيود أوسع على المجتمع المدني.
وجاءت تصريحاتها بعد نحو أسبوع من مطالبة منظمة العفو الدولية السلطات المصرية بتعديل قانون الجمعيات الأهلية، معتبرة أن القيود المفروضة على المنظمات المستقلة "تُعرقل الحق في حرية تكوين الجمعيات أو الانضمام إليها"، و"تُعرّض مستقبل الحيز المدني في البلاد للخطر".
وكان قانون الجمعيات الأهلية الصادر في 2019 قوبل برفض 10 مؤسسات حقوقية، قالت إنه يتيح للمسؤولين الحكوميين وأجهزة الأمن التدخل في العمل اليومي للمنظمات.
وقال جمال "بنواجه ضغط كبير جدًا، ما يحدث هو تجفيف لمنابع العمل لمنظمات المجتمع المدني، طيب لو الدولة عايزة تقفلنا، يقولوها صراحة، بدل مانبذل مجهود ونجيب مشاريع ثم تترفض، لكن دلوقتي بيغلقوها بطرق غير مباشرة، بدل الهجمات السابقة على المنظمات وغلقها بصورة حادة أمام العالم، بجفف لك منابع العمل من تمويل ومشروعات لحد ما تزهقوا وتقفلوا لوحدكم!".
وكانت مؤسسة قضايا المرأة أعلنت في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، إرسالها لخطابات رسمية لرئيس الجمهورية ورئاسة مجلس الوزراء أعربت فيها عن "قلقها إزاء رفض وزارة التضامن الاجتماعي 3 مشروعات نسوية وحقوقية وتنموية خاصة بتمكين النساء والفتيات"، وكذلك تسويف الرد على مشروع آخر "والذي نتج عنه سحب الجهة التمويلية للمشروع".
"الستات دي هتروح فين دلوقتي؟"
وقال جمال إن "سيولا" تستقبل يوميًا بين 60 و80 امرأة، بينما يستفيد من خدماتها المباشرة وغير المباشرة سنويًا بين 25 و30 ألف امرأة.
وأوضح أن الخدمات المباشرة تشمل رفع القضايا، وتقديم الدعم الاجتماعي والنفسي، واستخراج الأوراق المدنية مثل المعاشات وبطاقات الرقم القومي، فضلًا عن الاستشارات القانونية والاجتماعية. وإلى جانب ذلك، تقدم المؤسسة تدريبات وبرامج لبناء القدرات، ولا يقتصر عملها على حي بولاق الدكرور بالجيزة، بل يمتد إلى دعم جمعيات ومكاتب مساندة في المحافظات لتقديم الدعم القانوني للنساء، خاصة في قضايا الأحوال الشخصية والعنف الأسري.
وأعرب جمال عن مخاوفه من تأثير توقف بعض الخدمات على النساء الناجيات من العنف، قائلًا "الستات كانت بتيجي المؤسسة كتير عشان الفضفضة في جلسات الدعم النفسي والاجتماعي، كانت فقط تريد من يسمع شكواها بعد تعنيف زوجها، أو ست عايزة ترفع قضية على جوزها ولا تملك ثمن التقاضي وأجر المحامي في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة الآن.. الستات دي هتروح فين دلوقتي".
"المجتمع المدني مش عدو للدولة"
واستدرك جمال قائلًا "المجتمع المدني مش عدو الدولة، نحن شركاء معها، شايل من عليها خدمات كثيرة بكل فروعها سواء الحقوقي أو النسوي أو التنموي أو حتى الخيري، أما بتحارب المنظمات المستقلة وتجبرها على الغلق من سيقدم الخدمات التي لاتوفرها الدولة بحجة محدودية الميزانية".
وتابع "المجتمع المدني بيساعد الدولة مش ضدها، وبدونه هيحصل احتقان، لو ست معرفتش ترفع قضية على جوزها المُعنف النتيجة هتكون يا إما يقتلها أو تقتله! هل هذا ماتريده الدولة من الوقوف ضد مشاريع تنموية وحقوقية تنفذها منظمات المجتمع المدني وخاصة العاملة في مجال حقوق النساء؟".
وتنص الاستراتيجية الوطنية لتمكين المرأة المصرية 2030 على أن المجتمع المدني بكافة قطاعاته شريك أساسي في تنفيذها.
وربط جمال بين ما تواجهه "سيولا" وحملات أوسع ضد النسويات ومنظمات حقوق المرأة، ظهرت خلال النقاشات حول قانون الأحوال الشخصية، وبعد واقعة الطبيبة أمنية سويدان، التي تحدثت عن انتهاكات في مستشفى الشاطبي، محملًا الدولة مسؤولية هذا الهجوم.
واعتبر جمال أن ما يحدث الآن هو من توابع الحملات الإعلامية التي شنها بعض مقدمي البرامج المحسوبين على النظام ضد المجتمع المدني وشيطنته، وتصوير العاملين فيه أمام الرأي العام باعتبارهم مجموعة من "الجواسيس ومخربين وأصحاب أجندات".
"التمويل مش تهمة"
وأضاف جمال "بيوصمونا بالتمويل وكأنها تُهمة، وكأنهم لا يعلموا أن أي دعم لمشاريع تقدمه الجهات المانحة يخضع لرقابة وزارة التضامن الاجتماعي، فضلًا أن منظمات المجتمع المدني تخضع لقانون العمل الأهلي، فهي ليست بعيدة عن الرقابة والمحاسبة، إحنا مش بناخد فلوس بعيد عن عين الدولة".
ويجيز قانون تنظيم العمل الأهلي للمؤسسات والجمعيات الأهلية تلقي منح لتمويل مشروعاتها من جهات مانحة مصرية أو أجنبية، على أن تودع تلك الأموال في حساباتها البنكية، وتُخطر المؤسسة أو الجمعية الوحدة المركزية للجمعيات والعمل الأهلي بوزارة التضامن الاجتماعي خلال 30 يوم عمل من تاريخ دخول الأموال حسابها البنكي، مع تقديم بيانات تفصيلية عن الجهة المانحة والمشروع المستهدف وموازنته التقديرية.
وسخر جمال من مصطلح "تنفيذ أجندات"، قائلًا "نحن نعمل على قضايا نابعة من المجتمع لا نستوردها، والدولة نفسها جزء من التزاماتها الدولية التعاون مع المجتمع المدني، ومعظم الاستراتيجيات الوطنية الخاصة بالنساء التي أطلقتها الدولة المصرية، تنص في بنودها أن المجتمع المدني شريك أساسي في تنفيذ هذه الاستراتيجيات".
واختتم جمال حديثه بالتأكيد أن المؤسسة تنتظر تحديد أولى جلسات دعواها أمام القضاء الإداري، بعد لجوئها إليه للتظلم من الرفض المتكرر لمشروعاتها، قائلًا إن "هذا حق كفله لنا الدستور للدفاع عن حقنا المشروع في العمل".
ويضع تعليق عمل "سيولا" خلال أغسطس أزمة تمويل منظمات المجتمع المدني المستقلة في مواجهة أثرها المباشر على النساء المستفيدات من خدماتها، خصوصًا الناجيات من العنف ومن لا يملكن كلفة التقاضي، فيما ترى المؤسسة أن الرفض المتكرر لمشروعاتها لا يعطل عملها وحدها، بل يضيق مساحة الخدمات القانونية والاجتماعية التي لا توفرها الدولة بالقدر نفسه.
الرابط

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.