الأحد، 2 أغسطس 2026

تصريحات مجلس الوزراء بشأن "تنظيم" مواقع التواصل تنذر بتوسيع المراقبة والتجريم

 

بيان المبادرة المصرية للحقوق الشخصية الصادر اليوم الأحد 2 أغسطس 2026 


تصريحات مجلس الوزراء بشأن "تنظيم" مواقع التواصل تنذر بتوسيع المراقبة والتجريم


أعلن رئيس مجلس الوزراء يوم 29  يوليو أن الحكومة بصدد وضع ما أسماه "الأطر التنفيذية لمواجهة المخاطر السلبية لمواقع التواصل الاجتماعي"، والاستفادة من تجارب دولية في صياغة إجراءات تنظيمية تسهم -بحسب البيان الرسمي- في حماية "السلم والأمن المجتمعي" و”الأخلاقيات العامة" و"العادات والتقاليد" و"سمعة الأفراد والأسر".

وتضمن الإعلان مسارين رئيسيين: الأول تشريعي لمراجعة القوانين وزيادة الغرامات وتسريع الفصل في القضايا؛ والثاني مؤسسي يقوم على تفعيل وحدة شُكّلت بالفعل داخل الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات لرصد "المخالفات"، إلى جانب التنسيق بين الجهات المعنية وتنظيم حملات توعية.

يثير المساران القلق في ظل السياق التشريعي والزمني والسياسي الحالي، والذي يرجح أن تقود المراجعة التشريعية إلى استحداث جرائم مبنية على تعبيرات فضفاضة مثل "العادات والتقاليد المصرية" و"القيم المجتمعية" و"السلم المجتمعي"، أو إلى تشديد عقوبات نصوص قائمة تقيد حرية التعبير. أما المسار المؤسسي فقد يحول الوحدة إلى جهاز دائم يراقب المحتوى ويصنف الحسابات ويجمع البيانات ويحيل الأشخاص إلى جهات التحقيق، من دون معايير معلنة أو أمر قضائي أو رقابة مستقلة أو أساس تشريعي.

ولا يمكن قراءة هذا الإعلان بمعزل عن تجربة تطبيق اتهام "التعدي على قيم ومبادئ الأسرة المصرية". فمنذ اختراع جريمة "التعدي على قيم الأسرة المصرية" للمرة الأولى في التنظيم القانوني المصري في 2018، استُخدمت هذه التهمة أمنيًا وقضائيًا وبشكل منهجي وواسع النطاق ضد المحتوى المنشور على الإنترنت. بدأت الحملة باستهداف مجموعة من صانعات المحتوى الشابات، ثم اتسعت لتشمل مئات الأشخاص وأنواعًا مختلفة من التعبير والعمل الرقمي ومحتوى متعلق بالحياة اليومية.

توضح هذه التجربة كيف يمكن لتعبير قانوني غامض أن يتحول إلى أساس لممارسة منهجية  للأجهزة التنفيذية والقضائية، وتتحول بالتدريج لسلاح إضافي في ترسانة تجريم حرية التعبير في مصر. ولذلك يجب التعامل مع إعلان الحكومة باعتباره خطوة إضافية لتثبيت هذا المسار في نصوص تجريمية وعقوبات جديدة، وبنية إدارية أكثر قدرة على المراقبة والعقاب.

المشروع السياسي لتجريم المحتوى غير السياسي

لم يأت التوسع من ملاحقة الصحفيين والمعارضين والمدافعين عن حقوق الإنسان إلى القبض على صناع المحتوى الترفيهي منفصلًا عن السياسة. فاستخدام أجهزة الدولة والقانون الجنائي لتحديد الملابس والأصوات واللهجات والمهن وأشكال الأنوثة والرجولة المقبولة لأغلب المصريات والمصريين يعبر عن رؤية سياسية للمجتمع ولدور الدولة فيه. ويمكن رؤيتها أيضًا بالتكامل مع ميل الدولة لتحديد شكل ووزن الموظف العام مثلما رأينا في استبعاد آلاف المدرسات والمدرسين من التعيين في مسابقة الثلاثين ألف معلم بناءً على معايير تمييزية وغير قانونية في اختبارات الكلية الحربية، ومنها الوزن. والأمر ذاته في الحملة الممتدة منذ منتصف 2025 على حرية العقيدة والتعبير عنها. 

وتأتي ملاحقات "قيم الأسرة" ضمن مسار أطول من التضييق على المجال العام في مصر، بدأ بتقييد التنظيم المستقل والعمل السياسي الجماعي، ثم اتسع مع انكماش مساحات التنظيم ليشمل التعبير والرأي السياسي. وانتقلت الملاحقة كذلك إلى المجال الرقمي. استُخدمت اتهامات نشر الأخبار الكاذبة، وإساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، والانضمام إلى جماعة إرهابية، وتمويلها وغيرها، في مواجهة صحفيين وباحثين ومدافعين عن حقوق الإنسان ومواطنين عبّروا عن آرائهم في الشأن العام أو سعوا للتنظيم بحثًا عن حقوقهم الدستورية.

ومنذ 2020، امتدت دائرة التجريم إلى المحتوى غير السياسي: الرقص والغناء والكوميديا والملابس واللهجة وطريقة الكلام والحركة أمام الكاميرا، والعمل في الوشم أو التجميل، وتقديم البرامج الحوارية، ومشاركة تفاصيل الحياة اليومية، وتحقيق دخل من المنصات الرقمية، كل ذلك برعاية "قيم الأسرة المصرية".

وفي إطار ذات المسار السياسي السابق، اتسع تدخل الدولة من تنظيم علاقة المواطن بالسلطة إلى تنظيم مظهره وصوته وعمله وطريقة تقديمه لنفسه في المجال العام وما يسمح بالظهور فيه. وبعد التضييق على التنظيم والتظاهر والصحافة والمواقع المستقلة، أصبحت المنصات الاجتماعية إحدى المساحات القليلة التي يستطيع الأفراد من خلالها الوصول إلى الجمهور دون المرور الحصري عبر وسائل الإعلام التقليدية المملوكة للدولة أو مؤسساتها أو القريبة منها. ومن ثم، فإن إخضاع هذه المنصات لنصوص تجريمية جديدة وبنية دائمة للرصد لا يمثل مجرد تنظيم تقني، بل حلقة أخرى -وربما أخيرة- في تدمير المجال العام.

حصيلة ست سنوات من الملاحقة

وثق تقرير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية "تأديب المجتمع: الملاحقة القانونية برعاية قيم الأسرة المصرية" الحملات المتكررة لتجريم حرية التعبير عبر الإنترنت باستخدام اتهام "التعدي على قيم الأسرة المصرية". وبتحديث الرصد حتى نهاية يوليو 2026، بلغ عدد هذه القضايا ما لا يقل عن 545 قضية أو واقعة ملاحقة منفصلة، طالت 626 شخصًا على الأقل، من بينهم 392 امرأة و234 رجلًا في 17 محافظة مختلفة على الأقل.

لا تمثل هذه الأرقام حصرًا شاملًا، بل تقتصر على الحالات التي أمكن الوصول إليها عبر المساعدة القانونية، أو أوراق القضايا والأحكام، أو بيانات النيابة العامة ووزارة الداخلية والتغطيات الصحفية. ومع ذلك، فإنها تكشف عن ممارسة ممنجهة شاركت فيها أجهزة الضبط والنيابة، وخاصة عبر وحدة الرصد والمتابعة المستحدثة في 2020، والمحاكم والإعلام ومقدمو البلاغات، وعن ارتفاع حاد في الملاحقات منذ صيف 2025 واستمرارها خلال 2026، ما يدل على تحولها لسياسة رسمية لمؤسسات الدولة.

تأديب المجتمع

لم يتحول التوسع في ملاحقات "قيم الأسرة" إلى سياسة عامة بقرار واحد معلن، بل تشكّل تدريجيًا عبر تراكم التأويلات القانونية والإجراءات ومبادرات الجهات الرسمية المختلفة. فبدأت الحملة على يد النيابة العامة باستهداف فئة يسهل عزلها اجتماعيًا والتشهير بها وإثارة الذعر الأخلاقي حولها: صانعات محتوى شابات، تنتمي كثيرات منهن إلى خلفيات فقيرة أو محدودة الدخل، بسبب مظهرهن أو طريقة تعبيرهن أو محاولتهن تحقيق دخل عبر الإنترنت. واستخدمت على مدار الحملة اتهامات مثل "الاتجار بالبشر" و"غسل الأموال" في مسعى زيادة الذعر وترهيب التضامن. 

استُخدم هذا الغضب لتطبيع القبض والحبس والتشهير، بينما تكررت في البيانات الرسمية تعبيرات مثل "قيم الأسرة" و"حماية الشباب الغض" و"زيادة المشاهدات وتحقيق الأرباح". ثم دخلت وزارة الداخلية على خط بالإعلان المنتظم عن عمليات القبض ونشر صور المقبوض عليهم والمضبوطات، التي كانت في كثير من الحالات هواتف محمولة وأموالًا عُثر عليها في مكان القبض. وبمرور الوقت، امتدت الملاحقات إلى أنواع أخرى من المحتوى وإلى رجال لا تتوافق مظاهرهم أو طرق تعبيرهم وأعمالهم مع الأدوار الجندرية التقليدية.

يكشف تتبع هذا المسار عن انحياز جندري وطبقي واضح. فهو يعاقب الخروج عن الصور المفروضة للأنوثة والرجولة، ويستهدف أفعالًا لا تستدعي الملاحقة نفسها حين تظهر في الإعلام التجاري أو بين الفئات الأعلى دخلًا عبر الإنترنت وفي كثيرًا من الأحيان ليست موضوع للعقاب في الحياة اليومية. وفي ظل ضيق فرص العمل، يُعاد تقديم الكسب عبر المنصات بوصفه موضعًا للشبهة عندما يتيح لأشخاص من خلفيات فقيرة أو محدودة فرصًا للظهور أو كسب الدخل أو الصعود الاجتماعي.

وهكذا تحولت الملاحقات إلى أداة لتوجيه السلوك وتحديد من يحق له الظهور والكسب، لا إلى وسيلة لمواجهة أفعال تنطوي على ضرر محدد على الآخرين. كما تجاوز أثرها الأشخاص المقبوض عليهم إلى عموم المستخدمين؛ فملاحقة شخص بسبب ملابسه أو لهجته أو حركته ترسل رسالة إلى من يشبهونه بشأن السلوك الذي ينبغي تجنبه. ويكتمل هذا الدور التأديبي بنشر صور المقبوض عليهم وممتلكاتهم وأدوات عملهم قبل صدور أحكام نهائية، بل قبل إحالتهم للنيابة أو بدء التحقيق معهم، ما يجعل التشهير عقوبة عملية تسبق المحاكمة ولا تزول آثارها إذا انتهت القضية بالحفظ أو البراءة. ويزداد أثر هذا التخويف بعدم وضوح تعريف ما يمكن أن يمثل جريمة. 

غموض الجريمة وخطورة تغليظ العقوبة

تكشف تجربة "قيم الأسرة" أن النصوص الغامضة لا تظل حبيسة صياغتها الرديئة فقط، بل تتوسع في التطبيق. فعندما لا يحدد القانون الفعل المجرّم والضرر بدقة، يخضع تعريف المخالفة لتقدير جهات الضبط والتحقيق والحملات الإعلامية، ويُفتح الباب لتطبيق انتقائي وتمييزي بناء على هوية الشخص وطبقته ونوعه الاجتماعي.

الدرس الأساسي من السنوات الماضية هو أن القانون الجنائي يجب أن يلاحق فعلًا محددًا ألحق ضررًا قابلًا للإثبات بحق شخص أو مصلحة محمية، لا أن يتحول إلى أداة لضبط التعبير أو فرض تصور رسمي للمحتوى المقبول والقيم المقبولة. وقبل اقتراح أي تعديل، يجب على الحكومة أن تحدد بدقة الضرر الذي تعجز القوانين القائمة عن معالجته، وأن تشرح لماذا لا يمكن مواجهته بوسائل أقل تقييدًا للحقوق.

"الإضرار بمسيرة الاقتصاد الوطني" وحرية التعبير عن الألم

ذكر بيان مجلس الوزراء أن "الأكاذيب" و"الشائعات" عبر مواقع التواصل قد تضر بـ “مسيرة الاقتصاد الوطني". وتثير هذه العبارة القلق عند قراءتها إلى جانب المادة 34 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، التي ترفع عقوبة أي جريمة واردة في القانون إلى السجن المشدد إذا نُسب إلى المتهم قصد الإضرار بـ “المركز الاقتصادي" للبلاد، من دون تعريف واضح لهذا الضرر. تكمن الخطورة في إمكان استخدام هذه اللغة لتوسيع التجريم في مجال يتطلب بطبيعته حرية تداول المعلومات والآراء ومساسه المباشر بحياة المواطنين كمتأثرين به. فالحديث عن الديون أو التضخم أو نقص السلع أو تدهور الأجور أو الخدمات العامة، وانتقاد السياسات الاقتصادية، قد يخالف الرواية الرسمية أو يؤثر في تقييم الجمهور لأداء الدولة لكنه لا يمثل بذاته ضررًا جنائيًا. ولا يجوز الخلط بين الإضرار الفعلي بالاقتصاد والإضرار بصورة الحكومة أو روايتها عن الوضع الاقتصادي. وبمثله أي حديث عن انعدام العدالة الاجتماعية، قد يفسر كخطر على "السلم الاجتماعي". 

إن القانون الدولي لا يجيز استعمال القوانين الجنائية أو العقوبات المالية أو السالبة للحرية ضد من يعبر عن رأي يوصف بأنه "كاذب" أو غير صحيح، طالما لم يشكل تحريضًا مباشرًا على العنف أو ضررًا ملموسًا بسلامة وصحة الآخرين؛ فقد يتعلق الأمر بمعلومة محل خلاف، أو تقدير اقتصادي، أو بيانات ناقصة في ظل ضعف إتاحة المعلومات، أو التعبير عن رؤية مخالفة للبيانات الرسمية. فالتعامل مع الآراء -حتى في ظل عدم صحتها- يجب أن يكون بالرد عليها ونشر البيانات وإتاحتها وتمكين الصحافة والباحثين والمواطنين من التحقق منها وتمحيصها بالأدلة، لا باستخدام القانون الجنائي لحماية "صورة الاقتصاد".

ولا ينبغي استنتاج القصد الجنائي من حدة النقد أو انتشاره أو اختلافه مع. وخاصة وأن اتهامات نشر الأخبار الكاذبة استخدمت على مدى السنوات الأخيرة كسلاح قانوني أساسي ضد حرية التعبير والنقد السياسي، بل والتعبير الشخصي الخالي من الأخبار حتى تكون موضوع للكذب أو الحقيقة. 

 وتبرر خبرة تطبيق النصوص الفضفاضة الخشية من انتقال تعبير "الإضرار بمسيرة الاقتصاد الوطني" من الخطاب السياسي إلى نصوص تجريمية جديدة، أو استخدامه لتوسيع تطبيق المادة 34 من قانون جرائم تقنية المعلومات. أما مواجهة المعلومات الاقتصادية غير الدقيقة، فتبدأ بنشر البيانات وإتاحتها وتمكين الصحافة والباحثين والمواطنين من التحقق منها والرد عليها بالأدلة، لا باستخدام القانون الجنائي لحماية "صورة الاقتصاد"  ولا يعد هذا تخوفًا نظريًا؛ بل إن الواقع الحالي يكشف عن اعتقال العشرات من المواطنات والمواطنين بموجب تهم كنشر أخبار كاذبة أو مشاركة جماعة إرهابية في تحقيق أغراضها فقط لأنهم استخدموا حساباتهم الشخصية على وسائل التواصل في بث شكواهم من ارتفاع كلفة المعيشة وسط تدهور غير مسبوق في الأوضاع الاقتصادية لأغلب المصريين بشكل لم يتوقف من عشرة أعوام على الأقل. 

تجريم الضرر لا الوسيلة

 هناك فارق بين مواجهة جرائم تُرتكب باستخدام التكنولوجيا، وبين تحويل استخدام التكنولوجيا إلى أساس مستقل للتجريم. فالتهديد والابتزاز والتحرش والسب والقذف وانتهاك الخصوصية ونشر الصور الشخصية دون موافقة أصحابها أفعال ضارة بصرف النظر عن الوسيلة المستخدمة، كما يمكن للتزييف العميق وانتحال الهوية والتلاعب بالصور أن يلحق أضرارًا مباشرة بحياة الأفراد وأمنهم. فالتعامل مع الإنترنت بذاته كمصدر للخطر أو الضرر يؤدي إلى شيطنة الوسيلة بدل تحديد الضرر. ويأتي بيان مجلس الوزراء، بالتوازي مع تصريحات سابقة عن حماية الأطفال على الإنترنت. والحماية من الاستغلال أو الابتزاز أو التحرش وانتهاك الخصوصية تتطلب مواجهة أفعال محددة وتطوير أدوات الحماية، لا اعتبار الفضاء الرقمي كله مصدرًا للخطر أو اتخاذ حماية الأطفال ذريعة لانتزاع بقية حقوقهم، أو لمراقبة تعبير البالغين وتجريمه. 

وكما أوضح تقرير "معاداة التقنية"، يجب تعريف الجريمة بالاعتداء الذي يقع على حق، لا بالطريق المستخدمة في ارتكابها. فالإنترنت قد يزيد حجم الضرر أو سرعة انتشاره، بما يستدعي قواعد مناسبة لجمع الأدلة وحفظ البيانات وإزالة المحتوى غير المشروع وتعويض الضحايا، لكنه لا يبرر تحويل أقوال أو ملابس أو حركات غير مجرّمة خارج الإنترنت إلى جرائم لمجرد نشرها رقميًا، أو إضافة عقوبة مستقلة بسبب استخدام حساب إلكتروني. إن القصور في منع ومعاقبة أغلب الاعتداءات الرقمية لا ينتج عن غياب النصوص القانونية، بل عن صعوبة الوصول إلى حماية فعالة، وبطء الاستجابة، وضعف القدرة على التقصي وحفظ الأدلة وتتبع الحسابات، ونقص المعرفة بخصائص العنف والإساءة الرقمية. ولذلك ينبغي تقوية قدرات الشرطة والنيابة والقضاء على التعامل مع الأدلة الرقمية والتزييف العميق وانتحال الهوية، والاستجابة الجادة والسريعة لبلاغات الضحايا، خصوصًا النساء والأطفال والفئات الأكثر عرضة للعنف الرقمي، مع احترام الخصوصية وتقديم الحماية للمجني عليهم وبياناتهم وحقوق الدفاع. 

أما استحداث جرائم لملاحقة "المحتوى غير الأخلاقي"، أو مراقبة عموم المستخدمين بحثًا عنه، فلا يحمي ضحايا الاعتداءات، بل يستهلك موارد المؤسسات في ملاحقة التعبير. المطلوب هو كفاءة أعلى في التعامل مع بلاغ الضحايا بما فيها إجراءات الحماية والتحقيق والمحاسبة، بدلًا من استغلال هذا الضرر لمأسسة الرصد والتتبع الأخلاقي للمواطنين.

الحكومة "تستجيب" لإعلامها

ذكر بيان مجلس الوزراء أن الحكومة تحركت استجابة لحملة صحفية وإعلامية حذرت من مخاطر مواقع التواصل الاجتماعي. لكن تقديم هذه الحملة بوصفها مطلبًا مستقلًا صادرًا عن إعلام مستقل يتجاهل واقع المجال الإعلامي المصري، بعد سنوات من تركيز ملكية وسائل الإعلام في يد جهات مرتبطة بالدولة، وفرض الرقابة على المحتوى، وحجب المواقع المستقلة، وملاحقة الصحفيين بسبب عملهم أو آرائهم. لذلك تبدو الإحالة إلى الحملة الإعلامية جزءًا من دائرة مغلقة من الذعر الاجتماعي.  فتطلق منابر قريبة من الدولة حملة ذعر أخلاقي، ثم تستشهد بها الحكومة بوصفها مطلبًا مجتمعيًا لتبرير جرائم وعقوبات وصلاحيات رقابية جديدة. 

خطر جهاز المراقبة الجديد

إلى جانب التغيير التشريعي، يكشف إعلان وزير الاتصالات أنه تم بالفعل تشكيل وحدة داخل الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات لرصد "المخالفات" أسئلة عن سند إنشائها، وحدود اختصاصها، وتعريف المخالفة، ومعايير إحالة المحتوى إلى جهات التحقيق، والجهة التي تراقب عملها. وقد يشمل الرصد جمع أسماء المستخدمين وصورهم وحساباتهم وأنماط نشاطهم، وربما استنتاج معلومات سياسية أو اجتماعية وأمنية عنهم. ومع ذلك، لم يوضح البيان ما إذا كانت الوحدة خاضعة لقانون حماية البيانات الشخصية أو حتى قانون الاتصالات المنشئ للجهاز، أم ستعمل ضمن استثناءاته الواسعة المتعلقة بالبيانات المعالجة تطبيقًا للقانون أو المرتبطة بالتحقيقات وجهات الأمن القومي. كما لم يحدد أغراض جمع البيانات ومدد الاحتفاظ بها والجهات التي تتاح لها وحقوق الأشخاص في معرفتها وتصحيحها والاعتراض على معالجتها أو طلب حذفها، ولا ما إذا كانت ستُستخدم أدوات آلية أو أنظمة ذكاء اصطناعي في الرصد والتصنيف أو تستثمر في جهود بشرية لمتابعة المحتوى.

ولا يمكن فصل عمل الوحدة عن التعديلات التشريعية المقترحة؛ فالقانون يحدد ما يجوز لها رصده، بينما تمنح الوحدة النصوص قدرة يومية على التطبيق والتوسع. لا يجب التعامل مع هذه الوحدة بصفتها إجراءً إداريًا لا يخضع لأساس تشريعي. فيجب أولًا دراسة مدى الحاجة لها، ومدى خطرها على حرية التعبير وخصوصية الأفراد. فهي حتى اللحظة مؤسسة بدون قانون معلن يحدد اختصاصها وأنواع البيانات التي تجمعها وضمانات استخدامها وتأمينها ومحوها وطرق الرقابة والتظلم.

خاتمة

تكشف حصيلة السنوات الست الماضية ما ينتج عندما يتحول مفهوم أخلاقي غامض إلى أساس لملاحقة مستمرة. فقد اتسعت القضايا من محتوى صانعات المحتوى إلى طيف واسع من التعبير والعمل الرقمي، وخلّفت قبضًا وحبسًا وتحقيقات وتشهيرًا وتوقفًا لمصادر الدخل بانحيازات طبقية وجندرية صارخة. وبعد توثيق محاكمات جنائية طالت مئات الأفراد، لم تعد مخاطر التوسع افتراضًا، فقد أثبتت التجربة أن غموض النص وتطبيقه طبقًا للأهواء، مع تراكم الاتهامات والملاحقات يمكن أن يحولا الاستثناء إلى سياسة مستقرة تزج بالأفراد في السجون لسنوات دون ارتكاب أي جريمة أو إيقاع أي ضرر..

ولذلك يصعب قراءة تلك التصريحات إلا كتعبير الدولة عن ضجرها من أي تعبير للمصريين والمصريات عن أنفسهم ومصالحهم على الإنترنت، بعد تدمير أي فضاء مدني آخر للتعبير السلمي والقانوني عن رأيهم. فالمقبول هو الخرس التام، ولا شيء دونه.

الرابط

https://eipr.org/publications/%D8%AA%D8%B5%D8%B1%D9%8A%D8%AD%D8%A7%D8%AA-%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B2%D8%B1%D8%A7%D8%A1-%D8%A8%D8%B4%D8%A3%D9%86-%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%82%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88%D8%A7%D8%B5%D9%84-%D8%AA%D9%86%D8%B0%D8%B1-%D8%A8%D8%AA%D9%88%D8%B3%D9%8A%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%A7%D9%82%D8%A8%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AC%D8%B1%D9%8A%D9%85

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.