الأحد، 4 أكتوبر 2026

هل تريد السلطة صحافة من الخارج؟

 

الرابط

هل تريد السلطة صحافة من الخارج؟

 اخترنا أن نبقى صحفيين داخل مصر.. لماذا ندفع الثمن؟


منذ اللحظة الأولى من تأسيس منصة "متصدقش" عام 2018، كنا نعرف أننا نختار طريقًا صعبًا.

كان المشهد الإعلامي المصري شديد التعقيد. في الداخل إعلام يتبنى خطابًا واحدًا، لا مكان فيه سوى لصوت واحد. وفي الخارج إعلام مضاد يتبنى بدوره خطابًا واحدًا أيضًا وإن كان على النقيض تمامًا.

لا ننتمي إلى هؤلاء. ولا إلى هؤلاء. لم نرد صحافة تردد رواية جاهزة لمجرد أنها نابعة من الداخل، ولم نرد أيضًا صحافة تتحرك وفق خطاب سياسي قادم من الخارج.

 كان رهانًا صعبًا. اخترنا أنفسنا. اخترنا مصر، والصحافة التي نحلم بها.

صحافة لا تميل ولا تحيد، ولا تعلو فيها الأيديولوجيا على المهنة، ولا تُفرض فيها الأجندة على الحقيقة، ولا مكان للانتماءات السياسية داخلها.

ومن هنا ظهر سؤال صعب؟ من أين يمكننا إنتاج هذه الصحافة؟

كانت الإجابة صعبة وسهلة في آن واحد: هذا مشروع مصري، على أرض مصرية، صحفيوه مصريون، ينشر قصصًا وتقارير عن مصر، وسنظل هنا. هنا، حيث مساحة تبدو صغيرة، ودائرة تبدو ضيقة، لكن كان دائمًا العمل من مصر شهادة إثبات هوية هذا المشروع، وهدف مؤسسيه، وإيمان محرريه، وظل هكذا دومًا.

على مدار ثماني سنوات، قدمنا صحافة نفخر بها. أصبنا كثيرًا، وأخطأنا أحيانًا، لكن عزاؤنا أن البوصلة كانت أبدًا ثابتة، والقبلة دائمًا نحو صحافة حرة نزيهة وصادقة، لا تهادن سلطة، ولا تعاديها. لا تنتمي لجماعة، ولا تنحاز لفكر سياسي، وإنما انتمت دائمًا إلى الحقيقة، وجمهور واسع ربما لا يعلم كيف كان الطريق وعرًا، لكنه كان شاهدًا أننا أبدًا لم نخن العهد، ولم نحيد يومًا، ولم نقدم سوى الحقيقة. الحقيقة فقط.

لم ترض عنا لجان الداخل، وهاجمتنا أبواق الخارج. وكنا جميعًا شبابًا، نحلم كأحلام الصبا الأولى بمشروع صحفي يعبر عنا، عن أحلامنا بصحافة حرة لا تُسيّرها أجندات، ولا تقودها أوامر. حققنا وبحثنا ودققنا وبذلنا كل ما استطعنا إليه سبيلًا.

وفي الطريق كانت الهجمات تزداد، وفي الطريق أيضًا ظلت الإجابة ما واضحة في أذهاننا جميعًا: هذا مشروع مصري على أرض مصرية، صحفيوه مصريون، ينشر قصصًا وتقارير عن مصر، وسنظل هنا.

في 2023 وعند مفترق طرق، جاءت الضربة الأولى. أحد أعضاء فريق "متصدقش" آنذاك يُلقى القبض عليه من منزله بعد ترويع أسرته، ليبقى محتجزًا لنحو 3 أيام، ويقفز في العقل سؤال منطقي: هل كان علينا الرحيل؟! هل لم تعد مصر تتسع لصحافة مهنية حرة تلتزم بالحقيقة ولا شيء سواها؟!

لم ننتظر الإجابة كثيرًا، إذ جاء الإفراج عن زميلنا بمثابة اعتراف من الدولة المصرية كلها، أننا لا ننتمي أبدًا إلى أي جماعات، أو أفكار سياسية، أو تنظيمات خارجية، وأننا لسنا سوى هؤلاء الشباب الحالمين بصحافة حرة نزيهة، ووطن يتسع للجميع.

في ظل مأساوية الحدث آنذاك، كنا أمام اختبار صعب، وكان لدينا فرصة قد يراها آخرون "ذهبية" للخروج من مصر يتحدثون بعدها عن اضطهاد وتكميم للأفواه، وسلسلة لا تنتهي من السرديات ضد الوضع الأمني والصحفي في مصر. 

لكننا لم نختر ذلك. اخترنا البقاء هنا، وارتأينا أن إدارة المشهد بتعقل من الجهات المعنية، تؤكد أن خيارنا الأول بالنشر من مصر كان صحيحًا، وأنه ما زال متسع في هذا البلد لصحافة مهنية تؤمن بحق الجمهور في المعرفة.

الآن، في لحظة عصيبة، انهار كل شيء. 6 صحفيين ألقي القبض عليهم في 24 ساعة فقط. فجأة هكذا دون أية مقدمات أو مبررات. 6 صحفيين - هم كامل فريق تحرير هذا المشروع الذي اختار النشر من مصر- مغيبين قسرًا ولا نعلم وأسرهم عنهم  شيئًا منذ 5 أيام (حتى نشر هذا البيان).

هل كان لزامًا علينا الرحيل؟! هل أخطأنا بالعيش في مصر والنشر من مصر؟ هل تحب السلطة هذه الأبواق التي تعمل من الخارج؟ هل ضاقت مصر بنا ذرعًا لدرجة ألا تحتمل مشروع صحفي، يعبر عن ماهية الناس وأزماتهم الحقيقية دون تزييف أو تجميل؟!

اخترنا مصر. هذا كان خيارنا. خيار محمد أشرف، وعبدالله قدري، وإسلام بركات، ومحمد عادل، وعمر هلال، ومحمد ومحمود، ومن قبلهم محررين أسسوا ومن بعدهم محررين غادروا، وما بين هذا وذاك خيار آلاف الصحفيين المصريين الشباب الذين يعملون في بيئة ضاغطة غير آمنة، تظن عبثًا أن عضوية نقابة تمنح تعريفًا للصحفي، بينما تسلبه هويته وسنوات عمره وإيمانه بصحافة حقيقية لا تهادن ولا توارب.

هذه دعوة لصوت العقل. نحن منكم. نحن صحفيون مصريون. يعلم من تابعنا يومًا أننا أبدًا لم نتبن خطابًا سياسيًا، ولم نتحيز سوى للحقيقة، وندفع الآن ثمن غاليًا من هويتنا وأعمارنا، ومن هذا الحلم البعيد المنال بصحافة صادقة تلتزم بالمهنة ولا شيء سواها.

في مكان لا نعلمه يقبع زملاؤنا الستة، مغيبة أصواتهم، مسلوبة حريتهم، مطعونة سمعتهم المهنية من لجان تديرها جهات لا تؤمن إلا بصوت واحد، بينما ظللنا متشبثين بمساحة ضيقة تتسع لأصوات الناس وهمومهم وأزماتهم الحقيقية.

ونحن هنا. سنظل هنا. بآلامنا، بأحلامنا، بانتصاراتنا، بإخفاقاتنا. وهذا الآن بين يديكم، أمام أعينكم، تحاول السلطة اغتيال مشروع مصري، على أرض مصرية، صحفيوه مصريون، ينشر قصصًا عن مصر. لكننا دائمًا وأبدًا سنظل هنا، في بلادنا، وطننا، أرضنا. نحلم بصحافة تدعم الحقيقة ووطن يتسع للجميع. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.