تعقيب المبادرة المصرية للحقوق الشخصية على بيان النيابة العامة بشأن احتجاز كامل فريق تحرير "متصدقش"
بعد الاطلاع على البيان الصادر عن النيابة العامة بشأن القبض على ستة من الصحفيين بمنصة "متصدقش" بعد مداهمة منازلهم والانتهاكات المنسوبة للأجهزة الأمنية بحقهم، أصدرت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية التعقيب التالي:
أشار بيان النيابة العامة إلى التحقيق مع الصحفيين الستة بحضور محاميهم وممثل عن نقابة الصحفيين؛ إلا أن البيان تجاهل أن أيًا من الصحفيين الستة لم يظهر أمام النيابة سوى بعد مرور خمسة أيام على إخفائهم ومنعهم من التواصل مع أسرهم أو محاميهم بالمخالفة للقانون، ورغم البلاغات المتعددة التي تقدم بها أفراد أسرهم ومحاموهم إلى النيابة العامة على مدى الأيام الخمسة، والتي بلغ عددها 18 بلاغاً.
تجاهل بيان النيابة العامة الإشارة للأمر الذي أصدرته جهات التحقيق بـ"التحفظ" على الصحفيين الستة على مدى الأيام التالية للقبض عليهم وإخفائهم بموجب مادة استثنائية من قانون الإرهاب الصادر عام 2015، والتي لا تجيز هذا الإجراء الاستثنائي إلا "عند قيام خطر من أخطار جرائم الإرهاب ولضرورة تقتضي مواجهة هذا الخطر". ولما كان اتهام النيابة العامة المستند إلى تحريات الأمن الوطني لا ينسب إلى الصحفيين الستة سوى نشر شائعات أو تقارير "كاذبة"، فقد كان على النيابة العامة أن تحدد ما هو الخطر الإرهابي الوشيك الذي تطلب حرمان الصحفيين الستة من حقهم في المثول أمام جهة قضائية خلال 24 ساعة من القبض عليهم شهدت ارتكاب انتهاكات مثبتة بحقهم.
تجاهل بيان النيابة العامة انتهاك سلطات الاحتجاز للحق المكفول بموجب قانون الإرهاب نفسه بأن يُخطر المتحفظ عليه بأسباب التحفظ فوراً، وأن "يكون له حق الاتصال بمن يرى إبلاغه من ذويه بما وقع، والاستعانة بمحام"، وهي الانتهاكات التي تم إثباتها في محاضر التحقيق مع الصحفيين الستة.
حفل بيان النيابة العامة بالعديد من القرائن التي تثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن احتجاز الصحفيين الستة يستند فقط إلى ممارستهم لعملهم الصحفي المحمي بموجب الدستور والقانون، مثل: "إبراز مواطن القصور دون غيرها في مؤسسات الدولة، والتقليل من أدوار مسؤوليها وأدائها، وتصعيد المشكلات الفئوية، وإبراز المعوقات المتعلقة بالشأن الداخلي للبلاد وتضخيمها، ونشر السلبيات بالقطاعات المختلفة وإبراز تقصير المسؤولين في التعامل معها".
على الرغم من الإشارات المتكررة في بيان النيابة العامة إلى التهم المنسوبة للصحفيين الستة بنشر الشائعات والأخبار "الكاذبة"، إلا أن البيان خلا من الإشارة إلى خبر أو تقرير واحد نشرته المنصة يمكن وصفه بالكذب أو التلفيق أو حتى الاستناد إلى معلومات أو بيانات خاطئة، وهو ما يتسق مع التحقيقات المطولة التي أجرتها نيابة أمن الدولة العليا مع الصحفيين الستة على مدى ثلاثة أيام لما يقرب من 30 ساعة مع كل منهم، ولم يُواجه فيها أي منهم بخبر أو تقرير واحد يمكن وصفه بالكذب أو التلفيق.
أكثر ما يثير الاستغراب في بيان النيابة العامة هو تحويله لجميع الإجراءات التي تثبت مشروعية وقانونية العمل الصحفي للصحفيين الستة إلى قرائن على ضلوعهم في مؤامرة ضد البلاد؛ فمنذ أعوام قامت الشركة المالكة للموقع والمعروفة لدى أجهزة الدولة بالتعاقد مع جميع الصحفيين في مصر، وأودع هؤلاء الصحفيون نسخاً من عقودهم تلك في البنوك المصرية، وتلقوا على حساباتهم البنكية مكافآتهم الشهرية لقاء عملهم الصحفي بشهادة بيان النيابة العامة نفسه. إلا أن البيان حول هذه الإجراءات الشرعية والعادية إلى اتهامات بتلقي "تمويل شهري بمبالغ مالية بعملات أجنبية" لإضفاء طابع إجرامي غير حقيقي على هذه الأفعال المشروعة. والأمر نفسه ينطبق على عضوية الصحفيين الستة في مجموعات إلكترونية لتنسيق دورة العمل اليومي وتبادل رسائل بريد إلكتروني بشأن عملهم الصحفي المشروع تحولت في بيان النيابة العامة إلى أدلة تتهمهم بـ"الإرهاب".
وفيما يخص الادعاءات الخطيرة التي أبداها بعض الصحفيين الستة أمام النيابة بتعرضهم لأشكال مختلفة من التعذيب وسوء المعاملة والتهديد والإكراه البدني والمعنوي، اكتفى البيان بالإشارة إلى أنه "ثبت للنيابة العامة عدم وجود ثمة إصابات ظاهرة بأي منهم"، وهو ما لم يدعيه الصحفيون الستة أو محاموهم من الأساس. وأشار البيان إلى عرض ثلاثة منهم على مصلحة الطب الشرعي، دون إشارة إلى أن النيابة رفضت سماع أقوال الصحفيين والتحقيق معهم كمجني عليهم في بلاغات التعذيب المقدمة منهم بحق الضباط الذين قاموا على احتجازهم في مقرات الأمن الوطني بمحافظات مختلفة. كما خلا البيان من أي إشارة إلى استدعاء وسماع أقوال الضباط والمشكو في حقهم والقائمين على الاحتجاز أو شهود الوقائع.
تجاهل بيان النيابة إثبات الصحفيين في أقوالهم أثناء التحقيق لإكراههم بالمخالفة للقانون على تسجيل اعترافات ملفقة وغير حقيقية، على سبيل اصطناع أدلة لاستعمالهم ضدهم لاحقًا.
ختاماً، تجدر الإشارة إلى أن البيانات الإعلامية الصادرة عن النيابة العامة على مواقع التواصل الاجتماعي ليست لها قيمة الإثبات القانوني، ولا تعدو كونها تلخيصاً لموقف جهة الادعاء الذي لم يُعرض على أي محكمة ولم تثبت أي من عناصره. وبالتالي، فإن الهدف من هذا البيان لا يتجاوز التعبير عن رأي نيابة أمن الدولة العليا وتلخيصًا لتحريات الأمن الوطني التي استندت إليها، وهو ما اعترف به بيان النيابة العامة في ختامه بالإشارة إلى أنه "جار استكمال التحقيقات".
تكرر المبادرة المصرية للحقوق الشخصية مطالبتها بإخلاء سبيل الصحفيين الستة فورًا، وحفظ القضية وإسقاط الاتهامات المنسوبة إليهم، والتحقيق في الانتهاكات المبلغ بها ضدهم ومحاسبة المسؤولين عنها
الرابط

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.