عربى 21
مكافأة ترامب للسيسي: كيف تحولت "الخدمات الإقليمية" إلى ضوء أخضر لقمع الداخل؟
في تطور خطير قد يمس ملف حقوق الإنسان في مصر، وفي توقيت يتصاعد فيه غضب 60 الف معتقل سياسي بالسجون المصرية، قررت الإدارة الأمريكية للرئيس دونالد ترامب، مكافأة رئيس النظام المصري عبدالفتاح السيسي، على دور "مفيد" في "حرب إيران"، بإعفاء المساعدات الأمريكية للقاهرة من شرط احترام لحقوق الإنسان.
وكالة "رويترز"، للأنباء، نقلت الخميس، رسالة موجهة وزير الخارجية ماركو روبيو، إلى لجان بالكونجرس 4 أيلول/ سبتمبر الماضي، تقول بإعفاء مساعدات عسكرية لمصر بقيمة 320 مليون دولار من الشروط المتعلقة بحقوق الإنسان، للعام المالي 2025 المنتهي أيلول/ سبتمبر الماضي، في ضوء "الدور المفيد" الذي تلعبه منذ شن أمريكا و"إسرائيل" الحرب على إيران 28 شباط/ فبراير الماضي.
ووفقا لمذكرة مرفقة تبرر القرار، وتحمل توقيع روبيو، فإن "الإعفاء ضروري للعلاقة بين واشنطن والقاهرة ولأولويات الأمن القومي الأمريكي، لا سيما في ضوء الدور المفيد الذي أدته مصر عقب عملية (ملحمة الغضب)"، وهو الاسم الذي يستخدمه الجيش الأمريكي للحرب على إيران، لكن المذكرة لم تشير للدور الذي قامت به مصر واستحقت عليه هذا الإعفاء.
وقالت الخارجية الأمريكية إن "واشنطن تواصل التعاون مع الحكومة المصرية بشأن مجموعة من القضايا"، وأن "قرار الإعفاء يؤكد أهمية الحفاظ على التعاون الأمني مع مصر في وقت تشهد فيه المنطقة تحديات أمنية كبيرة".
ومنذ توقيع "معاهدة السلام" مع "إسرائيل" عام 1979، وتحصل مصر على معونة أمريكية بقيمة 3 مليارات دولار سنويا منها مساعدات عسكرية بنحو 1.3 مليار دولار؛ لكن واشنطن وبسبب انتهاكات ملف حقوق الإنسان منذ الانقلاب العسكري الذي قاده السيسي، عام 2013، واعتقاله حتى الآن لأكثر من 60 ألف مصري، لوحت بقطع تلك المعونة مرارا.
في عام 2013، جمدت إدارة باراك أوباما، 260 مليون دولار عقب الانقلاب على الرئيس الراحل محمد مرسي، حتى أُفرج عنها عام 2015، لتلغي في 2017 إدارة ترامب 95.7 مليون دولار وتؤجل صرف 195 مليون دولار أخرى، في قرار اتخذته إدارة جو بايدن عامي 2021، و2022، بحجب 130 مليون دولار، ثم 85 مليون دولار عام 2023، لتنتهي سلسلة الحجب مع إدارة ترامب الثانية مطلع 2025.
"مقابل سياسي واضح"
أكد الخبير المصري في الاستراتيجية وإدارة الأزمات، مراد علي، أن "هناك مقابل سياسي واضح؛ فالإدارة الأمريكية قالت بنفسها إن إعفاء نحو 320 مليون دولار من المساعدات العسكرية من الشروط المتعلقة بحقوق الإنسان جاء في ضوء ما وصفته بالدور المفيد، الذي لعبته مصر منذ اندلاع الحرب الأمريكية على إيران، لكن ما زلنا لا نعرف على وجه الدقة ما هو هذا الدور، لأن الإدارة الأمريكية لم تكشف تفاصيله".
ويعتقد علي في حديثه لـ"عربي21"، أن "السؤال الحقيقي لا ينبغي أن يُوجَّه إلينا نحن كمتابعين ومحللين فقط، وإنما يجب أن يُوجَّه أساسًا إلى الإدارة المصرية نفسها: ماذا قدمت مصر تحديدًا خلال هذه الحرب؟ وما طبيعة الدور الذي اعتبرته الإدارة الأمريكية مهمًا إلى الحد الذي دفعها إلى تجاوز الشروط المتعلقة بحقوق الإنسان وحقوق المصريين؟".
ويرى أن "هذا ليس أمرًا جديدًا في السياسة الأمريكية تجاه مصر؛ فمن يراجع تاريخ العلاقة بين البلدين يجد أن المصالح الأمنية والاستراتيجية الأمريكية تتقدم على الاعتبارات المتعلقة بالديمقراطية وحقوق الإنسان، وقد حدث في سنوات سابقة أن حجبت واشنطن أجزاءً من المساعدات بسبب الملف الحقوقي، ثم عادت وتجاوزت هذه الشروط عندما رأت أن التعاون مع الإدارة المصرية يخدم مصالحها".
ولفت إلى "العبارة الشهيرة المنسوبة إلى الرئيس ترامب عام 2019، عندما تساءل خلال قمة السبع، بحسب تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال: (أين ديكتاتوري المفضل؟) في إشارة إلى الرئيس السيسي، وقد نقلت عدة وسائل إعلام الواقعة آنذاك".
ويرى أن "هذه الواقعة، بغض النظر عن كون العبارة قيلت على سبيل المزاح أم لا، تكشف مفارقة مهمة: واشنطن تعرف طبيعة النظام السياسي الذي تتعامل معه، والانتقادات الواسعة الموجهة إليه في ملف حقوق الإنسان، ومع ذلك لا ترى مانعًا في استمرار التعاون والدعم عندما ترى أن ذلك يخدم مصالحها الإقليمية والأمنية".
تطور خطير بملف حساس
ويرى الخبير في القانون الدولي والعلاقات الدولية سعيد عفيفي، أن "القرار الأمريكي يعد تطورا يعيد فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في العلاقات المصرية الأمريكية".
وقال إنه "يطرح تساؤلات جوهرية تتجاوز قيمته المالية، لتصل إلى طبيعة التحالف الاستراتيجي بين القاهرة وواشنطن، وحدود ارتباط المساعدات الأمريكية بالتزامات حقوق الإنسان، ومصير آلاف المعتقلين السياسيين الذين ينتظرون انفراجة في أوضاعهم القانونية والإنسانية".
وتساءل: "فهل نحن أمام مكافأة سياسية مباشرة للنظام المصري نظير خدمات قدمها للولايات المتحدة في سياق الحرب على إيران؟ وما طبيعة الدور الذي ربما أدته القاهرة حتى تحظى بهذا الاستثناء؟ وهل يعني القرار أن الاعتبارات الأمنية والاستراتيجية أصبحت تتقدم بوضوح على ملف الحريات والديمقراطية في السياسة الأمريكية تجاه مصر؟".
وفي "قراءة تميز بين ما أكدته الوثائق، وما يمكن استنتاجه من السياق السياسي، وما لا يزال غير معلن"، أكد عضو "تكنوقراط مصر"، أن "الإعفاء لا يعني إلغاء جميع شروط حقوق الإنسان المفروضة على المساعدات الأمريكية لمصر، ولا يعني بالضرورة زيادة إجمالي المساعدات السنوية، بل يتعلق باستثناء مالي محدد من شروط قائمة، بما يتيح الإفراج عن الأموال المعنية رغم عدم استيفاء متطلبات التصديق المرتبطة بحقوق الإنسان".
هل هذه مكافأة لنظام السيسي؟
ومن الناحية السياسية، قال عضو حزب "تكنوقراط مصر"، المعارض: "يمكن قراءة القرار باعتباره مكافأة استراتيجية أو مقابلًا سياسيًا غير مباشر للدور الذي ترى الإدارة الأمريكية أن مصر أدته في خدمة مصالحها الإقليمية؛ لكن من الضروري التمييز بين هذا التفسير وبين وجود اتفاق معلن يثبت أن القاهرة قدمت خدمة محددة مقابل الإفراج عن الأموال".
ولفت إلى أن "الوثيقة، تربط الإعفاء بالمصالح القومية الأمريكية وبالدور المصري عقب بدء الحرب، لكنها لا تكشف عن اتفاق ثنائي ينص على تقديم مبلغ محدد مقابل عمل بعينه؛ ولذلك فإن وصف القرار بأنه (مكافأة) يمثل قراءة سياسية تستند إلى توقيت القرار وصياغة مبرراته، وليس حقيقة مستقلة ثبتت جميع تفاصيلها".
وبين أنه "مع ذلك، فإن توقيت القرار يحمل دلالة واضحة: عندما تتعارض شروط حقوق الإنسان مع ما تعتبره الإدارة الأمريكية ضرورة أمنية، فإن واشنطن تملك آلية قانونية تسمح لها بتقديم الأولوية للاعتبارات الاستراتيجية؛ وأيضاً في ظل الوضع الاقتصادي الخانق الذي يمر به نظام السيسي والذي قد يؤدي إلى انفجار شعبي بسبب الأوضاع الاقتصادية المتردية للأسر المصرية الفقيرة والمتوسطة".
عفيفي، يعتقد أن "هذه ليست معادلة جديدة في العلاقات الدولية؛ فكثيرًا ما تتعامل الدول الكبرى مع حقوق الإنسان باعتبارها أحد عناصر سياستها الخارجية، لكنها لا تجعلها بالضرورة العامل الحاسم عندما يتعلق الأمر بالأمن القومي أو التحالفات العسكرية أو إدارة النزاعات الإقليمية".
ويرى أنه "في الحالة المصرية، تبدو أهمية القاهرة مرتبطة بعدة اعتبارات متداخلة: موقعها الجغرافي، وعلاقاتها الأمنية مع الولايات المتحدة، ودورها في أمن الحدود ومكافحة الإرهاب، وصلاتها بإسرائيل وقطاع غزة، فضلًا عن قدرتها على التواصل مع أطراف إقليمية متعارضة".
و"من ثم، فإن القراءة الأقرب إلى مضمون القرار هي أن الإدارة الأمريكية ترى أن استمرار التعاون مع مصر يخدم مصالحها بدرجة تجعلها مستعدة لتجاوز بعض الشروط الحقوقية المفروضة على المساعدات"، بحسب عفيفي.
واستدرك: "لكن السؤال الذي ينبغي طرحه ليس فقط: لماذا حصلت القاهرة على هذا الاستثناء؟ بل أيضًا: ما الذي يعنيه ذلك بالنسبة إلى المواطنين المصريين الذين يُفترض أن تكون حماية حقوقهم جزءًا من أهداف السياسة الأمريكية المعلنة؟".
ماذا قدمت مصر لتنال هذا الاستثناء؟
يرى عفيفي، أن "هذه هي النقطة الأكثر إثارة للاهتمام في القضية، لكنها أيضًا النقطة التي تتطلب أكبر قدر من الحذر؛ لأن المذكرة الأمريكية لم تحدد بالتفصيل الخدمات التي قدمتها القاهرة، ومع ذلك، يمكن تحليل عدد من المجالات التي تتقاطع فيها المصالح المصرية والأمريكية".
وأشار أولا: إلى "الموقع الجغرافي وأمن الممرات البحرية"، مبينا أن "مصر نقطة استراتيجية تربط البحر المتوسط والأحمر عبر قناة السويس، كما تقع بالقرب من مسارح عمليات الشرق الأوسط، وفي ظل اتساع تداعيات الحرب على إيران، تكتسب سلامة الملاحة البحرية وأمن الممرات التجارية أهمية إضافية بالنسبة إلى واشنطن، لكن لا يوجد في التقرير المنشور تفاصيل تثبت أن تسهيل مرور سفن أو تقديم دعم عسكري معين كان السبب المباشر وراء الإعفاء".
وثانيا: ألمح إلى "التعاون الأمني ومكافحة الإرهاب"، موضحا أن "المذكرة الأمريكية ذكرت صراحة مكافحة الإرهاب وأمن الحدود ضمن المجالات التي تبرر أهمية التمويل؛ وهذا يوفر أساسًا موثقًا للقول إن التعاون الأمني يمثل أحد الاعتبارات الرئيسية في القرار، وإن كانت الوثيقة لا تحدد عمليات أو معلومات استخباراتية بعينها قدمتها مصر".
ليأتي "الدور المصري في غزة والاتصالات الإقليمية"، كثالث أسباب القرار الأمريكي حيث قال الخبير في القانون الدولي والعلاقات الدولية، إن " القاهرة تمتلك قنوات اتصال مع إسرائيل والفلسطينيين وأطراف إقليمية أخرى، ولعبت دورًا بمفاوضات وقف إطلاق النار في غزة، ويذكر تقرير رويترز أن مصر أدت دورًا محوريًا بمفاوضات الهدنة".
ويلفت إلى أنه "قد تعزز هذه الخبرة قيمة مصر لدى واشنطن بوصفها طرفًا قادرًا على التواصل مع جهات متعددة، لكن لا ينبغي اعتبار دورها في غزة دليلًا قاطعًا على طبيعة دورها في الحرب على إيران".
وأشار رابعا: إلى "استمرار الشراكة العسكرية والاستراتيجية"، ملمحا إلى أنها "تمتد لعقود، واستمرارها يمنح واشنطن شريكًا إقليميًا يمكنه التنسيق معه في ملفات الأمن والاستقرار؛ ومن منظور الإدارة الأمريكية، قد تكون المحافظة على هذه الشراكة أهم من الاستمرار في حجب جزء من التمويل للضغط على القاهرة في ملف حقوق الإنسان".
وختم بالقول إن "المجالات الثلاثة الأولى تتضمن اعتبارات استراتيجية محتملة، بينما يؤكد القرار المنشور بصورة مباشرة أهمية مكافحة الإرهاب وأمن الحدود والمصالح القومية الأمريكية، أما تفاصيل أي مساهمة مصرية خاصة بالحرب على إيران، فلا تزال غير معلنة، وبالتالي، فإن القول إن النظام المصري قدم تسهيلات عسكرية محددة أو شارك مباشرة في عمليات ضد إيران يحتاج إلى أدلة إضافية، ولا يجوز استخلاصه من مجرد صدور الإعفاء".
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.