العربى الجديد
"متصدقش"... الخوف في مواجهة الحرية
تكشف قضية صحافيي منصة متصدقش جانباً من الصراع حول الحريات العامة في مصر، وفي مقدّمتها حرية الصحافة وأشكال التعبير المختلفة، كما تعكس تضييق المجال العام ونظرة السلطة إلى وسائل الإعلام ودورها. فالنقد، أو تقديم رواية مغايرة لما تقوله السلطة، وحتى مجرّد إبراز بعض حقائق الواقعين، الاجتماعي والسياسي، يتحوّل إلى مصدر إزعاج حين يتعارض مع خطاب السلطة بشأن الإنجازات أو يضع إخفاقاتها موضع مساءلة. ومن هذا المنطلق، قد ينظر إلى الأفراد والمؤسّسات الإعلامية خارج أطر الموالاة باعتبارهم مصدر خطر، وهو ما ظهر في قضية توقيف صحافيي المنصّة التي تأسست عام 2018، وتركز على التحقق من صحة المعلومات والأخبار، قبل أن تربط باتهامات تتصل بمؤامرة تستهدف الأمن والاستقرار والتحريض على الفوضى.
ويرتبط ذلك المسار بسردية أساسية، تكرّرها السلطة في خطاباتها الرسمية، مفادها أن حرية التعبير قد تقود إلى الفوضى وتهديد أمن المجتمع، وأن وسائل الإعلام يمكن أن تعطّل عمل الدولة، بقصد أو من دونه. ومن هذه الزاوية، يأتي توقيف أعضاء فريق المنصّة الستة، ضمن حملة شاركت فيها مؤسّسات ووسائل إعلام موالية للسلطة. ويأتي المشهد الذي أصبح حديث وسائل إعلام دولية في سياق نمط متكرّر من استخدام الترهيب والتشويه لإنتاج الخوف، وإنْ بدت الحملة الحالية أكثر كثافة واتساعاً في استخدام أدواتها. وتتزامن مع تراكم أزمات عدّة، خصوصاً الأزمة الاقتصادية التي تفاقمت على مدار العقد الأخير، في وقت لم تعد فيه السلطة تملك حلولاً واضحة لتجاوزها. وبعد سنواتٍ من مطالبة الناس بالصبر عاماً وعامين، وانتظار انفراج الأزمات، ما زال الصبر مطلباً بعد عقد من الحكم بشكل مطلق، مع وضع الحرّيات باعتبارها أولوية مؤجلة، ومع استمرار أزمات يتحملها الناس قهراً. ويبدو الخوف والترهيب، في هذا السياق من أزمة السلطة، أكثر حضوراً بوصفهما أداتين لإدارة المجال العام والتعامل مع مسؤوليتها، وهي لا تقدم حلولاً، فيكون طريقها استدامة القمع.
تتشكل رسالة مفادها بأن أي عمل عام مستقل يرتبط بالإعلام، أو بتوجه سياسي، يمكن أن يصبح مصدراً للخطر
وقد جاء توجيه اتهامات إلى الموافقين الذين تخصصوا في صحافة البيانات لتشمل بث أخبار كاذبة ومعلومات مغلوطة، وإدارة صفحة غير مرخصة، والارتباط بجماعة الإخوان المسلمين، وتلقي تمويلات خارجية، ضمن سياقات التخويف من حرية الرأي والتحذير منها، وتصوير إنتاج المواد الصحافية قرينة على جريمة، وهي، بطبيعة الحال، متصلة بعملهم المهني، مع ادّعاء وجود مخطط للحشد وإثارة الفوضى. لكن الواضح أن الواقعة جرى تحويلها من قضية حرية الصحافة وعاملين يمارسون مهنتهم إلى قضية أمنية؛ فتغيب عمل المنصّة وتحقيقاتها وتدقيقها للمعلومات، سواء ما ارتبط بالسلطة أو حتى بنخب معارضة، لمصلحة الحديث عن طبيعة العاملين وانتماءاتهم ونفي الصفة المهنية عنهم، بل لوم نقابة الصحافيين حين تضامنت معهم، وطالبت بإيضاح مكان حجزهم وتمكينها من تقديم الدعم القانوني، كان هدفه إعادة توصيف القضية، التي احتجزوا فيها، وجرى إخفاؤهم وشكوا لاحقاً أمام النيابة من سوء المعاملة والتعذيب لانتزاع اعترافات، هذا كله يؤشّر على دفع القضية أمام الرأي العام إلى مجال الاشتباه الأمني وممارسة الجريمة، بما يحد من التعاطف معهم ويبرّر قمعهم. وفي سياق أعم يهدف إلى التشكيك في مهنة الصحافة والعاملين فيها، بينما جاء ربطهم بالإخوان ليضيف مزيداً من الترهيب، والإشارة إلى أنهم ينتمون إلى جماعة إرهابية معادية للدولة، والنفور من العمل السياسي عموماً. وفي المحصلة، تتشكل رسالة مفادها بأن أي عمل عام مستقل يرتبط بالإعلام، أو بتوجه سياسي، يمكن أن يصبح مصدراً للخطر، وقد يصنّف ضمن مؤامرة خارجية تستهدف الدولة وأمن المجتمع.
في المقابل، أكّدت المنصة أن أعضاء فريقها لا ينتمون إلى أي تنظيم، واستحضرت واقعة توقيف زميلهم الصحافي كريم أسعد عام 2023 بالتزامن مع نشر المنصة تحقيقات عن طائرة زامبيا، وأن الفريق حينها خضع لتدقيق أمني شامل قبل الإفراج عنه، ومن دون توجيه اتهامات، غير إيضاح أنهم يعملون بعقود مثبتة، وتصرف أجورهم رسمياً عبر البنوك بموجب التعاقد، ويمارسون عملهم الصحافي العلني وهو أمر بديهي، وحتى أحد مؤسسي المنصة، الذي وصف بـالإخواني الهارب، سبق له المشاركة في اجتماعات رسمية بدعوة من قيادات في الدولة ضمن حوار سياسي عام، ولا يحمل أي سجل اتهامات. لكن الإعلام الموالي تبارى في محاولة إثبات صلته بالإخوان، واعتبار مشاركته في ثورة يناير قرينة إدانة. وهذا النهج يتصل أيضاً بخطاب السلطة حول الثورة، واعتبار تداعياتها كارثية تحتاج إلى معالجة آثارها بعد 15 عاماً، والتحذير من أن انفلات المجال العام وحرية التعبير ونقد السياسات الحكومية قد يفضي إلى التخريب والفوضى كما جرى سابقاً.
تواجه حرية الصحافة والحق في المعرفة والعمل الإعلامي في مصر مأزقاً حقيقياً
وتمثل القضية والحملة التي تصاحبها وتساهم فيها وسائل إعلام ونخب تندرج تحت توصيف صحافة التعليمات وتمارس التحريض على الموقوفين، تمهيداً لمرحلة جديدة يراد فيها خفض سقف الصحافة بدرجة أكبر، وجعل وسائل التعبير أكثر تبعية. وتستخدم في ذلك أدوات ردع، من بينها منظومة التشريعات المنظمة للإعلام والنشر، لتقييد مساحات التعبير، في حين تكمل خطابات التشويه والاستهداف الشخصي هذا الدور بطرق موازية للقانون، تشمل التخوينَ بوصفه أداة ضبط واستبعاد اجتماعي وعقاب مزدوج. ويتزامن ذلك مع إعادة إنتاج سردية السلطة حول وسائل الإعلام وما قد يترتب على انفلاتها من فوضى وأزمات، ليصبح الخوف أداة ضغط تسهل إقناع المجتمع بأن ضبط التعبير شرط للاستقرار، وأن الوضع القائم أفضل من مصائر قد تكون أكثر قسوة.
المستغرب أن هذه الهجمة تأتي بعدما استطاعت السلطة السيطرة شبه الكاملة على مؤسسات الإعلام التقليدية والرسمية، لكنها ربما تنظر إلى وسائل التواصل الاجتماعي باعتبارها مساحة يصعب ضبطها بالكامل، وتسعى إلى تقليص مساحة النقاش السياسي فيها، باستخدام التهم الجاهزة وإشاعة الخوف بشكل عام في كل أوساط المجتمع.
في النهاية، تكشف قضية "متصدقش" التي شهدت تضامناً دولياً واسعاً من مؤسّسات صحافية وحقوقية، أن الصراع الحقيقي يدور حول حدود المجال العام؛ حيث يطلب من الصحافيين والمواطنين الالتزام بالسردية الرسمية، وعدم تقديم رواية مغايرة أو نقد مقولاتها. وتشكل القضية حلقة جديدة في محاولات تقييد المجال العام وترهيب أفراده، بينما تواجه حرية الصحافة والحق في المعرفة والعمل الإعلامي مأزقاً حقيقياً.
الرابط

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.