تزامنًا مع حبس صحفيي "متصدقش".. مطالبات بإصدار قانون حرية تداول المعلومات
عادت المطالب بإصدار قانون لحرية تداول المعلومات إلى الواجهة، خلال لقاء نظمته أمانة الحقوق والحريات بالمجلس التنفيذي لحزب المحافظين مساء أمس الاثنين، وذلك بالتزامن مع حبس 6 صحفيين يمثلون فريق التحرير بمنصة "متصدقش" الصحفية المستقلة.
وشدد مشاركون في اللقاء على أن غياب قواعد واضحة للحصول على المعلومات يضع الصحفيين والباحثين أمام حدود غير معلومة لما يمكن الحصول عليه ونشره، ويجعل ممارسة العمل الصحفي والبحثي محفوفة بمخاطر قانونية وأمنية.
وألقت قوات الأمن يومي 28 و29 سبتمبر/أيلول الماضي، القبض على فريق تحرير منصة "متصدقش"، وأخفتهم لخمسة أيام قبل عرضهم على نيابة أمن الدولة العليا التي قررت حبسهم 15 يومًا احتياطيًا على ذمة التحقيقات، بعد اتهامهم بـ"نشر أخبار كاذبة والانضمام لجماعة إرهابية"، وسط تقارير عن تعرضهم للتعذيب نفتها وزارة الداخلية لاحقًا.
وشارك في اللقاء النائبة السابقة سميرة الجزار، والصحفية والباحثة في قضايا الإعلام الرقمي وحقوق الإنسان فيولا فهمي، والمحامية والحقوقية نورهان حسن، والباحثة آية عبد الحميد، أمينة الحقوق والحريات بحزب المحافظين، إلى جانب عدد من ممثلي الأحزاب والمهتمين بقضايا الإعلام والحقوق والحريات.
من يملك حق المعرفة؟
قال رئيس المكتب الفني لحزب المحافظين خليل مرعي، إن المعلومة "قوة وحق للمواطن"، مشيرًا إلى أن الدستور المصري نص على الحق في المعرفة وحرية تداول المعلومات.
واعتبر مرعي أن طبيعة المشكلة تغيرت خلال السنوات الأخيرة؛ فبعدما كان التحدي يتمثل في ندرة المعلومات، أصبح المجتمع يعيش في عصر "تدفق المعلومات"، بما يفرض تحديًا آخر يتعلق بمدى دقة المعلومات ومصادرها وكيفية توظيفها.
وقال إن ترك المجال العام من دون معلومات موثوقة يخلق "فراغًا معلوماتيًا"، محذرًا من أن هذا الفراغ ستملؤه جهات أخرى، مضيفًا "الفراغ ده شئت أم أبيت ستملؤه جهة أخرى".
وربط مرعي بين إتاحة المعلومات ومكافحة الفساد وإصلاح الجهاز الإداري، معتبرًا أن غياب المعلومات يتيح حماية بعض الممارسات داخل المؤسسات، بينما تساعد الشفافية في كشف أوجه الخلل ومساءلة المسؤولين عنها.
وتنص المادة 68 من الدستور على أن "المعلومات والبيانات والإحصاءات والوثائق الرسمية ملك للشعب"، وأن الإفصاح عنها من مصادرها المختلفة حق تكفله الدولة لكل مواطن، مع تنظيم القانون لقواعد الحصول عليها وإتاحتها وسريتها والتظلم من رفض إعطائها.
ويرى مرعي أن أي قانون جديد يجب ألا يتعامل مع المادة 68 باعتبارها نصًا منفصلًا، وإنما يربط الحق في المعلومات بمواد دستورية أخرى تتعلق بالبحث العلمي والاقتصاد المعرفي وحرية الاتصال وحرية الرأي والتعبير وحرية الصحافة والإبداع.
وقال إن هناك "بصيص أمل" في إصدار القانون، معتبرًا أن الأهم هو أن يخرج التشريع بصورة تضمن الحق في المعرفة، حتى إذا استغرق إصداره وقتًا أطول.
منطقة رمادية
بالنسبة للباحثين، لا تتوقف المشكلة عند صعوبة الوصول إلى البيانات، وإنما تمتد إلى مدى إمكانية الوثوق بها.
وقالت الباحثة آية عبد الحميد إنها تواجه صعوبات في الحصول على البيانات اللازمة لعملها، مشيرة إلى وجود أرقام غير حقيقية داخل بعض مؤسسات الدولة ترى أنها لا تعكس الواقع.
وأضافت أن الباحث يحتاج إلى الثقة في البيانات التي يعتمد عليها، باعتبارها الأساس الذي تُبنى عليه الدراسات والنتائج.
لكن المشكلة، بحسب آية عبد الحميد، تتجاوز مسألة الحصول على المعلومة إلى عدم معرفة الحدود الفاصلة بين ما يمكن نشره وما لا يمكن نشره، قائلة "أنا لا أعلم ما الحدود الفاصلة بين المتاح نشره وما غير المتاح".
وضربت مثالًا على ذلك بقولها "أنا أحيانًا بخاف يتقبض عليّ لو نشرت أن رغيف العيش في منطقتي بـ2.5 جنيه".
وترى آية عبد الحميد أن وجود قانون واضح من شأنه أن يحدد حقوق الباحثين والصحفيين، ويقلل مساحة القلق الناتجة عن غموض القواعد.
من ناحيتها، قالت الصحفية والباحثة في قضايا حقوق الإنسان والإعلام الرقمي فيولا فهمي إن الأنظمة الحاكمة تستفيد من المناخ الذي تسوده الضبابية، معتبرة أن مصر تعيش منذ نحو 15 عامًا من دون صحافة حقيقية، بعدما اقتصرت مساحة من العمل الصحفي على متابعة الترندات.
من يدفع الثمن؟
أضافت فيولا فهمي أن الصحفي الذي يحاول ممارسة عمله بصورة مهنية يواجه مخاطر و"هيروح ورا الشمس"، مشيرة إلى وجود صحفيين محبوسين، وقالت إن عدد الصحفيين المحبوسين يصل إلى 22 صحفيًا، إضافة إلى الصحفيين الستة الذين أُلقي القبض عليهم من منصة "متصدقش".
وشددت في الوقت نفسه على أن المطالبة بحرية تداول المعلومات لا تعني إتاحة جميع البيانات دون ضوابط، موضحة أن هناك معلومات تتصل بالأمن القومي لا يمكن طرحها للتداول العام، وضربت مثالًا بميزانية الجيش وأنواع الأسلحة، قائلة "دي خطوة حمراء إحنا مش عايزينها".
لكنها، طالبت بإتاحة المعلومات التي ترتبط مباشرة بحياة المواطنين، مثل أعداد المصابين بالأمراض، وأسباب القرارات المتعلقة بالتعليم والنقل، وغيرها من البيانات التي تسمح للمواطن بفهم القرارات العامة وتقييم آثارها.
وقالت إن الحق في المعرفة يمثل ضمانة للثقة والشفافية ومكافحة الفساد، متسائلة عن إمكانية جذب الاستثمارات في ظل غياب قواعد واضحة لتداول المعلومات.
واعتبرت فيولا فهمي أن المجتمع يعاني مما وصفته بـ"أمية معلوماتية متعمدة"، مشيرة إلى أن غياب المعلومات الرسمية يدفع المواطنين إلى البحث عنها من مصادر أخرى قد لا تكون موثوقة. واختتمت حديثها بالقول "يا جماعة طلعوا معلومة، ومتكلبشوش الناس".
لا حساب دون معلومات
وقالت النائبة السابقة بمجلس النواب سميرة الجزار إن قانون حرية تداول المعلومات لم يشهد مناقشة خلال الفصل التشريعي السابق، إلى جانب قوانين أخرى، من بينها قانون مفوضية مكافحة التمييز.
وأشارت إلى أن غياب البيانات الدقيقة لا يؤثر فقط على الصحفيين والباحثين، وإنما يمتد إلى عمل البرلمان نفسه.
وضربت مثالًا بمناقشة قانون الإيجار القديم، قائلة إن البرلمان استعان بجهات بحثية وإحصائية للحصول على بيانات عن أعداد الوحدات والمستأجرين والملاك، لكن ذلك لم يؤدِ، بحسبها، إلى الوصول لأرقام دقيقة يمكن البناء عليها.
واعتبرت سميرة الجزار أن توفير المعلومات شرط أساسي لقيام المعارضة بدورها، مشيرة إلى أن الحوار الوطني شهد مطالبات بفتح المجال العام وإتاحة المعلومات، لكن هذه المطالبات لم تتحول إلى تشريع نافذ.
من جانبه، قال رئيس لجنة الصحافة والاتصال بحزب الوعي حازم الملاح، إن حرية تداول المعلومات ليست حقًا للصحفيين وحدهم، إنما حق لجميع المواطنين، استنادًا إلى النص الدستوري.
وأشار إلى أن القيود لا تتعلق بالحصول على المعلومات فحسب، وإنما تمتد إلى التصوير، معتبرًا أن بعض القواعد القانونية قد تجعل المواطن عرضة للمساءلة لمجرد تصوير ما يجري في المجال العام.
وقال إن هناك تحركًا لإعداد قانون لحرية تداول المعلومات وطرحه خلال دور الانعقاد التشريعي الحالي، مشيرًا إلى أن حزب الوعي يعمل حاليًا على إعداد مشروع قانون في هذا الشأن.
وبينما ينص الدستور الصادر في 2014 على حق المواطنين في الحصول على المعلومات والبيانات والوثائق الرسمية، لم يصدر حتى الآن قانون عام ينظم ممارسة هذا الحق بصورة تفصيلية، لكن الفترة الأخيرة شهدت بعض الحراك في هذا الأمر.
خلال أغسطس/آب الماضي، أعلن نقيب الصحفيين خالد البلشي تقديم مشروع قانون تنظيم الحق في تداول المعلومات إلى مجلس النواب، بعد تبنيه من عضوة مجلس النواب عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي مها عبد الناصر، وجمعها توقيعات 60 نائبًا.
وخلال العام الجاري، قال وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان في أبريل/نيسان، إن لدى الحكومة نية لإصدار قانون لحرية تداول المعلومات، وإن الملف كان حاضرًا في جلسات الحوار الوطني، قبل أن يعاود التأكيد على الأمر نفسه في سبتمبر بقوله خلال لقاء مع رؤساء تحرير المواقع الإخبارية إن هناك اهتمامًا حكوميًا بـالإسراع في إعداد القانون.
الرابط

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.