السبت، 6 يونيو 2026

لا معارضة حقيقية بلا نظام حكم واضح المعالم.. ومصر لا تمتلك الاثنين

 

رابط الحوار على موقع زاوية ثالثة

 نص الحوار كاملا حرفيا مع السياسي والمحامي البارز زياد العليمي الذى استغرق بالفيديو ساعة وتسع دقائق مع موقع “زاوية ثالثة” يوم الاثنين الماضي اول يونيو 2026: 


لا معارضة حقيقية بلا نظام حكم واضح المعالم.. ومصر لا تمتلك الاثنين


رابط الحوار فيديو على اليوتيوب

https://www.youtube.com/watch?v=xtNtSf90Jsk&t=13s


بعد سنوات من الغياب عن الظهور الإعلامي، أجرى موقع “زاوية ثالثة” يوم الاثنين الماضي اول يونيو 2026 حوار مطول بالفيديو استغرق ساعة وتسع دقائق مع السياسي والمحامي البارز زياد العليمي قدم خلاله قراءة صريحة وكاشفة لمسار الدولة والمعارضة في مصر منذ ثورة يناير وحتى اليوم، وتحدث  عن تجربته الشخصية منذ قضية “الأمل” وما تبعها من سنوات السجن والعزلة، إلى المجال العام في مصر، في محاولة لفهم ما يعتبره “أزمة بنيوية” تعيشها الدولة المصرية، سياسيًا واقتصاديًا ومجتمعيًا.

وطرح “العليمي” مراجعات نقدية لتجربة “يناير”، معتبرًا أن الثورة نجحت في إحداث التغيير لكنها فشلت في “إدارة عملية التغيير”، معتبرًا أن المأزق المستمر منذ عقود يتمثل في غياب تصور جامع لانتقال سياسي سلمي يضمن الاستقرار ويمنع تكرار دوائر الصراع والإقصاء.

ومن هذا المنطلق، يقدّم تصوره للعدالة الانتقالية باعتبارها المسار الوحيد القادر على بناء عقد اجتماعي جديد، يقوم على المكاشفة والمحاسبة وإعادة بناء مؤسسات الدولة.

كذلك يتناول الحوار رؤيته لأزمة المعارضة المصرية، التي يعتبر أنها تتحرك داخل “مجال سياسي مغلق”، في ظل غياب مشروع سياسي معلن من السلطة، وانعدام المنافسة الحقيقية.

ويؤكد أن المعارضة مطالبة بالتوقف عن الاكتفاء برد الفعل، والانتقال إلى طرح بدائل واضحة للمستقبل، محذرًا من أن استمرار إغلاق المجال العام يهدد بتحويل الفراغ السياسي إلى بيئة خصبة للتطرف والانفجار الاجتماعي.

وعلى المستوى الاقتصادي، يقدّم العليمي قراءة حادة لمسار الديون والاقتصاد المصري خلال السنوات الأخيرة، منتقدًا ما يعتبره غيابًا لرؤية اقتصادية واضحة، واعتمادًا متزايدًا على الحلول المالية والاقتراض، بدلًا من بناء اقتصاد إنتاجي قائم على المعرفة والمؤسسات المستقلة.

وإلى نص الحوار…


 كنت من أبرز رموز ثورة يناير، ثم ظهر اسمك في “قضية الأمل”، وبعدها حدثت حالة من الاختفاء، ما سبب غيابك عن المشهد السياسي الحالي؟

الحقيقة أن الظهور الإعلامي لأي سياسي هو وسيلة وليس غاية، فإذا تحول إلى غاية، يفقد ضرورته، لذلك فإنني لست مهتمًا بالظهور إلا إذا كان عندي ما أضيفه، أما بالنسبة للواقع السياسي، ففي رأيي لا يوجد مجال سياسي حقيقي في مصر حاليًا، فنحن في بلد يُحبس فيه الناس بسبب آرائهم، ونرى جميعًا كيف تُدار الانتخابات والبرلمان، بما في ذلك الانتخابات الرئاسية.

لذلك، لا أستطيع أن أكون جزءًا من هذا الشكل، سواء في العمل السياسي أو البرلماني، ومن هنا بدأت أبحث عن بدائل من خلال “طرح الأفكار” بالوسائل المناسبة في الوقت الحالي.  

وفيما يتعلق بالأحداث الجارية، فأنا أعبر عن آرائي بشكل واضح عبر صفحتي الشخصية، وتقييمي للوضع السياسي الحالي وطبيعة إدارة السياسة القائمة الآن، فأنا بصراحة لا أرى لا إدارة ولا سياسة.

وما طبيعة البدائل التي تعمل عليها حاليًا؟

أعمل منذ عام ونصف تقريبًا على برنامج حول “تاريخ الحركة الوطنية في مصر”، يبدأ من نهاية عهد المماليك في منتصف القرن الثامن عشر وحتى عام 2011، وقد اكتشفت، من خلال مراجعة هذه الـ300 سنة من التاريخ، أننا نكرر الأخطاء نفسها في كل محاولة لبناء دولة حديثة أو إحداث تغيير، وأعتقد أن هذا هو الوقت المناسب لكي يستمع الناس إلى هذا التاريخ، حتى نفهم كيف وصلنا إلى هنا، وكيف يمكن الاستفادة من هذه التجارب في المستقبل.

ما أبرز الأخطاء التي لاحظت تكرارها في محاولات التغيير على مدار التاريخ؟

رأيي أنه خلال الـ 300 سنة الماضية، نحن نمارس أخطاء مرتبطة برؤيتنا لعملية التغيير؛ فغالبًا ما نشعر أن التغيير قد تم بمجرد حدوث توافق عليه، بينما يفترض أن يتبع ذلك تصور واضح لكيفية إدارة هذه العملية.

على سبيل المثال، نجحت ثورة يناير في إحداث تغيير حقيقي، مثل محاكمة الرؤساء وتغيير نظام استمر لعقود فأنا شخصيا وُلدت وأنهيت دراستي وتزوجت وأنجبت في نفس العهد، فبالفعل يناير أحدثت تغيير  لكنها فشلت في “إدارة عملية التغيير”، لكن الأزمة الدائمة، في رأيي، تتمثل في كيفية تحقيق انتقال سياسي سلمي، وإدارة عملية التغيير من دون أن يؤدي ذلك إلى اهتزاز الاستقرار بالعكس سيكون في صالح الاستقرار، نحن نريد الاستقرار، لكننا نرى أنه يأتي من خلال عقد اجتماعي يشعر فيه الناس بأن حقوقهم مصونة، ووجود دولة قانون تضمن للجميع الحصول على حقوقه كاملة.

التحدي الدائم في التاريخ المصري، خلال الـ300 سنة الماضية، لم يكن في القدرة على التغيير؛ فالمصريون نجحوا في ذلك مرات عديدة، وبعضها كان أقوى كثيرًا مما حدث في يناير،  لكن الأزمة كانت دائمًا في “إدارة عملية التغيير”، بمعنى “كيف يمكن جمع كل الأطراف، بما فيهم الخصوم ومن كانوا في السلطة وثار عليهم الناس” لأنهم لابد أن يكونوا جزء من المستقبل، وبالتالي كيف يمكن جمع هؤلاء  حول مشروع وطني شامل وجامع لبناء دولة حديثة. وبعد ذلك يمكننا أن نختلف سياسيًا داخل هذا الإطار.

ما الأدوات التي يجب امتلاكها للوصول إلى هذا التحول الديمقراطي؟

الحقيقة أنني انتبهت إلى هذه الفكرة بعد ثورة يناير، في البداية لم يكن أحد منا يتخيل أن مبارك سيرحل، وفي تقديري، نظام مبارك لم يسقط بسبب الثورة وحدها، ولا بسبب مؤامرة أو أي تفسير آخر، بل لأنه كان قد أصبح “مفككًا ومنهكًا” من الداخل إلى درجة أن مجموعة من الشباب استطاعت، بعد 18 يومًا في الميدان، أن تُسقطه.

وهذا لا يعني أننا ندعو إلى الاستبداد، لكن المقصود أن النظام نفسه كان قد وصل إلى حالة من التفكك الشديد، حتى إنه لم يعد قادرًا على الحفاظ على تماسكه كسلطة مستبدة، تضارب المصالح داخله كان كفيلاً بإسقاطه عاجلاً أم آجلاً.

في تلك اللحظة، وكنت مثل كثير من المصريين سواء داخل الحكومة أو المعارضة، لم أكن منتبهًا إلى أن هناك تجارب وأدوات ابتدعها العالم لإدارة الانتقال الديمقراطي بشكل منظم، لذلك، خلال الفترة من 2012 إلى 2015، أنفقت كل ما كسبته تقريبًا من عملي على السفر والاطلاع على تجارب دول مختلفة، ولقاء أشخاص شاركوا في عمليات انتقال ديمقراطي، لأفهم كيف جرى ذلك عمليًا. قرأت كثيرًا، واطلعت على وثائق وتجارب متعددة، واكتشفت أن الوسيلة الحديثة لتحقيق انتقال ديمقراطي وبناء مشروع جامع لمواطني دولة كاملة هي “العدالة الانتقالية”.

درست هذا الملف بشكل موسع، وقابلت أشخاصًا شاركوا في برامج عدالة انتقالية في دول مختلفة، و”العدالة الانتقالية” طُبقت 33 مرة في 29 دولة، وجميع هذه الدول انتقلت من وضع إلى وضع آخر عبر هذا المسار، البرازيل مثلًا شهدت التجربة، وكذلك ألمانيا وغيرها، وهي في رأيي، الطريقة التي يمكن من خلالها نقل النظام من الشكل القائم حاليًا إلى الشكل الذي نتطلع إليه.

هذا الانتقال يتم عبر أدوات وآليات مختلفة، وكل دولة تبتكر نموذجها الخاص وفقًا لظروفها، بهدف بناء عقد اجتماعي جديد بين الدولة والمجتمع، وبعد هذه السنوات، وتحديدًا في عام 2015، كتبت سلسلة مقالات حول كيفية تطبيق “العدالة الانتقالية” في مصر، ونُشرت وقتها في موقع “مصر العربية”، ثم أُعيد نشرها لاحقًا في مواقع أخرى، وما زلت أرى أن هذا هو الطريق الوحيد الذي يمكن أن ينقلنا من الحالة الحالية إلى دولة حديثة.

والمفارقة أن الدستور المصري نفسه نصّ على ضرورة إصدار قانون للعدالة الانتقالية في أول دور انعقاد للبرلمان عام 2015، وبعد مرور 11 عامًا لم يصدر هذا القانون، وهو ما يجعلني أعتقد أن النص عليه كان بهدف طمأنة الناس في المرحلة الانتقالية أكثر من كونه توجهًا حقيقيًا للتطبيق.

 ماذا تقصد بـ “العدالة الانتقالية”؟

“العدالة الانتقالية” هي ببساطة آلية تستخدمها الدول الخارجة من فترات الصراع أو الاستبداد أو الانقسام، بهدف كشف الحقيقة، وتحقيق المحاسبة، وجبر الضرر، والوصول إلى مصالحة مجتمعية تسمح ببناء دولة جديدة على أسس عادلة ومستقرة، وأنا تحدثت عنها في مقالاتي، لكن لم تأخذ زخمًا إعلاميًا وقتها، كذلك المناخ السياسي وقتها لم يكن مهيئًا لفتح نقاش حقيقي حول هذا المسار أو تبنيه بشكل جاد.  

والعدالة الانتقالية، هي مشروع يقوم على عدة مراحل أساسية:

المرحلة الأولى: (المكاشفة) وهي مرحلة كشف الحقيقة، بمعنى معرفة ما الذي حدث فعليًا من انتهاكات أو جرائم أو فساد في فترات مختلفة مثل عهد مبارك أو غيره، يتم ذلك عبر هيئة تتلقى شكاوى المتضررين من انتهاكات حقوق الإنسان أو الفساد أو العنف، مع فتح المجال لتوثيق كل الوقائع، ويمكن أن تُشكَّل لجان من المتضررين أنفسهم للمساعدة في جمع الأدلة وفهم طبيعة ما حدث وكيف حدث.

المرحلة الثانية: (المحاسبة)  بعد تجميع الأدلة، تأتي مرحلة المحاسبة، وتختلف أشكالها من دولة لأخرى؛ ففي بعض التجارب مثل جنوب أفريقيا، تم الاكتفاء بالاعتراف العلني بالجرائم عبر وسائل الإعلام كنوع من المحاسبة التي تحقق الردع العام والخاص، ويصبح الفاعل معروفًا ويُنبذ اجتماعيًا.

وفي حالات أخرى يتم اللجوء للمحاكمات، وهناك جرائم يمكن التعامل معها بشكل إداري أو إصلاحي، مثل الرشاوى البسيطة أو الفساد الصغير، إذ يكفي توثيقها لمعرفة الخلل داخل النظام وإصلاحه،  أما الجرائم المالية الكبرى فيمكن فيها رد الأموال المنهوبة مع فرض غرامات وتعويضات حسب الضرر الواقع على الأفراد أو الدولة، بينما الجرائم الجسيمة مثل التعذيب أو القتل فتخضع للمحاسبة القضائية، مع إمكانية فتح باب الصلح إذا اتفق الطرفان، كما هو معمول به في بعض النظم القضائية.

المرحلة الثالثة: (بناء العقد الاجتماعي الجديد) وهي المرحلة الأهم، وفيها يتم استخدام ما تم استخلاصه من المكاشفة والمحاسبة لصياغة عقد اجتماعي جديد، يتم ذلك من خلال لجان تضم متضررين من قطاعات مختلفة (الصحة، التعليم، وغيرهما) إلى جانب خبراء قانونيين، بهدف تحديد الثغرات التي أدت لوقوع الانتهاكات، ثم وضع دستور وقوانين ومؤسسات جديدة تضمن عدم تكرارها.

الفكرة الأساسية هنا ليست فقط معاقبة من أخطأ، بل منع تكرار الخطأ من الأساس، وبناء دولة حديثة تقوم على الحقوق والقانون، بما  يتيح الانتقال إلى دولة أكثر استقرارًا وعدالة.

 ما هي فلسفة العدالة الانتقالية التي يجب أن تطبق في مصر في تصورك؟

في بعض التجارب نجد أن من ارتكبوا جرائم قاموا بالاعتراف بها، وكانت هناك فلسفة تقوم على أن هذا الاعتراف يحقق جزءًا من الهدف القانوني للعقوبة، وهو الردع العام والردع الخاص، فالمجتمع يتعرف على من ارتكبوا الجرائم، وغالبًا ما يصاحبه نوع من النبذ الاجتماعي، حتى دون الدخول في مسار محاكمات تقليدية في بعض الحالات.

وفي دول أخرى، يتم اللجوء إلى المحاكمات بشكل كامل، لكن في التصور الذي أطرحه، هناك تفريق بين أنواع الجرائم، فهناك جرائم مرتبطة بالنظام العام اليومي، مثل دفع الرشوة  لموظف صغير، أو ممارسات فساد بسيطة أو متكررة، هذه في رأيي يمكن التعامل معها عبر إثباتها في محاضر رسمية، بهدف كشف الخلل البنيوي في النظام، وليس بالضرورة التركيز على العقاب فقط، بل لفهم أين يكمن الخلل وكيف يمكن إعادة هيكلته أو إصلاحه.

أما في ما يتعلق بالجرائم المالية الكبرى، اقترحت أن يتم فيها رد الأموال المنهوبة، سواء كانت موجهة ضد أفراد أو مؤسسات، مع فرض غرامات تحددها المحكمة وفقًا لحجم الجريمة وما ترتب عليها من أضرار وخسائر، سواء للأفراد أو للمجتمع أو الدولة.

في المقابل، هناك نوع آخر من الجرائم لا يمكن التعامل معه بهذه المرونة، مثل جرائم القتل والتعذيب والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، هذه تظل في نطاق المحاكمات المباشرة، مع فتح المجال أيضًا أمام التسويات أو التصالح في بعض الحالات، إذا تم ذلك باتفاق بين الضحايا أو أهاليهم وبين من ارتكبوا هذه الجرائم، كما يحدث في بعض الأنظمة القضائية القائمة بالفعل، بحيث تأخذ المحكمة بهذا الاتفاق إذا تم التوصل إليه بشكل حر.

المرحلة الثالثة في تصور العدالة الانتقالية هي الأهم على المستوى البنيوي، وهي مرحلة “بناء العقد الاجتماعي الجديد”، وغالبًا ما يُساء فهم “العدالة الانتقالية” على أنها تقتصر على المصالحة فقط، بينما هي في الأساس تقوم على ثلاث مراحل: المكاشفة، ثم المحاسبة، ثم إعادة البناء.

في هذه المرحلة الثالثة، يتم تشكيل لجان تمثل فئات مختلفة من المتضررين؛ مثل المتضررين من قطاع الصحة، أو التعليم، أو المؤسسات المختلفة، يجلس هؤلاء مع خبراء قانونيين لفهم كيف حدثت الانتهاكات، وأين كانت الثغرات التي سمحت بحدوثها، الهدف هو أن تُترجم هذه النقاشات إلى إصلاحات حقيقية في شكل الدستور، والقوانين، وطريقة إدارة المؤسسات، بحيث يتم بناء دولة جديدة تمنع تكرار نفس الانتهاكات مستقبلاً.

وبالنسبة لي، فالفكرة ليست فقط في معاقبة من أخطأ، بل في ضمان ألا تتكرر هذه الأخطاء مرة أخرى، فالشخص الذي تعرض للاعتقال لأسباب سياسية، على سبيل المثال، في حالتي وأنا سُجنت لأسباب سياسية قد لا يكون هدفي الأساسي هو حبس من حبسني بقدر ما أن يكون لدي ضمانة  ألا يتكرر هذا النمط مع آخرين في المستقبل، وفي النهاية، يختلف الناس في رؤيتهم؛ فهناك من يرى أن استرداد الحق عبر العقاب ضروري، وهناك من يركز أكثر على ضمان عدم تكرار الانتهاك.

لذلك، فإن الهدف النهائي هو الوصول إلى صيغة توازن بين هذه الرؤى، بحيث يتم بناء دولة جديدة، بمؤسسات مختلفة، ودستور وقوانين جديدة، تضمن عدم تكرار الجرائم والانتهاكات التي حدثت في الماضي.

 هل ترى أن البيئة السياسية في مصر تسمح بتطبيق العدالة الانتقالية؟ وما الذي يدفع مؤسسات الدولة إلى تبني هذه الفكرة؟

 في تقديري، نحن ذاهبون إلى العدالة الانتقالية عاجلاً أم آجلاً، حتى مع وجود نصوص في الدستور، هناك محاولات لتجاوز هذا المسار والاعتماد على الحل الأمني وحده، لكن هذا لم يحقق سلمًا مجتمعيًا، العالم منذ السبعينيات تطور في فهمه، وأصبح الهدف هو السلم المجتمعي وليس مجرد ملاحقة المجرمين. نحن اليوم، وبعد أكثر من 15 سنة على 2011، لا نرى حلولاً حقيقية بل تزايدًا في الأزمات، ما يشير إلى وجود مشكلة هيكلية في بنية السلطة وأدوات إدارة الدولة والحياة العامة، وهذه المشكلة لا يمكن تجاهلها.

“العدالة الانتقالية” لن تُطبق إلا عندما تدرك كل الأطراف أنها الطريق الوحيد للخروج من الأزمة، أنا أرى أن “المستقبل يمر عبر تحالف المهزومين”.

طالما أن هناك طرفًا يعتقد أنه قادر وحده على الحكم أو إسقاط الآخرين، فلن نصل إلى حل،  اللحظة التي نعترف فيها جميعًا بأننا في وضع مأزوم، خاصة على المستوى الاقتصادي والسياسي، هي اللحظة التي سنجلس فيها على طاولة واحدة لوضع قواعد عامة جديدة، بعد ذلك يمكن أن نبني نظامًا نتنافس داخله على أساس هذه القواعد، وليس خارجها.

مصر أكبر من أي طرف منفرد؛ كانت أكبر من نظام مبارك، وهي أكبر من الإسلاميين، وأكبر من أي طرف يحكم الآن، لذلك لا بديل عن التوافق، سواء عبر رئيس منتخب أو عبر فترة انتقالية، للخروج من الدائرة الحالية.

علماء الاجتماع توصلوا إلى أن الأمن وحده لا يحقق السلم المجتمعي، لأن السياسات العامة نفسها هي التي تنتج جزءًا من الجرائم، على سبيل المثال، الفقر يؤدي إلى أنواع معينة من الجرائم، والمجتمعات المغلقة عندما تنفتح قد تظهر فيها أنماط جديدة مثل زيادة جرائم التحرش.

لذلك لا بد من التعامل مع الجذور وليس فقط النتائج، هنا يأتي دور مراكز الأبحاث، مثل مركز البحوث الجنائية، في إنتاج دراسات وتوصيات تساعد في تعديل السياسات والقوانين التي تنتج هذه المشكلات، وهذا جزء أساسي من أي تصور للعدالة الانتقالية.

بخصوص فترة اعتقالك، ماذا حدث في كواليس قضية “الأمل”؟

 قضية “الأمل” جاءت في الأصل لأننا كنا نحاول تأسيس تحالف انتخابي يضم كل أحزاب المعارضة، وكان تعريفنا للمعارضة حينها يستند إلى معيارين: أولاً، من كان ضد التعديلات الدستورية في 2018 التي عدلت مواد مدد الرئاسة، وثانيًا من كان ضد التنازل عن تيران وصنافير.

واجهنا مشاكل في البداية لأن المجموعات المختلفة (شباب يناير، الأحزاب، والنواب المستقلون) لم تكن معتادة على الجلوس معًا وكان بينهم خلافات كبيرة، فبذلنا جهدًا لمقابلة الجميع، ومنهم الأستاذ حمدين صباحي، والأستاذ فريد زهران، ودعوت أحمد طنطاوي وهيثم الحريري. اجتمعنا واقتنعوا بالفكرة، وتحدثوا مع كتلة “نواب 25-30″، وبدأتُ أتواصل مع الشباب المحسوبين في فترة ثورة يناير الذين ابتعدوا عن المشهد.

رأيت أن هذا التصرف مناسب بعد حملة التصويت بـ”لا” على التعديلات الدستورية؛ إذ رفضها مليون و800 ألف شخص وأبطل 600 ألف أصواتهم. قلت حينها لزملائي (حسام مؤنس وأحمد كامل البحيري) إن المواطنين الذي صوتوا بلا أو أبطلوا أصواتهم هم جمهورنا ويجب أن يجدوا من يمثلهم في البرلمان.

بدأنا العمل قبل الانتخابات بعام ونصف، وقابلت عددًا كبيرًا من الباحثين في ملفات التعليم والصحة والصناعة والطاقة، بهدف وضع “برنامج لإنقاذ مصر” تتفق عليه كل قوى المعارضة، وبمجرد أن بدأنا التحرك، ظهرت المشاكل،  أذكر أن أحمد طنطاوي أخبرنا في اجتماع أنه جاء من لقاء مع مسؤول كبير في الدولة يحذر من هذا التحالف، كذلك تلقى آخرون مكالمات مشابهة.

ورغم ذلك، قررنا الاستمرار والمنافسة على كل مقاعد البرلمان، وقبل حبسي بفترة، كنت في قضية تحكيم خارج مصر، وحذرني أصدقاء من العودة لأنني سأُعتقل، لكنني قررت العودة وقلت لهم: “لا يوجد قائد يهرب عندما يُهزم جيشه”. رتبت أمور مكتب المحاماة، وقلت لحسام مؤنس قبل القبض علينا بيومين: “جهز نفسك، غالبًا سنُحبس الأسبوع القادم”.

دخلنا السجن لأننا قلنا إننا سنخوض الانتخابات، والحقيقة أن التحالف لم يكمل بعد ذلك، ولم يصدر حتى بيان عمن حُبسوا، وتفرق الأعضاء بين من شارك في “القائمة الموحدة” ومن قاطع. التجربة فشلت بهذا الشكل، لكنني تعلمت منها الكثير، والناس تعلموا أن أي محاولة جادة للمشاركة ستؤدي إلى هذا الثمن، وأنا لست نادمًا لأن الثمن يستحق أن يفهم الناس هذه الحقيقة.

قضيت ثلاث سنوات ونصف في السجن، كنت معزولًا تقريبًا ولا أرى سوى عدد قليل، وبشكل رئيسي حسام مؤنس وهشام فؤاد. هذه الفترة أعطتني فرصة للتفكير في كل ما فعلته سياسيًا وشخصيًا، وراجعت رؤيتي في أشياء كثيرة، حتى ابني تعلم أن هناك اختيارات ندفع ثمنها، وأصبح لديه وعي بما يمكن التنازل عنه وما لا يمكن، خرجت بخبرة جديدة وأفكار جديدة وجاهز لمواجهة الدنيا مرة أخرى.

هل يمكن أن يجرب زياد العليمي الانتخابات القادمة، برلمانيًا أو رئاسيًا؟

أي معارضة هدفها الرئيسي هو الوصول للسلطة، وأي كلام آخر ليس له علاقة بالسياسة، الفرق بين المعارضة أيام مبارك (وحتى منذ عهد عبد الناصر) والمعارضة بعد يناير هو أنها قديمًا كانت تكتفي بالاحتجاج دون أن تضع تصورًا كبديل أو كصانع سياسات.

هذا الدرس تعلمناه؛ أصبح لدينا الآن بدائل ورؤية لكيفية إدارة انتقال لصالح عموم المصريين، السعي للسلطة هو الوسيلة لضمان تنفيذ سياسات تحافظ على مصالح الناس وتمنحهم الأمن والحرية معًا، دون مفاضلة بينهما، وتحقق وضعًا اقتصاديًا يستحقونه.

أما عن الترشح لرئاسة الجمهورية في 2030 أو 2034، فنحن أولًا لا نعرف ماذا سيحدث في الدستور، لكن في النهاية، من حق كل مواطن مصري أن يترشح، سواء للمحليات “التي هي غائبة منذ 2011” أو للبرلمان أو لرئاسة الجمهورية.

والمعركة الأساسية التي أرى أنها تستحق أن نخوضها هي الدفاع عن حق كل مواطن في الترشح، وفي التعبير عن رأيه السياسي، وفي تقديم البدائل التي يراها قادرة على تحسين أوضاع البلد، هذا ليس مجرد حق فردي، بل هو حق المجتمع كله وحق الدولة نفسها.

في النهاية، الناس من حقها أن تجد من يطرح رؤى مختلفة وسياسات بديلة، ومن حقها أيضاً أن تختار بينها بحرية.

 ما أبرز المراجعات التي تراها ضرورية فيما يتعلق بثورة يناير، وما أكثر الأمور التي تعتقد أنه لو جرى التعامل معها بشكل مختلف لكان من الممكن أن يفيد التنظيم السياسي داخل مصر؟

 يمكن تقسيم الإجابة إلى شقين: ما يتعلق بالماضي، وما يتعلق بالحاضر.

أما فيما يخص فكرة “لو كان حدث كذا”، أو “لو اخترنا مسارًا مختلفًا”، فأنا بطبيعتي لا أنشغل كثيرًا بهذا النوع من التفكير، أنا رجل سياسة، والسياسة بالنسبة لي تتعلق بالمستقبل أكثر مما تتعلق بإعادة اجترار الماضي.

حتى عندما تناولت ثورة يناير بالنقد، تناولتها بصفتي أحد المشاركين في قيادتها، وبعد أن أصبحت أرى أن هناك أخطاء استراتيجية ينبغي مناقشتها بوضوح، المقالات التي كتبتها انطلقت من هذه الفكرة تحديدًا؛ لم يكن هدفي أن أقول: “في هذا الموقف كان يجب أن نفعل كذا بدلًا من كذا”، أو أن أقدم نفسي باعتباري الشخص الذي كان يمتلك الإجابة الصحيحة ولم يستمع إليه أحد، هذا ليس دور القائد السياسي.

دور القائد، في تقديري، هو أن يشير إلى الأخطاء الاستراتيجية التي وقعت حتى لا تتكرر مستقبلًا، ولذلك، عندما ناقشت يناير، كنت مهتمًا بمناقشة أخطائها البنيوية والاستراتيجية، لا بتوزيع المسؤوليات أو تصفية الحسابات مع الماضي.

“يناير” لم تكن مشروعًا شخصيًا، والانتقال السياسي في مصر ليس مشروعًا شخصيًا أيضًا، وبالتالي الأهم هو التفكير في كيفية تجنب الأخطاء نفسها مستقبلًا.

أما إذا تحدثنا عن المعارضة اليوم، فأنا أعتقد بصراحة أن وجود معارضة حقيقية يفترض أولًا وجود نظام حكم واضح المعالم، وظيفة المعارضة في أي مكان هي أن تواجه سياسات مطروحة من السلطة، وأن تقول إن هذه السياسات خاطئة، وتقدم بديلًا عنها، لكن السؤال هنا: ما هي السياسات المطروحة أصلًا؟

نحن نعرف ما فعله النظام بالأمس، ونعرف ما جرى هذا الصباح، لكننا لا نعرف ما الذي يريد فعله في المستقبل. لا يوجد مشروع سياسي معلن، ولا مشروع اقتصادي واضح يمكن مناقشته أو الاختلاف حوله، ولذلك تجد المعارضة نفسها دائمًا في موقع رد الفعل تجاه أحداث وقعت بالفعل.

نحن نفاجأ باستمرار بقرارات سياسية واقتصادية وتحالفات دولية، لكن هل هناك توجه معلن؟ هل توجد رؤية واضحة مطروحة للنقاش العام؟ وإذا لم يكن ذلك موجودًا، فماذا تعارض المعارضة تحديدًا؟

ومن هنا جاء أحد أهم الدروس التي تعلمتها: طالما أن نظام الحكم لا يطرح مشروعًا سياسيًا أو اقتصاديًا واضحًا، فإن دوري كمعارضة هو أن أطرح البديل الذي أراه مناسبًا، وأن يوضح النظام بدوره ما الذي يريد أن يفعله.

الأزمة الأساسية التي تعيشها المعارضة اليوم هي غياب المجال السياسي الطبيعي وغياب نظام الحكم، وهناك أزمة أخرى تتعلق بالأجيال؛ فهناك جيل قديم موجود بحكم الزمن والتاريخ، وجيل جديد يحاول الصعود، لكن لا الجيل القديم مستعد لترك المساحة، ولا الجيل الجديد قادر على توليها، لأن المجال العام نفسه مغلق.

الحقيقة أن جمهور المعارضة نفسه أصبح إما خائفًا أو محبوسًا، نحن نتحدث عن أشخاص قد يُحبسون بسبب منشور على “فيسبوك”، وبالتالي فإن إغلاق المجال السياسي بهذا الشكل لا يمكن أن يقود أي بلد إلى وضع صحي أو مستقر، وفي تقديري، سواء بالنسبة للحكومة أو المعارضة، هناك سؤال أساسي ينبغي طرحه: ما شكل الدولة التي نريدها؟

العالم جرّب نماذج مختلفة لإدارة الحكم، إذا كنا نتحدث عن نظام ديمقراطي مع مؤسسات دولة كفؤة، فقد تصبح الدولة شبيهة بالسويد، وإذا كان النظام سلطويًا لكن مؤسسات الدولة فعالة، فقد تصبح أقرب إلى النموذج الصيني، أما إذا وُجدت ديمقراطية مع مؤسسات ضعيفة، فسنكون أمام دولة هشة، والخطر الأكبر أن يكون لدينا نظام سلطوي ومؤسسات عاجزة عن أداء وظائفها، وهو المصير الذي يجب أن تتجنبه مصر.

المسألة الجوهرية هنا هي كفاءة مؤسسات الدولة، بمعنى أن تقوم وزارة الصحة بدورها في تقديم الرعاية الصحية، لا أن تتحول إلى طرف في مصالح اقتصادية، وأن تتولى وزارة الداخلية مسؤولية الأمن، لا إدارة الحياة السياسية أو الانتخابات، وأن تركز وزارة الدفاع على حماية البلاد، لا على إدارة النشاط الاقتصادي.

البداية الحقيقية لأي إصلاح هي أن تعود كل مؤسسة إلى أداء دورها الطبيعي المحدد دستوريًا، وفي رأيي، يمكن أن يكون هذا محل اتفاق بين أطراف مختلفة للغاية؛ بين الإسلاميين، والقوى المدنية، واليساريين، والليبراليين، وحتى داخل مؤسسات الدولة نفسها، لأن أي دولة تحتاج في النهاية إلى مؤسسات فعالة وقادرة على أداء وظائفها.

هل ترى أن المعارضة  تمارس دورها المفترض؟ أم تحتاج إلى إعادة رسم خريطتها وتقديم نفسها للشارع المصري؟ خصوصًا مع حجم الانتقادات التي توجه للأحزاب المعارضة داخل الحركة المدنية أو خارجه؟

أعود مرة أخرى إلى فكرة المعارضة نفسها؛ لأن وجود معارضة يفترض بالأساس وجود نظام سياسي، نحن لا نمتلك نظامًا سياسيًا بالمعنى الحقيقي، وبالتالي لا توجد معارضة حقيقية بالمعنى الكامل، ما أراه هو حالة من الفراغ السياسي، وفي السياسة لا يوجد ما يسمى بالفراغ؛ لأن هذا الفراغ يُملأ دائمًا بالتطرف أو الإرهاب، وفي النهاية، أي نظام في العالم لا بد أن توجد داخله قوى تعارضه، وعندما يُزَجّ بكل من يعارض في السجون، فإن من سيعارض لاحقًا سيكون خارج النظام بالكامل.

لذلك، فإن إنقاذ البلد يبدأ من قدرة الناس على التعبير عن آرائهم من دون خوف، وأن تتمكن من تنظيم نفسها والمشاركة في الانتخابات، سواء كانت برلمانية أو محلية أو رئاسية. هذه قواعد أساسية، ومن دونها لا يمكن الحديث عن حياة سياسية أو مجال سياسي حقيقي، فجوهر السياسة هو المنافسة، وإذا غابت المنافسة غابت السياسة.

هل يُعدّ ذلك خطأ المعارضة؟ في الحقيقة، ظلت المعارضة لسنوات طويلة في موقع “المفعول به” أكثر من كونها “فاعلًا”. وقد ظهرت في بعض اللحظات قوى معارضة أكثر تمردًا وتمتلك رؤية، لكنها لم تنجح في الاستمرار.

 لذلك أرى أن المطلوب من المعارضة حاليًا ألا تظل أسيرة معارضة الماضي أو مجرد رد فعل على ما حدث؛ لأننا طوال الوقت ننشغل بمعارضة أشياء وقعت بالفعل. المطلوب هو أن تبدأ المعارضة في طرح تصور للمستقبل: كيف نريد أن تكون هذه البلاد؟ وما المشروع الذي نقدمه؟ وبعد ذلك يصبح على السلطة أن ترد.

لاحظت أنك تحدثت عن الإسلاميين واليسار والليبراليين والدولة، وهي تركيبة تبدو شديدة التعقيد. هل يعني ذلك أنك تتحدث عن مصالحة  سياسية ومجتمعية؟

الحقيقة أن هذه من أكثر الأفكار التي تغيرت لدي بعد يناير، بعد الثورة كنت أعتقد أن سقوط النظام يعني ببساطة أن نطبق ما نراه صحيحًا، وربما كان ذلك طبيعيًا، لأننا أبناء ” تجربة الاستبداد”؛ أنا شخصيًا وُلدت وتخرجت وتزوجت وأنجبت في عهد رئيس واحد، وبالتالي نحن لم نعش تجربة ديمقراطية حقيقية من قبل، لذلك كان تصورنا أن المجتمعات المشابهة لنا، بمجرد أن يحدث فيها تغيير سياسي، تتجه تلقائيًا إلى تنفيذ ما تراه القوى المنتصرة صحيحًا.

اليوم أعتقد أن هذا التصور كان خاطئًا. نحن مجتمعات “ما قبل ديمقراطية”، وما زلنا نتعلم معنى التعايش السياسي، ولذلك فإن الدور الأساسي للسياسيين في مجتمعات مثل مجتمعاتنا ليس أن ينتصر طرف على آخر، بل أن يقنعوا الناس بألا يسجن بعضهم بعضًا، وألا يقتل بعضهم بعضًا حين يختلفون.

ومن هنا بدأت أفكر بطريقة مختلفة؛ لم تعد المسألة بالنسبة لي “معي أو ضدي”، وإنما: إلى أي مدى نتفق؟ وما المساحة المشتركة الممكنة بيننا؟، أعتقد أن هناك مساحة مشتركة واسعة بين أطراف مختلفة جدًا داخل المجتمع المصري، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، حتى مع وجود كل هذه الصراعات. الجميع يريد في النهاية أن تصبح مصر دولة حديثة، والسؤال الحقيقي الآن: كيف نصل إلى ذلك؟، هناك شروط أساسية يجب أن نتفق عليها أولًا حتى لا يغرق الجميع، وبعد ذلك يمكن أن نختلف سياسيًا كما نشاء، لكن المهم ألا نغرق.

وهذا يرتبط أيضًا بالاقتصاد، بحكم عملي رأيت كيف يهرب الاستثمار من مصر، المستثمر يبحث عن دولة قانون، ومؤسسات مستقرة، وعقود واضحة، النظام الحالي اختار نموذجًا اقتصاديًا قائمًا على جذب استثمارات مرتبطة بتحالفات سياسية، وهذا في حد ذاته ليس بالضرورة خيارًا خاطئًا أو سيئًا فهو خيار من الخيارات المطروحة، لكنه اصطدم لاحقًا بأزمات عالمية الأولى جائحة كورونا، والثانية الحرب الروسية الأوكرانية، الدول التي كانت تضخ استثمارات أو دعمًا اقتصاديًا بدأت تنشغل بأزماتها الداخلية.

الحل الحقيقي الآن ليس في انتظار استثمارات ضخمة مرتبطة بعلاقات سياسية، وإنما في جذب استثمارات أجنبية صغيرة ومتوسطة، تتراوح مثلاً بين 50 و500 مليون دولار، هذا النوع من المستثمرين يحتاج إلى بيئة مستقرة وواضحة، المستثمر لا يلقي أمواله في بلد لا يعرف فيه: مع من سيتعامل؟ ومن سينافسه؟ وما حدود السلطة والنفوذ داخل السوق؟ أي مستثمر يريد ببساطة أن يعرف: إذا وضعت هذا المبلغ، ما الإجراءات؟ وما العائد؟ وما الضمانات؟ وحالة عدم اليقين الحالية تُعد أكبر طارد للاستثمار.

لذلك، لا بد من وجود قضاء مستقل يضمن للمستثمر حقه، ويضمن أيضاً ألا ينافسه طرف يمتلك سلطة أو نفوذاً يستخدمهما ضده. كما نحتاج إلى حوكمة حقيقية وإدارة رشيدة لمؤسسات الدولة، وإلى خروج مؤسسات الدولة من النشاط الاقتصادي حتى لا تتحول إلى منافس للمستثمرين.

الاستثمار القائم على الثقة في شخص داخل السلطة ليس استثمارًا مستقرًا لأن الأشخاص يرحلون، بينما ما يبقى هو المؤسسات والقواعد الواضحة، ولهذا فإن الضمان الحقيقي للاستثمار هو وجود مؤسسات دولة حديثة، وقضاء مستقل، وسياسات اقتصادية مستقرة تمنع التقلبات الحادة والمفاجئة.

ومن هنا أقول إن الديمقراطية لم تعد بالنسبة لنا مجرد مطلب سياسي، بل أصبحت ضرورة اقتصادية أيضًا لأن إصلاح الاقتصاد نفسه يحتاج إلى شفافية، ومحاسبة، ومؤسسات مستقلة، وقواعد عادلة يشعر الجميع بأنها تحميهم وتحفظ حقوقهم.

تحدثت عن “الديمقراطية الاقتصادية”، كيف تصف الوضع الاقتصادي في مصر اليوم؟ وما الذي أوصلنا إلى هذه المرحلة؟ وما المتوقع خلال السنوات المقبلة؟

حين نتحدث عن الاقتصاد في مصر، لا أستطيع أن أقدم نقدًا متكاملاً لرؤية اقتصادية لدى السلطة، لأنني ببساطة لا أرى أن هناك رؤية اقتصادية معلنة، ما يحدث هو قرارات وإجراءات تُتخذ، ثم نكتشف آثارها لاحقًا ونتحمل تكلفتها جميعًا، من دون نقاش مجتمعي حقيقي.

خلال الخمسة عشر عامًا الماضية، لم تُطرح حلول اقتصادية حقيقية بقدر ما طُرحت سياسات مالية فقط، عندما تواجه الدولة أزمة سيولة تطبع أموالًا، وعندما تواجه أزمة في سعر الجنيه تلجأ إلى إجراءات مالية ونقدية لمحاولة السيطرة على السوق أو سداد الديون، لكن هذه كلها حلول مالية وليست سياسة اقتصادية شاملة.

وعندما ننظر إلى ملف المشروعات والبناء والإسكان، نجد أن الدولة تتوسع في الإسكان الفاخر، بينما هذا ليس دورها الطبيعي، الإسكان الفاخر يفترض أن يقوم به القطاع الخاص لمن يمتلكون القدرة المالية، أما الدولة فوظيفتها الأساسية هي حل مشكلات المواطنين وتوفير الاحتياجات الأساسية لهم.

لدينا أيضًا أزمة ديون ضخمة، في عام 2014 كانت الديون الخارجية لمصر تبلغ نحو 46 مليار دولار، واليوم وصلت إلى نحو 165 مليار دولار. أي أننا استدنّا خلال نحو 12 عاماً ما يقارب 119 مليار دولار إضافية، من حق المصريين أن يعرفوا: لماذا استُدينت هذه الأموال؟ وما البدائل التي كانت مطروحة؟ وما العائد الذي تحقق منها؟ وهل شعر المواطن العادي بأي أثر لهذه المليارات؟

المشكلة أن هذه الديون لن يسددها النظام الحالي؛ فالأنظمة تتغير، لكن من سيدفع التكلفة هم المواطنون وأبناؤهم، وبالتالي، كيف لا يكون الناس طرفًا في اتخاذ هذه القرارات المصيرية؟

من هنا أرى أن هناك عدة أمور أساسية لا بد من العمل عليها: “أولاً، إعادة توجيه الاقتصاد نحو الإنتاج الحقيقي بدلاً من التركيز على العقارات والإسكان الفاخر. ثانيًا تحديد القطاعات والمنتجات التي يمكن لمصر أن تنافس فيها. ثالثًا بناء قاعدة علمية وتكنولوجية لتطوير هذه المنتجات. ورابعًا الاستثمار في العمالة المدربة والتعليم الفني، وأخيراً، بناء مؤسسات دولة كفؤة وقادرة على إدارة الاقتصاد بشكل رشيد.”

عندما ننجح في تحقيق هذه العناصر الأساسية، يصبح ملف التمويل والاستثمار أسهل بكثير. إذا امتلكت دولة بيئة واضحة ومستقرة، وبنية تعليمية قوية، وعمالة مدربة، ومؤسسات كفؤة، ثم أعلنت أنها تفتح المجال للاستثمار في قطاعات محددة، فالأموال ستأتي تلقائيًا.

نحن نتعامل دائمًا مع الزيادة السكانية باعتبارها عبئًا اقتصاديًا بينما الاقتصاد الحديث ينظر إليها باعتبارها “فرصة”. وجود عدد كبير من السكان يمكن أن يكون ميزة هائلة إذا جرى استثماره بشكل صحيح، لأن ذلك يعني سوقًا واسعة، وقوة عمل كبيرة، وفرصة للنمو السريع مقارنة بالدول ذات الكثافة السكانية المحدودة.

لكن المشكلة الأساسية أننا نفتقد للرؤية الاقتصادية الواضحة، المسار الاقتصادي الذي سلكناه خلال الاثني عشر عامًا الماضية أوصلنا إلى ديون ضخمة بلغت نحو 119 مليار دولار إضافية، بينما لا نعرف حتى الآن كيف ستسدد هذه الديون.

هذه الأزمة ليست جديدة في التاريخ المصري، على سبيل المثال الخديوي إسماعيل؛ الرجل كان يحلم فعلاً ببناء دولة حديثة، وكان يريد أن يجعل مصر جزءًا من أوروبا، وحتى اليوم، عندما ننظر إلى القاهرة الخديوية نشعر بالإعجاب بما أنجزه، لكن الأزمة أنه لم يفكر بشكل كاف في كيفية سداد القروض التي حصل عليها، وهنا وجدت القوى الاستعمارية الكبرى، مثل إنجلترا وفرنسا، فرصة للتدخل والسيطرة.

لذلك، عندما ننظر إلى هذه اللحظات التاريخية لا ننظر إليها بهدف جلد الذات، بل لنفهم: كيف نتجنب تكرار الأخطاء نفسها مستقبلاً؟ لا أحد يتمنى خراب البلد سوى أعدائها، كل المصريين، مهما كانت خلافاتهم، يريدون أن تتقدم الدولة، لكن الفارق أن هناك من يعتمد على العلم والدراسات، وهناك من يعتمد على الارتجال أو “الفهلوة” وفكرة أن أي مشروع بمجرد تنفيذه ستأتي النتائج تلقائياً، وهذا لا يحدث.

لماذا تفتقد مصر للرؤية؟ هل المشكلة في نقص الكفاءات؟ أم غياب الخبرة؟ أم عدم وجود دراسات جدوى حقيقية؟

لا أعتقد أن المشكلة هي غياب الرؤية بشكل كامل، لكن أعتقد أن هناك رؤية مختلفة لدى النخب الحاكمة، ولو عدنا تاريخيًا سنجد أن هذه الرؤية ممتدة منذ عهد الخديوي إسماعيل وحتى اليوم.

جوهر هذه الرؤية قائم على فكرة أن الشعب “غير قادر” أو “غير منتج” أو “غير مؤهل”، وأن الحل دائمًا يأتي من فوق، وليس من خلال الاستثمار الحقيقي في الناس، ثم تطورت هذه الفكرة لاحقًا خصوصًا منذ عهد السادات، إلى الاعتماد المستمر على الاقتراض، باعتبار أن مصر “أكبر من أن تسقط”، وأن العالم سيستمر في ضخ الأموال إليها حتى لا تنهار.

لكن السؤال الحقيقي: هل ضخ الأموال وحده يمنع الانهيار؟ الأموال تدخل ثم تختفي من دون أن يشعر المواطن بتحسن حقيقي في مستوى معيشته، بينما تتزايد الديون باستمرار، وبالتالي، فالمشكلة في الرؤية نفسها.

ما يجب التفكير فيه هو: كيف نحول هذا العدد الكبير من المصريين إلى قوة عمل مدربة؟ كيف نستثمر في البحث العلمي؟ كيف نطور منتجاتنا؟ كيف نبني مؤسسات دولة قوية ومستقلة، بحيث يصبح المستثمر قادراً على حساب مكاسبه وخسائره في بيئة واضحة ومستقرة؟

أنا مقتنع أن هناك رؤية لدى السلطة، لكن المشكلة أنها إما غير معلنة، أو أنها رؤية خاطئة تتكرر منذ سنوات طويلة، وتزداد آثارها سوءًا مع الوقت.

هل ترى أن الحكومة عليها أن تتخارج من الاقتصاد؟ كيف يتم ذلك عمليًا؟ وما هي القطاعات التي يجب أن تتوقف الدولة عن العمل فيها، وأين يجب أن تبقى؟

 الدولة في الأساس لا ينبغي أن تكون لاعبًا مباشرًا في كل قطاعات الاستثمار، دورها أن تخرج من مجالات الاستثمار التجاري العام، وتترك للقطاع الخاص المساحة الأكبر، مع استثناءات محددة.

هناك قطاعات لا يقبل القطاع الخاص الدخول فيها لأنها منخفضة العائد أو طويلة الأجل، مثل الإسكان الاقتصادي، وهنا يمكن للدولة أن تتدخل. كذلك هناك الصناعات الثقيلة أو الاستثمارات ذات العائد البطيء، وهي مجالات يمكن أن تلعب فيها الدولة دورًا داعمًا أو مباشرًا. كما يمكن النظر إلى قطاعات مثل التصنيع العسكري، حيث تمتلك بعض الدول جيوشًا تدخل في الصناعة وتحقق عوائد اقتصادية، وهو نموذج موجود عالميًا.

لكن في المقابل، يجب تقليل منافسة الدولة للقطاع الخاص، لأن وجود الدولة كمنافس مباشر يؤدي إلى تشوه السوق ويضعف بيئة الاستثمار لأنها تصبح طرف والدولة لا يجب أن تكون طرفًا في علاقة بها منافسة مع أحد ولا تنتقم لأحد .  

وهذه هي القواعد الرئيسية للإدارة الحديثة الخاصة بالحوكمة فالدولة أكبر من أن تصبح في خصومة مع أحد ولا تنافس أحد فهل تمثل عموم المصريين. لذلك أرى ضرورة خروج الدولة من هذه المنافسة ووضع قواعد واضحة تمنع الاحتكار، وتضمن تسعيرًا عادلًا، وتوفر حوافز استثمارية شفافة، بحيث يعرف المستثمر ما له وما عليه، دون امتيازات غير معلنة أو ممارسات غير واضحة. بهذا الشكل فقط يمكن بناء اقتصاد أكثر توازنًا، تكون فيه الدولة منظمًا وضامنًا للقواعد، لا لاعبًا يزاحم الآخرين في نفس الملعب.

إذا انتقلنا إلى ملف الخصومة السياسية، هناك حالتان أثيرتا مؤخرًا: حالة سيد مشاغب الذي خرج ثم عاد بعد ساعات قليلة إلى الحبس، وحالة أحمد دومة الذي خرج بعد سنوات ثم عاد مرة أخرى. كيف نفهم فكرة الحبس الاحتياطي الممتد، ولماذا يُعاد حبس بعض الأشخاص بعد الإفراج عنهم، حتى بعد فترات طويلة؟

الحقيقة أن خلال السنوات الماضية، بعض السياسيين الذين لديهم علاقة بمؤسسات الدولة أو مؤسسات أمنية ظلوا يشيعون أن هناك انفراجة ستحدث وأن هناك أشخاصًا سيخرجون، إلى غير ذلك من الكلام، والحقيقة أن الحوار الوطني نفسه بُني على أساس أن الجميع سيخرج قبل أن يبدأ، وهذا لم يحدث حتى الآن.

والحقيقة أنه نعم، هناك إفراجات تحدث، ولكن في الوقت نفسه هناك أشخاص يُعاد حبسهم مرة أخرى، عندما يجلس سيد مشاغب في بيته ثلاث ساعات ثم يعود إلى السجن لأن الناس استقبلته بعد 11 سنة من السجن، أو عندما يعود أحمد دومة إلى السجن مرة أخرى بسبب كلام قاله أو مقال كتبه أو رأي لم يعجب أحدًا، فهذا يعكس إشكالية كبيرة، لأن الكلام لا يُحال إلى المحاكم، ولا ينبغي أن يُحاكم الإنسان على رأيه؛ يُحاسَب إذا ارتكب فعلًا جنائيًا، وليس من الفعل الجنائي أن أقول رأيي. عندما أقول رأيي، يُرد عليّ برأي آخر.

ومن هنا تظهر مشكلة في المنظومة ككل. المعارضة السياسية أصبحت تفاوض على إخراج شخص أو شخصين، أو على “خذ هؤلاء وسأفعل كذا”، ثم ندخل في دوامة لا تنتهي.

وبالتالي، لا بد من وجود مناقشة مجتمعية حول كيفية حل هذا الملف بالكامل، عندما يكون هناك آلاف في السجون على ذمة قضايا سياسية، كيف يمكن أن تقول لهم ساعدوني؟ بينهم علماء، بالمناسبة. كيف تقول لهم: شاركوا في بناء دولة حديثة؟ كيف تخاطب أسرهم بأن ما يجري يتم من أجلهم؟ وكيف تجعل أبناءهم يشعرون بأن كل هذا يتم لصالحهم؟  هذا لن يكون ممكنًا بهذه الطريقة.

في ظل هذا الوضع، لن تكون قادرًا على ذلك. وهذا يعيق القدرة على بناء دولة حديثة. فبناء الدولة الحديثة يتطلب حشد كل الطاقات الممكنة. وبالتالي، أرى أن هذا يمثل عائقًا أمام التنمية، وليس أنا وحدي من يرى ذلك.

في الوقت الحالي، كل ما يشغلني هو كيف لا تغرق هذه البلد، وكيف لا تدخل في مزيد من الأزمات، وكيف نحافظ على وجود مؤسسات حقيقية، وعلى وضع اقتصادي جيد يسمح بالاستقرار.

لكن لن يكون هناك استقرار قائم على غضب الناس على الناس، الاستقرار الحقيقي يقوم على مؤسسات قوية، لا تتأثر بالرأي العام بمعنى أنها لا تتعطل بسببه، ولكنها في الوقت نفسه ترد على الرأي بالرأي، وتقوم بواجباتها.

وعندما يحدث ذلك، يشعر الناس بالتغيير من خلال التحديث الذي يطرأ على حياتهم، ويشعرون بفرق حقيقي في معيشتهم. فإذا لم يشعر الناس بفرق في حياتهم، فالمشكلة ليست في من يقول كلمات ثلاث أو من يعبر عن رأيه، بل المشكلة الأساسية هي أن الناس لا تشعر بأي تحسن حقيقي في حياتها.

المشكلة ليست في أحمد دومة، ولا إسماعيل الإسكندراني، ولا سيد مشاغب، ولا أي شخص آخر في السجون. المشكلة الحقيقية أن الناس لا ترى تغييرًا إيجابيًا في حياتها. وهذا هو الخطر الأكبر: أن من يشعر ولا يتكلم يكون هو الخطر الأكبر على أي نظام.

 كيف ترى تجربة الحوار الوطني؟ وهل لو أُعيدت الدعوة إليه ستشارك فيه أم لا؟

أي حوار يقوم بطبيعته بين أطراف مختلفة، وإلا فإنه لا يستحق أن يُسمى حوارًا، لذلك، عند الحديث عن “الحوار الوطني”، يفترض أن تكون هناك أطراف واضحة تتبادل النقاش حول قضايا محددة.

قيل أن  الدولة هي التي دعت إلى الحوار الوطني، لكن السؤال: هل هناك داخل هذا الحوار طرف يمثل صنع القرار؟ هل هناك من يمثل الدولة كمؤسسات،  الإجابة لا يوجد. وهل هناك من يمثل نظام الحكم ذاته؟ أيضًا لا يوجد. وبالتالي مع من أتحاور؟ هناك أطراف يغلب عليها الطابع المعارض وأخرى موالية، لكن في النهاية لا يمتلك أي طرف منها قدرة حقيقية على التأثير أو اتخاذ القرار، لأن وجودها في الحوار لا يرتبط بسلطة تنفيذية أو سياسية فعلية.

أي حوار جاد في أي مكان يجب أن يقوم على أطراف واضحة، وأجندة محددة، وجدول زمني معلوم، بهدف الوصول إلى نتائج قابلة للتطبيق، لكن ما حدث في الحوار الوطني أنه يفتقر إلى أجندة واضحة، كما لا يوجد طرف يتم التفاوض معه بشكل مباشر، لأن جوهر التفاوض كان يتم خارج إطار الحوار نفسه.

فإذا كانت المفاوضات تتم خارج الحوار، فلماذا لا تتم هناك مباشرة؟ لماذا يتم جمع أطراف متشابهة أو متقاربة في الرؤى داخل قاعة حوار؟ هم في الواقع لا يحتاجون إلى هذه القاعة، إذ يمكنهم الاجتماع أو التواصل دونها.

لذلك، هل هذا حوار وطني حقيقي؟ في رأيي أنه ليس كذلك. الحوار الحقيقي هو الذي يجمع أطرافًا مختلفة ذات مواقف متباينة، ضمن إطار زمني واضح، وأجندة محددة، ويتم التوصل فيه إلى نتائج معلنة وملزمة.

أما ما هو قائم، فهو أقرب إلى إدارة صورة أو خلق حالة من التهدئة، وليس عملية سياسية حقيقية.

وكما هو الحال في العمل البرلماني، فإن النائب الحقيقي يجب أن يستند إلى قاعدة شعبية منتخبة وواضحة. لكن في ظل غياب الثقة في العملية الانتخابية، يفقد النائب هذا السند، ويصبح غير قادر على التمثيل الحقيقي، لأنه غير مدعوم بإرادة شعبية فاعلة. وهو ما يجعل المسؤول يقول للنائب “اطلع بره لا أريد أن أتحدث معك”.

وبالتالي، يبقى السؤال الأساسي: هل الهدف هو صناعة صورة توحي بأن الأمور تسير بشكل جيد؟ أم أن الهدف هو إحداث انفتاح سياسي حقيقي؟ لأن الانفتاح الحقيقي هو الذي يصنع تغييرًا فعليًا ينعكس على الجميع؛ على أبنائي، وعلى خصومي، وحتى على من اختلفوا معي أو سجنوني.

وفي ملف السياسة الخارجية.. كيف ترى العلاقة بين مصر ودول الخليج، سياسيًا واقتصاديًا؟

لفهم ما يحدث الآن، علينا أن ننظر إلى الصورة الدولية بشكل أوسع. قبل الحرب العالمية الأولى كانت هناك إمبراطوريات كبرى تسيطر على مناطق النفوذ والثروات، وبعد الحرب العالمية الأولى انهارت إمبراطوريات مثل الدولة العثمانية والإمبراطورية النمساوية، وبدأت تظهر الدول القومية الحديثة.

ثم جاءت الحرب العالمية الثانية، وبعدها تشكل النظام العالمي الحديث بقيادة القوى الغربية، من خلال مؤسسات دولية هدفها تنظيم العالم بطريقة تضمن استمرار نفوذ هذه القوى واستفادتها من ثروات الدول الأخرى بأقل تكلفة ممكنة.

أي نظام عالمي يخلق في المقابل قوى مقاومة له، في البداية كانت الكتلة الشيوعية، ثم حركات التحرر الوطني، ثم ظهرت خلال العقود الأخيرة قوى إقليمية ودولية جديدة هناك دول كبرى مثل الصين وإيران وروسيا وتركيا، إلى جانب عدد كبير من الدول الأخرى التي بدأت تبني قدراتها الاقتصادية والسياسية وتتصاعد قوتها، في مقابل نظام عالمي تقليدي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية ويبدو أنه كان يعكس، في جزء منه، منطق السيطرة على ثروات الدول الأضعف.

ما نشهده اليوم هو صراع واضح بين القوى التي هيمنت على العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وبين دول أخرى صاعدة تسعى إلى إعادة توزيع موازين القوة على الساحة الدولية، في ظل هذا المشهد، السؤال بالنسبة لمصر كدولة وكمشروع سياسي هو: ما هو دورها؟

أولًا، علينا أن نفكر في نقاط تميزنا التي يمكن أن نقدمها للعالم، خصوصًا على المستوى الاقتصادي، مثل تطوير البنية التعليمية، وبناء منظومة بحث علمي، وتأهيل عمالة مدربة، وإقامة مؤسسات دولة كفؤة.

ثانيًا، لا يمكن لأي دولة أن تتحرك بمفردها في هذا العالم المعقد، وبالتالي يجب أن نفكر في التحالفات التي يمكن أن تكون مصر جزءًا منها، بما يحقق مصالحها ويمنحها قدرة على التأثير في الاقتصاد والسياسة العالميين.

وهنا تبرز مجموعة من الأسئلة الأساسية: كيف نتطور؟ كيف نبني دولة حديثة؟ وكيف نقيم بنية صناعية قائمة على العلم والمعرفة؟ ما هو التحالف المناسب لمصر في هذه المرحلة؟  من هم الأطراف التي تجمعنا بهم مصالح مشتركة؟  وأين توجد نقاط الاختلاف البسيط؟  ومن هم الأطراف الذين تتباين مصالحنا معهم بشكل كبير أو نختلف معهم جذريًا” الخصوم”؟ هذه الأسئلة يجب أن تكون واضحة ومحددة أمام الجميع، لأن الإجابة عنها هي التي ستحدد موقع مصر في المستقبل.

المستقبل لا يُنتظر، بل يُصنع الآن، وإذا استمررنا في إدارة الأمور بمنطق يومي دون رؤية استراتيجية، فإننا سنجد أنفسنا نتراجع، بينما يسبقنا التاريخ، ونصبح مجرد جزء من الماضي، مثل الديناصورات التي كانت قوية ثم انقرضت.

لذلك، التحدي الحقيقي أمام مصر هو أن تفكر كيف لا تتحول إلى دولة من الماضي، بل أن تكون جزءًا من العالم الجديد الذي يتشكل. وفي النهاية، يظل السؤالان الأساسيان: كيف ندير علاقتنا بالخارج، سواء في الإقليم أو في الاقتصاد العالمي، وكيف نحدد موقعنا داخل هذا النظام العالمي المتغير؟

المستقبل يُصنع الآن، وإذا استمررنا في إدارة الأمور يوماً بيوم من دون رؤية استراتيجية، سنجد أنفسنا خارج التاريخ. الدولة قد تكون كبيرة وقوية، لكن إذا لم تتطور يمكن أن تتحول إلى “ديناصور”؛ ضخم وقوي، لكنه انقرض في النهاية.

أما فيما يتعلق بالخليج، فأنا أرفض النظر إليه باعتباره كتلة واحدة، الخليج يضم دولاً وشركات،  بمعنى أن هناك دول تُدار بعقلية أقرب إلى إدارة الشركات؛ تفكر بمنطق الربح السريع والمكسب المباشر دون تفكير استراتيجي أو ما يتعلق بالمستقبل، وأود أن أشير إلى ما قاله  الصحفي السعودي عبد الرحمن الراشد من أن علاقة الدول بمصر تظل علاقة استراتيجية، قائمة على الثقل الجغرافي والسياسي للدولة المصرية، وأن هذه العلاقة مرشحة للاستمرار لما تمثله مصر من أهمية إقليمية.

لكن الاعتماد على هذا الثقل وحده لا يكفي، فاستمرارية أي علاقة استراتيجية لا تقوم فقط على الوزن التاريخي أو الموقع، وإنما على القدرة على تقديم قيمة مضافة متبادلة.

بمعنى آخر، لا يمكن لمصر أن تكتفي بفكرة “أنها طرف مهم” في المعادلة الإقليمية أو الدولية، بل يجب أن تكون طرفًا يقدم شيئًا حقيقيًا في هذه العلاقة. وهذا لا يعني تحويل العلاقات إلى منطق تجاري مباشر أو “بيع وشراء”، وإنما يعني الانتقال من موقع الاعتماد على المكانة أو التفكير في مصر باعتبارها شركة، لكن أنا كدولة لابد أن  أفكر في علاقة استراتيجية، وتكون هناك مصالح متبادلة واضحة: ماذا نقدم؟ وماذا نحصل في المقابل؟ بهذا المعنى، تصبح العلاقة أكثر توازنًا واستدامة، لأنها لا تُبنى على الثقل فقط، بل على القدرة على الإسهام الفعلي في المصالح المشتركة.

ومن هنا عندما يقال إن دولاً خليجية “دفعت لمصر”، يجب التفرقة بين الأموال التي دخلت بشكل رسمي إلى ميزانية الدولة واستُخدمت في مشروعات واستثمارات، وبين أي ترتيبات أخرى، كمواطن مصري، ما يعنيني هو: أين ذهبت الأموال؟ وكيف أُنفقت؟ وما العائد الذي تحقق منها على المجتمع والاقتصاد؟

أنت كمستثمر لست موجودًا لكي تجبي الأموال علينا، وإذا أعطيت لشخص آخر شيئًا بشكل غير رسمي، فهذه ليست مسؤوليتي؛ اذهب وحاسبه هو، أما مسؤوليتي، كمواطن مصري، فهي الأموال التي دفعتها لك رسميًا. والحقيقة أن هذه مسؤوليتي، رغم أن القرار قد اتخذ بالفعل بشأنها دون مشاركتي أو تدخل مني،

يرى البعض أن الخليج يتعامل مع مصر بمنطق الابتزاز السياسي والاقتصادي، فما تعليقك؟

في السياسة لا توجد فكرة اسمها “الابتزاز”، في النهاية، هناك طرف إمّا قادر على تحمّل القرارات التي يتخذها أو غير قادر عليها. لا يمكن أن يأتي طرف ليقول: “أنا أُبتز لأنني دفعت أموالًا للاستثمار”.

عندما تتخذ دولة ما قراراتها، فهي تتخذ مواقف، قد تكون مع مصالحها أو ضدها، لا توجد دولة تجامل دولة أخرى بلا مقابل، لا أحد يدفع المال لدولة أخرى لمجرد المجاملة أو “لأنها يحبها”، بل لأن هناك مصلحة.

المعادلة ببساطة هي: هل توجد مصلحة أم لا؟ إذا كانت مصر تمثل فرصة استثمارية حقيقية، فالمستثمر سيدخل، أحيانًا يتم ذلك عبر قروض مضمونة بعوائد مستقبلية، أو عبر استثمارات مباشرة، لكن في كل الحالات الأمر ليس عملاً خيريًا، بل رهان على الربح.

الدولة هنا مثلها مثل أي طرف اقتصادي آخر: تتخذ قراراتها بناءً على حسابات المكسب والخسارة، وتختار أين تدخل وأين لا تدخل، ولا يحق لأي طرف أن يبتز الطرف الآخر أو يفرض عليه أدوارًا لا تتوافق مع مصالحه.

إذا كان هناك ضغط أو ابتزاز سياسي، فعلى الدولة أن تعلن ذلك بوضوح، وإذا كانت ترى أن ما يحدث في مصلحتها، فهي تتحمل قرارها، وفي كل الأحوال، النقاش يجب أن يكون واضحًا: أين تتقاطع المصالح وأين تختلف، لا أن يُدار بمنطق العواطف أو الادعاءات.

هل نحن أمام تشكّل نظام عالمي جديد؟ وكيف تقرأ صعود اليمين عالميًا؟

نحن أمام صعود لتيار اليمن على مستوى العالم ولكي نفهم هذا الصعود، يجب أولًا أن ننظر إلى النظام العالمي الذي نعيش داخله. منذ منتصف الأربعينيات، جرى تقديم هذا النظام باعتباره “آخر ما وصلت إليه الحضارة الإنسانية”، لكن الحقيقة، من وجهة نظري، أنه كان آخر ما وصل إليه التفكير الاستعماري في السيطرة على ثروات الدول الضعيفة.

ما يحدث الآن أن هذه الدول الضعيفة بدأت تصبح أقوى، وبدأت تدخل في صراع على موقعها ومصالحها، الإمبراطوريات التي سيطرت على العالم لعقود تريد الحفاظ على أماكنها ومصادر ثرواتها، وفي المقابل هناك قوى جديدة تريد التخلص من هذه الهيمنة، لذلك نحن أمام صراع عالمي حقيقي.

إذا نظرنا للتاريخ، سنجد أن أشكال الحكم كانت دائمًا تتغير مع تغيّر أدوات الإنتاج، عندما انتقل العالم من الثورة الزراعية إلى الثورة الصناعية، تغيّر شكل السلطة؛ لأن الثروة لم تعد حكرًا على ملاك الأراضي، بل ظهرت البرجوازية الصناعية، وظهر معها طلب أوسع على التمثيل السياسي، ومن هنا بدأت البرلمانات الحديثة وأشكال الحكم التمثيلية.

منذ السبعينيات نحن نعيش انتقالًا مشابهًا مع الثورة التكنولوجية، في الماضي، لكي تصبح ثريًا كنت تحتاج إلى أرض ومصنع وعمال، أما اليوم فقد يمتلك شخص تطبيقًا إلكترونيًا وعددًا محدودًا من الموظفين ويحقق ثروة هائلة. هذا يعني أن من يمتلكون أدوات الإنتاج الحديثة أصبحوا أكثر عددًا بكثير، وبالتالي هناك قطاعات أوسع تشعر أن من حقها المشاركة في صنع القرار السياسي لأنها تساهم في الاقتصاد، بينما النخب القديمة لا تزال متمسكة بمواقعها وامتيازاتها. وهذا هو جوهر الصراع الحالي في العالم.

صعود اليمين يعكس خوف الناس من التغيير وتمسكهم بالنمط القديم الذي اعتادوا عليه، لكن التاريخ يعلمنا أن العالم القديم لا يدوم، وأننا نعيش مرحلة انتقالية بين عالم ينتهي وآخر يتشكل. السؤال الحقيقي بالنسبة لنا: كيف نصبح جزءًا من العالم الجديد بدلًا من أن نبقى أسرى العالم القديم؟

في ظل هذا الصراع العالمي والتحولات الجديدة، كيف تقيّم إدارة مصر لسياستها الخارجية؟

وما هي السياسة الخارجية المصرية أصلًا؟ حتى الآن لا توجد، على حد علمي، رؤية استراتيجية معلنة وواضحة. حتى فترة قريبة، كان يبدو أن الرؤية المصرية تقوم على تجنب الدخول في الصراعات الإقليمية والدولية بسبب الأزمة الاقتصادية الداخلية ومحاولة التركيز على معالجتها. لكن خلال الفترة الأخيرة وجدنا أنفسنا فجأة أمام احتمالات الانخراط في صراعات إقليمية، من دون أن نعرف ما الذي غيّر هذا التوجه أو ما إذا كان ذلك يعكس تحولًا استراتيجيًا حقيقيًا.

وهذه هي المشكلة نفسها التي أراها في ملفات السياسة الداخلية والاقتصاد؛ النظام لا يطرح بشكل واضح ما الذي يريد فعله، بل نفاجأ بالقرارات بعد اتخاذها.

لذلك عندما يُطلب مني تقييم السياسة الخارجية الحالية، أجد صعوبة لأنني لا أعرف ما هي الرؤية الكاملة التي تتحرك على أساسها الدولة،لكن ما أراه ضروريًا هو أن تقوم علاقات مصر الخارجية على الندية والمصلحة المتبادلة.

أنا أعتقد أنه لا ينبغي أن نكون تابعين لأي دولة، كما لا ينبغي أن نقبل أن تكون دول أخرى تابعة لنا. وأرى أيضًا أن مصلحة مصر تقتضي ألا تكون جزءًا من صراعات إقليمية أو دولية تستنزفها، بل أن توظف علاقاتها الخارجية كلها لخدمة مشروع وطني يهدف إلى بناء دولة قوية، مستقلة، ومستقرة.

إخفاقات أقسام الطوارئ في بريطانيا: وفاة الشابة ليبي إنستون تعيد فتح ملف أزمة الفرز الطبي

 

إخفاقات أقسام الطوارئ في بريطانيا: وفاة الشابة ليبي إنستون تعيد فتح ملف أزمة الفرز الطبي


أعاد تحقيق رسمي في وفاة طالبة القانون بجامعة نيوكاسل، ليبي إنستون (20 عاماً)، تسليط الضوء على الخلل البنيوي والضغوط المتزايدة التي تواجهها أقسام الطوارئ البريطانية، بعدما تبيّن أن وفاتها جاءت نتيجة سلسلة من الإخفاقات الطبية في تشخيص حالتها.

وكانت المتوفاة قد راجعت قسم الرعاية العاجلة والطوارئ ثلاث مرات خلال 24 ساعة في أغسطس 2023، وهي تعاني من آلام حادة في البطن وتقيؤ مستمر. وفي كل مرة، شُخِّصت حالتها على أنها نزلة معوية وأُعيدت إلى المنزل دون إجراء فحوصات تصويرية. وخلال زيارتها الأخيرة، انتظرت تسع ساعات في قسم الطوارئ قبل إدخالها إلى المستشفى، لتتوفى في اليوم التالي نتيجة انسداد في الأمعاء الدقيقة، وهي حالة كان من الممكن علاجها جراحياً لو جرى تشخيصها في وقت مبكر.

أدان تقرير الطبيب الشرعي المستشفى المعني بالرعاية، مؤكداً وجود “إخفاقات جسيمة” وضياع فرص متعددة كان يمكن أن تنقذ حياة الفتاة. وقالت والدة ليبي إن ابنتها عوملت في قسم الطوارئ وكأنها “مضيعة للوقت”، مشيرة إلى أن الأطقم الطبية ركزت على تقليل أعداد المنتظرين في صالة الاستقبال، بينما تجاهلت تكرار مراجعات المريضة واستمرار أعراضها الخطيرة.

وتُبرز هذه القضية الحاجة الملحّة إلى إصلاحات جذرية في آليات الفرز الطبي وزيادة الطاقة الاستيعابية لأقسام الطوارئ، بما يضمن تعزيز سلامة المرضى والحد من تكرار مثل هذه الحوادث، حتى في ظل الضغوط التشغيلية المتزايدة.

وزارة الخارجية الأمريكية تنشر اليوم عبر حسابها الرسمي على منصة إكس رسالة شديدة النقد للأوضاع داخل بريطانيا بعد واقعة إلقاء الشرطة البريطانية القبض على قتيل بدلا من القبض على القاتل

 

وزارة الخارجية الأمريكية تنشر اليوم عبر حسابها الرسمي على منصة إكس رسالة شديدة النقد للأوضاع داخل بريطانيا بعد واقعة إلقاء الشرطة البريطانية القبض على قتيل بدلا من القبض على القاتل، ليس حرصاً من الولايات المتحدة على الديمقراطية والعدالة التي يفتقدها الشعب الأمريكي حلال إدارة ترامب، أنما تدخلاً سافراً في شؤون دولة حليفة ذات سيادة هي بريطانيا بسبب رفضها مشاركة ترامب في غزواته الخارجية وعدوانه وألا لو كانت صادقة لطبقت موعظتها مع إسرائيل خلال حرب الإبادة في غزة!


 نشرت وزارة الخارجية الأمريكية عبر حسابها الرسمي على منصة إكس رسالة شديدة النقد للأوضاع داخل بريطانيا، هاجمت فيها ما وصفته بـ”التكييف الأيديولوجي” داخل المؤسسات العامة و”الشرطة ذات المستويين”، معتبرةً أن هذه الممارسات لم تعد مجرد إشكاليات إدارية أو اجتماعية، بل أصبحت مؤشراً خطيراً على تراجع معايير العدالة وسيادة القانون، وتهديداً مباشراً للتماسك المجتمعي داخل المجتمعات الغربية.

وأضافت الرسالة أن استمرار هذه الظواهر يمثل "انحرافاً عن المبادئ الديمقراطية التي تقوم عليها الدول الغربية"، داعيةً إلى رفضها بشكل واضح وصريح في جميع أنحاء الغرب، في لهجة وُصفت بأنها غير دبلوماسية ومثيرة للجدل، خصوصاً مع تزامنها مع تقديم تعازي الولايات المتحدة لأسرة هنري نواك وللشعب البريطاني، ما أضفى على البيان بعداً سياسياً أكثر حدة وأثار تساؤلات حول دلالاته وتوقيته.

وفي السياق نفسه، أثار نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس جدلاً واسعاً بعد تدوينة نشرها عبر حسابه على منصة “إكس”، قال فيها إن هنري نواك كان سيظل على قيد الحياة لو أن “الأجيال الأوروبية القليلة الماضية صمدت في وجه الغزو الجماعي للمهاجرين”، وهو تصريح اعتُبر تصعيداً لافتاً في الخطاب السياسي الأمريكي تجاه سياسات الهجرة في أوروبا، وزاد من حدة التوتر السياسي المحيط بالقضية.

حوار مع المخرج الدولى المصرى طارق صالح مخرج فيلم "نسور الجمهورية" المستوحى من المسلسل التلفزيوني الدعائي العسكري "الاختيار" الذى يجسد شخصية الجنرال السيسى

موقع ميدل إيست آي

حوار مع المخرج الدولى المصرى طارق صالح مخرج فيلم "نسور الجمهورية" المستوحى من المسلسل التلفزيوني الدعائي العسكري "الاختيار" الذى يجسد شخصية الجنرال السيسى

الفيلم تناول مقاومة نظام سياسي متواضع مهووس بالحفاظ على سلطته العسكرية وفرض خطابه المنتصر على شعب مدنى منهك

المخرج قدم العديد من الافلام المصرية الفائزة بجوائر دولية ومنها فيلم يجسد جريمة قيام قطب العقارات المصرية طلعت مصطفى بقتل الفنانة اللبنانية سوزان تميم وافرج عن السيسى بعفو رئاسى بمرسوم جمهورى

 

لا يزال مخرج الافلام المصرى طارق صالح يأمل في نجاح سلسلة أفلامه التي أثارت غضب المؤسسة السياسية المصرية .

وقال: "حلمي هو أن يتم عرض هذه الثلاثية في مصر أكثر حرية، بعد 10 إلى 15 سنة من الآن".

في عام 2010، حظي المخرج السينمائي المصري السويدي بإشادة واسعة النطاق باعتباره أحد أكثر الأصوات الصاعدة إثارة في السينما الاسكندنافية.

عُرض فيلمه المتحرك "ميتروبيا" الذي صدر عام 2009، وهو عبارة عن حكاية خيالية ديستوبية ، لأول مرة في مهرجان البندقية السينمائي وحظي بإشادة نقدية وتجارية.

وبعد عامين، أخرج فيديو موسيقي بعنوان "أتبع الأنهار" للمغنية ليك لي، وهو فيديو موسيقي مميز حصد منذ ذلك الحين ما يقرب من 100 مليون مشاهدة على موقع يوتيوب.

ومع ذلك، فقد شكل إنتاجه السويدي في نهاية المطاف مقدمة لما سيصبح واحدة من أكثر الثلاثيات السينمائية إثارة للجدل التي تم إنتاجها على الإطلاق حول مصر المعاصرة.

ولد صالح لأم سويدية وأب مصري، وانتقل إلى الإسكندرية عام 1991 للدراسة في أكاديمية الفنون.

وعلى مدى السنوات الأربع التالية، عاش بين المنصورة، مسقط رأس والده في دلتا النيل، والقاهرة.

لم تتلاشَ طموحاته في سرد القصص المصرية قط.

في عام 2010، أكمل كتابة سيناريو فيلم " حادثة فندق النيل هيلتون" ، وهو فيلم نيو-نوار مستوحى من مقتل المغنية اللبنانية سوزان تميم على يد قطب العقارات وحليف مبارك هشام طلعت مصطفى.

صدر فيلم نايل هيلتون في عام 2017 وتدور أحداثه عشية ثورة 2011، وقد حقق نجاحاً عالمياً باهراً، حيث فاز بجائزة لجنة التحكيم الكبرى للسينما العالمية في مهرجان صندانس السينمائي وجذب أكثر من 400 ألف مشاهد في فرنسا وحدها.

 وقد لفت نجاحه انتباه هوليوود. فبين عامي 2018 و2022، أخرج صالح حلقات من مسلسل  Westworld على شبكة HBO ومسلسل Ray Donovan على شبكة Showtime ، بالإضافة إلى إخراجه فيلم الحركة The Contractor من بطولة كريس باين.

في عام 2022، عاد إلى مصر بفيلم "فتى من السماء" (المعروف أيضاً باسم "مؤامرة القاهرة ")، وهو فيلم نوار آخر يتناول العلاقة بين الأزهر ونظام عبد الفتاح السيسي.

وقد حقق الفيلم نجاحاً أكبر، حيث فاز بجائزة أفضل سيناريو في مهرجان كان السينمائي وباع أكثر من 460 ألف تذكرة في فرنسا.

في العام الماضي، اختتم صالح ثلاثيته عن القاهرة بفيلم " نسور الجمهورية" ، وهو الجزء الأكثر إثارة للجدل وجرأة فيها. ويؤدي الممثل المفضل لدى صالح، فارس فارس، دور جورج فهمي، نجم السينما المصرية الأشهر، الذي أُجبر على تجسيد شخصية الرئيس في إنتاج دعائي عسكري مستوحى من المسلسل التلفزيوني الواقعي " الاختيار".

إن فهمي، وهو مسيحي قبطي ليبرالي تروتسكي على خلاف مع نظام السيسي بسبب علاقاته بالمعارضة، سمح لقناعاته بالتآكل تحت وطأة نزواته النسائية القهرية، وإهماله لأبنائه، وأنانية مفرطة.

لكن تحت هذا الغرور، تكمن غريزة اللياقة التي تكافح لمقاومة نظام سياسي متواضع مهووس بالحفاظ على سلطته وفرض خطابه المنتصر على شعب منهك.

بالتزامن مع ثورة 2011

لم يكن صالح ينوي أبداً إنشاء ثلاثية عندما شرع في مشروع نايل هيلتون ، وهو مشروع ولد من عدم الرضا عن أعماله السابقة.

"شعرت أن القصة الوحيدة التي كنت بحاجة إلى سردها هي قصة الفساد في مصر"، هكذا صرح صالح لموقع ميدل إيست آي.

"جاء الدافع من ما حدث لوالدي عندما حاول افتتاح متحف للأطفال في القناطر خلال سنوات مبارك. استولى الجيش على المشروع بطريقة عدوانية للغاية."

"لم تكن المسودة الأولية جيدة. كما أنني لم أكن متأكدًا من إمكانية إنتاجها - من سيمولها، وكيف سنصورها. ثم حدثت الثورة."

منذ البداية، تخيل صالح انتفاضة جماهيرية تختتم الفيلم. ويقول الآن إن رؤيته للثورة كانت "مثيرة للشفقة"، إذ اقتصرت على "أشخاص يركضون في الشوارع"، لأنه كان من الصعب للغاية تخيل ما سيحدث.

أقنعته أحداث يناير 2011 بوجود شيء ما في القصة قادر على تفسير كيف أصبح هذا الاضطراب ممكناً.

في ذلك الوقت، كانت الجماهير الدولية متعطشة لروايات تتمحور حول الثورة، ولكن ليس من هذا النوع.

"ظل المنتجون الأوروبيون يسألونني: 'لماذا لا يمكنك ببساطة صنع فيلم عن الثوار؟'" هكذا استذكر صالح.

لكن فيلمه ظل فيلماً سوداوياً بكل معنى الكلمة - وهو أمر شاذ ضمن الواقعية الاجتماعية التي هيمنت على سينما ما بعد الانتفاضات العربية.

قبل كل شيء، كانت صورة حية للقاهرة، "المدينة التي أحبها كثيراً... المدينة التي أنا مهووس بها".

آلة هوليوود

كان انتقاله إلى هوليوود نابعاً إلى حد كبير من الضرورة. وخلافاً لما يزعمه منتقدوه، فإن الشهرة التي حظي بها نايل هيلتون لم تُحقق له الأمان المالي أو المكانة التي افترض النقاد أنه كان يسعى إليها.

قال صالح: "لقد عملت في هوليوود لأنني، بصراحة، كنت مفلساً. كان لدي طفل رضيع وكنت بحاجة إلى المال. لم أستطع الرفض عندما اتصل بي الأمريكيون".

يصف هوليوود بأنها "آلة".

قال: "إنه مصنع نقانق. لكن هناك أشياء يتقنونها بشكل استثنائي - الجدية والانضباط اللذان يعملون بهما - وقد أخذت ذلك منهم."

بعد حادثة فندق النيل هيلتون ، كتب صالح ثلاثة سيناريوهات إضافية عن مصر.

كان من المفترض في الأصل أن تكون الثلاثية رباعية، مع تركيز الفيلم الرابع الذي لم يتم إنتاجه بشكل صريح على الجيش.

 بدأت رواية "فتى من السماء" قبل أن تتحول إلى سيناريو. وبينما حافظ فيلم "نيل هيلتون" ، الذي تدور أحداثه خلال سنوات مبارك، على مسافة ما من واقع ما بعد الثورة، انغمس فيلم "فتى من السماء" كلياً في مصر السيسي.

يُعد فيلم "نسور الجمهورية" بلا شكّ الجزء الأكثر إثارة للجدل في الثلاثية. فبينما كانت الأنظمة المصرية السابقة تتسامح أحيانًا مع انتقاد الشرطة أو المؤسسات الدينية - وإن كان ذلك نادرًا ما يحدث مع الأزهر نفسه - فقد ظلّت السينما المصرية إلى حد كبير بمنأى عن النقد.

لم يواجه سوى عدد قليل من الأفلام، مثل فيلم عاطف سالم "حافي القدمين على جسر ذهبي" (1976)، انحطاط هذه الصناعة بشكل مباشر.

انطلاقاً من التزامها الوثيق بواقع السينما المصرية المبالغ فيه، استوحى صالح العديد من شخصياته من شخصيات عامة معروفة.

وتتراوح هذه الشخصيات بين الممثلة اليسارية رولا حداد، التي تجسدها شيرين دابيس، والتي تم إدراجها في القائمة السوداء بعد رفضها التعاون مع النظام، وبين رئيس الاستوديو المملوك للدولة الأصلع والمهيب الذي تم تصميمه بوضوح على غرار تامر مرسي، الرئيس التنفيذي السابق لشركة يونايتد ميديا سيرفيسز.

يستحضر جورج فهمي نفسه شخصية ياسر جلال، ممثل التلفزيون الذي جسد شخصية السيسي في الجزء الثالث من مسلسل الاختيار .

ومع ذلك، تشترك روايتا "النسور" و "الفتى من السماء" في بُعد زمني مثير للاهتمام. فكلتاهما تدور أحداثهما في حاضر مألوف يطارده ماضٍ تتكرر فيه ديناميكيات القوة المماثلة بين الدولة ومؤسساتها التأسيسية بلا نهاية.

في مصر صالح، التاريخ دائري وليس خطيًا.

وبهذا المعنى، فإن السيسي ليس الخصم الذي وصفه منتقدو صالح بأنه كذلك.

"في الحقيقة، كنت أعتقد أن وجود السيسي في الأفلام سيكون بمثابة قيد. فهو ليس ديكتاتوراً كاريزمياً ولكنه شرير مثل ستالين أو هتلر"، كما قال.

"لكن لا يمكنك تجنبه أيضاً، خاصة عند صنع فيلم إثارة سياسي. لو استبعدته، لكان الناس قد افترضوا أنني خائف."

تجنب استمالة الدولة

نشأت فكرة فيلم "النسور" من فرضية واحدة: ماذا لو بقي صالح في مصر بعد تخرجه من كلية الفنون، وعمل في صناعة السينما المحلية، وتلقى نفس المكالمة الهاتفية التي يتلقاها جورج فهمي - والتي تطالبه بتوجيه الدعاية الحكومية؟

لو بقيت، لربما أصبحت مثل معظم المخرجين هناك، أسعى جاهداً، وأقبل وظائف لا أشعر تجاهها بأي شغف، وأحضر مهرجان الجونة السينمائي. وبمجرد أن جاءني ذلك الاتصال، لم أكن لأستطيع الرفض، لأن قول لا ليس خياراً متاحاً.

لم يكن جعل جورج فهمي قبطياً أمراً عشوائياً، على الرغم من أن صالح يعترف بأن هذا البعد لا يزال غير متطور إلى حد ما.

تم في نهاية المطاف حذف العديد من التداعيات الثقافية والسياسية المحيطة بهوية فهمي الدينية.

وقال صالح: "إن موقف الأقباط في مصر موقف عالمي عميق".

"جميع المجتمعات تضم أقليات تعمل بجد، وفي بعض الحالات تتفوق على أفراد الأغلبية، ومع ذلك تظل عرضة للتمييز. إنه أمر يمكنني أن أتفهمه شخصياً كمسلم في السويد."

يتمتع جورج بنفوذ ثقافي هائل باعتباره النجم الأكثر ربحية في البلاد. ومع ذلك، يوضح صالح بوضوح كيف أن هشاشة هذا النفوذ تتجلى بشكل صارخ في ظل الأنظمة الاستبدادية - سواء في الدول العربية أو الديمقراطيات الغربية ذات التوجه اليميني المتزايد - بمجرد انتماء شخص ما إلى أقلية.

إحدى الأخطاء المتكررة في مسلسل "النسور" هي عدم اتساق اللهجة، وهو أمر أكثر وضوحًا هنا منه في الحلقات السابقة من الثلاثية.

يضفي ممثلون مصريون منفيون مثل عمرو واكد، ودنيا مسعود، وهشام عبد الحميد مصداقية على الأحداث، لكن لا دابيس ولا الممثلة الفرنسية الجزائرية لينا خضري مقنعتان في نطقهما المحرج للغة العربية المصرية.

يدرك صالح الأثر الصادم. ومع ذلك، ونظراً للمخاطر المهنية التي يواجهها الفنانون المصريون بالمشاركة في مشروع مثير للجدل سياسياً كهذا، فقد كان عدد الممثلين المعروفين الراغبين في الانضمام إلى الإنتاج محدوداً.

وقال صالح: "إنها أيضاً مسألة مسؤولية، خاصة فيما يتعلق بالفنانات".

"لم يكن لدي رفاهية الاختيار."

"تجاوز الخط"

يبلغ الفيلم ذروته في واحدة من أجرأ الأعمال الفنية التي تجسدت في الخيال السياسي على الشاشة في الذاكرة الحديثة. إن مجرد وصف نهايته المفاجئة قد يُثير تداعيات خطيرة، وربما يكون هذا سبباً كافياً لعدم عودة صالح إلى مصر في أي وقت قريب.

عندما سُئل صالح عما إذا كان يخشى تجاوز الحدود بهذه العدوانية، أجاب: "أحب الأفلام التي تتجاوز الخط الفاصل - حيث تشعر فجأة أنك في الحياة الواقعية؛ حيث لم يعد بإمكانك الاختباء وراء الخيال".

"نحن نعيش في عهد ترامب، حيث أصبحت الرقابة الذاتية هي القاعدة، وأردت أن أتحدى ذلك."

في برودته المحسوبة، يبرز الدكتور منصور كشخصية الفيلم الوحيدة الصريحة.

بصفته عميل المخابرات الذي يشرف على إنتاج الفيلم، يظهر الدكتور منصور في البداية كمسؤول بيروقراطي كفء يركز بشكل فريد على صياغة أكثر قطعة دعائية مصقولة ومقنعة ممكنة.

لكن تدريجياً، يتضح أنه مجرد أداة جوفاء لا تحركها الأيديولوجيا بل المنطق البارد والقاسي، وهو تجسيد قاتل لدولة مكيافيلية مصممة على الحفاظ على نظام لا يُسمح لأحد بتحديه.

هو ابن عم فني بعيد لأنطون شيغور من رواية " لا مكان للعجائز" لكورماك مكارثي : رجل ذو مبادئ يعمل خارج نطاق الغموض الأخلاقي الذي يعيش فيه كل من حوله.

على عكس مدير السجن في فيلم " كان مجرد حادث" لجعفر بناهي، الذي يبرر وحشيته، يبقى منصور غير متأثر بالاعتبارات الأخلاقية.

بقيت آثار التبرير الأخلاقي في فيلم "نيل هيلتون" ، الذي تدور أحداثه خلال الأيام الأخيرة من نظام مبارك، حيث كانت السلطات تتصارع مع التآكل المفاجئ للسلطة.

لكن في مصر ما بعد الثورة في فيلمي " فتى من السماء" و "النسور" ، لم يعد النظام يهتم بتعزيز سلطته.

ما يبحث فيه صالح بدلاً من ذلك هو نمط حكم جامد لم يعد استبداده مقتصراً على مصر، بل أصبح عالمياً بشكل متزايد. ويشير إلى أن أكثر سماته إثارة للقلق هي آليته الجامدة.

السيسي نفسه، الذي لم يتم فحص نواياه وفلسفته في الحكم بشكل مباشر، يبقى لغزاً يرفض صالح فك شفرته.

إن الآلية الغازية التي تسيطر على جورج فهمي ليست جديدة؛ إنها مجرد نسخة محدثة من جهاز عمره 75 عامًا لا يزال يرى نفسه الوصي الذي لا غنى عنه على شعب يعتبر متهورًا للغاية بالنسبة للاستقلال الذاتي الحقيقي.

الأفلام المصرية هي بمثابة أبنائي.

وكما كان متوقعاً، قوبل فيلم "إيجلز" باللامبالاة والعداء، ووُصف بأنه "مبتذل" و"انتهازي" و"مفلس إبداعياً وأخلاقياً". وزعم بعض النقاد العرب أن صالح لا يزال يعود إلى مصر فقط لأن مسيرته في هوليوود لم تُحقق النجاح المأمول.

وقال: "للعلم، أتلقى نصوصاً من هوليوود كل أسبوع تقريباً".

"لكن هذا الافتراض، بأن الحلم الأسمى هو صناعة أفلام هوليوود، يخبرك بكل ما تحتاج لمعرفته عن هؤلاء النقاد."

"هوليوود لا توظفني لأنها تهتم بمصر أو السيسي - فهؤلاء المسؤولون التنفيذيون لا يعرفون حتى من هو رئيس مصر. إنهم يوظفونني لأنهم يدركون وجود موهبة يرغبون في استغلالها."

"أقبل المشاريع الكبيرة، سواء في هوليوود أو السويد، لأنني بطبيعة الحال أحتاج إلى كسب لقمة العيش. أبذل قصارى جهدي فيها - لكنها ليست ملكي."

"الأفلام المصرية هي بمثابة أبنائي، وأنا دائماً أكافح بشدة من أجل إنتاجها في وقت يتجه فيه السينما الأوروبية بشكل متزايد نحو الداخل، نحو ثقافتها وتاريخها ولغتها الخاصة."

عندما سُئل صالح عما إذا كان يرى تزايداً في نزع الطابع السياسي عن السينما العالمية وسط صعود الشعبوية والقومية، وافق على ذلك.

وقد ناقش مؤخراً هذه القضية مع المخرج الإيراني الدنماركي علي عباسي، الذي كافح فيلمه المثير للجدل عن ترامب بعنوان "المتدرب" من أجل الحصول على توزيع واسع النطاق في الولايات المتحدة بعد عرضه الأول في عام 2024 في مهرجان كان السينمائي.

قال صالح: "قال علي: 'يمكن لصناع الأفلام العرب أن ينتقدوا كل ما يريدون، لكن لا يمكنهم انتقاد حكوماتهم' - على الرغم من أنني لا أتفق تماماً مع هذا الرأي".

"هناك مخرجون يقومون بأعمال تخريبية. أعرف مدى صعوبة وقمع صناعة مثل هذه الأفلام في مصر، وأعرف أشخاصًا دفعوا ثمنًا باهظًا لمحاولتهم. لكن لا يسعني إلا أن أغبط المخرجين الإيرانيين، الذين لم يتوقفوا قط عن انتقاد حكوماتهم."

لم ينتهِ صالح من مصر، وربما لن ينتهي منها أبداً.

وقال: "كل باب تفتحه في مصر يحمل قصة أخرى".

"أريد أن أصنع شيئاً في الإسكندرية - وهي مدينة أعرفها أفضل من القاهرة. أريد أن أفعل شيئاً في صعيد مصر. هناك قصص لا حصر لها."

في فرنسا وحدها، شاهد أكثر من مليون مشاهد الثلاثية. وفي وقت سابق من هذا العام،  فاز فيلم "نسور الجمهورية" بست جوائز غولدباغ، من بينها جائزة أفضل فيلم وأفضل سيناريو. وعندما سُئل صالح عن شعوره بعد انتهاء الثلاثية، أجاب: "أشعر وكأنني شيدت صرحًا، وأشعر الآن بالتحرر. لقد انتهيت أخيرًا من مواجهة هذا النظام. أنا فخور بأنني لم أتنازل أبدًا".

ثم أضاف: "الجزء المفقود الوحيد هو أنني ما زلت لا أستطيع عرض هذه الأفلام في دور السينما المصرية".

سيكون مشروعه القادم باللغة الإنجليزية ولا علاقة له بمصر. ومع ذلك، فهو يكتب بالفعل سيناريو فيلم مصري آخر.

هذه المرة، إنه فيلم غربي.

فيلم "نسور الجمهورية" يُعرض حالياً في دور السينما في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة

رابط الحوار المحجوب بمعرفة السلطات المسرية ويلزم تطبيق فك الحجب لاجتيازة

https://195.3.223.164/discover/vision-dissent-tarik-saleh-talks-his-acclaimed-cairo-trilogy?__cpo=aHR0cHM6Ly93d3cubWlkZGxlZWFzdGV5ZS5uZXQ

لماذا تعثرت تعيينات سفراء سوريا الجدد؟ ومن سيخلف الأحمد في القاهرة؟ .. القاهرة رفضت اعتماد محمد طه الأحمد بسبب خلفيته المرتبطة بالتيار الجهادي

 

القدس العربي

لماذا تعثرت تعيينات سفراء سوريا الجدد؟ ومن سيخلف الأحمد في القاهرة؟

القاهرة رفضت اعتماد محمد طه الأحمد بسبب خلفيته المرتبطة بالتيار الجهادي

دمشق ـ «القدس العربي»: كشفت مصادر دبلوماسية سورية عن توجه وزارة الخارجية لإعادة ترتيب تمثيلها الدبلوماسي في عدد من العواصم العربية، بعد تعثر اعتماد بعض المرشحين بسبب الخلفيات الجهادية التي أثارت تحفظات لدى الدول المضيفة.

وحسب معلومات «القدس العربي»، فقد رشحت دمشق الدبلوماسي المنشق، عماد الأحمر، ليكون أرفع مسؤول دبلوماسي في سفارتها في القاهرة خلفاً لمحمد طه الأحمد، الذي لم يحظ بموافقة السلطات المصرية، في وقت تواجه فيه الوزارة تحديات تتعلق بالخبرة الدبلوماسية في اختيار ممثليها في الخارج والإجراءات المعتمدة في إدارة بعثاتها الخارجية.

وشغل الأحمر، منصب القنصل السوري في العاصمة الماليزية كوالالمبور قبل أن يعلن انشقاقه عن نظام الأسد عام 2012، إذ إنه لا يزال بانتظار استكمال إجراءات منحه التأشيرة من الجانب المصري.

وأوضحت المصادر الدبلوماسية لـ «القدس العربي» أن ترشيح الأحمر جاء في إطار إجراءات التبادل الدبلوماسي المعتادة، نافية صدور قرار رسمي بتسميته قائماً بالأعمال، مبينة أن الأحمر، في حال حصوله على الموافقة المصرية ووصوله إلى القاهرة، سيصبح أرفع دبلوماسي سوري موجود في البعثة، الأمر الذي سيجعله قائماً بالأعمال بالوكالة بحكم الأقدمية والرتبة، من دون أن يحمل صفة السفير أو القائم بالأعمال الأصيل.

وفيما يتعلق بإمكانية توليه مهام مندوب سوريا لدى جامعة الدول العربية، أكدت المصادر أن ذلك غير وارد في الوقت الحالي، موضحة أن الاعتماد لدى الجامعة العربية يختلف قانونياً وإجرائياً عن الاعتماد لدى الدولة المضيفة، كما أن الأحمر لم يحصل على كتاب اعتماد من السلطات السورية يخول له شغل هذا المنصب.

الخالدي: دياب لمصر

مع ذلك، قال رئيس منصة القاهرة التابعة لهيئة التفاوض السورية، فراس الخالدي، لـ«القدس العربي»، إن وزارة الخارجية رشحت يحيى دياب لتولي منصب قائم بالأعمال في بعثتها الدبلوماسية في القاهرة، مؤكداً أن السلطات المصرية وافقت على اعتماده ضمن طاقم السفارة السورية.

علماً أن مصادر «القدس العربي» أكدت أن وزارة الخارجية رشحت دياب لتولي منصب قائم بالأعمال في العاصمة الإيطالية روما، في إطار سلسلة التعيينات التي تعمل على استكمالها في عدد من البعثات الخارجية.

وحسب المصادر الدبلوماسية لـ «القدس العربي»، فإن دمشق أرسلت لعدد من العواصم، من بينها أنقرة والرياض والقاهرة وأبوظبي، وعدد من الدول الصديقة، كتب استمزاج بشأن مرشحين من شخصيات تنتمي إلى هيئة تحرير الشام، لشغل مناصب سفراء، مرفقة بالسير الذاتية الخاصة بهم، وذلك في إطار المسار الدبلوماسي المتبع للحصول على موافقة الدول المضيفة قبل إصدار قرارات التعيين الرسمية.

وتابعت: «رغم ما يملكه هؤلاء المرشحون من خبرات سياسية وإدارية، فإنهم يفتقرون إلى السجل والخبرة الدبلوماسية التقليدية التي تنظر إليها الدول المستقبلة باعتبارها معياراً مهماً عند اعتماد السفراء، وهو ما شكل أحد أبرز أسباب عدم قبول بعض الترشيحات لدى بعض العواصم العربية».

ولفتت إلى أن القاهرة رفضت اعتماد محمد طه الأحمد بسبب خلفيته المرتبطة بالتيار الجهادي، موضحاً أن السلطات المصرية لا ترغب في استقبال أو اعتماد سفراء يحملون مثل هذه الخلفيات السياسية أو الفكرية.

وبناء على ذلك، قررت وزارة الخارجية السورية لاحقاً سحب ترشيح محسن مهباش المرتبط بحكومة الإنقاذ سابقاً، من تولي منصب قائم بالأعمال في الرياض خشية تعرضه للرفض، موضحاً أن الجهود الحالية تتركز على استكمال الكوادر القنصلية في المملكة العربية السعودية دون الانتقال إلى مستوى التمثيل السياسي الكامل.

وكذلك سحبت السلطات السورية ترشيح الدبلوماسي السابق عبد اللطيف دباغ لمنصب سفير في أبو ظبي، في خطوة هدفت إلى تجنب إحراج الدبلوماسيين الجدد وإلى عدم إعطاء انطباع بأن الدولة السورية تعتمد حصراً على الدبلوماسيين المنشقين.

الأعراف الدبلوماسية السرية

وأوضحت المصادر أن الدول المستضيفة تقوم عادة بدراسة أسماء المرشحين وسيرهم الذاتية، وفي حال الموافقة ترسل مذكرة سرية تتضمن قبول اعتماد السفير المقترح، الأمر الذي يتيح للسلطات السورية إصدار مرسوم التعيين بصورة رسمية.

وأشارت إلى أن الأعراف الدبلوماسية لا تتضمن عادة إعلان الرفض بشكل مباشر، إذ تلجأ الدول إلى أسلوب أكثر مرونة يتمثل في تأخير الرد أو تجاهل الطلب لفترات طويلة قد تتجاوز الشهرين، وهو ما يفهم دبلوماسياً على أنه عدم قبول للمرشح. وعندها تضطر الدولة المرسلة إلى سحب الترشيح وإبلاغ الدولة المضيفة بأنها ستتقدم باسم بديل في وقت لاحق أو بعد استكمال المشاورات اللازمة.

ورأت المصادر أن وزارة الخارجية السورية وجدت نفسها أمام مأزق يتعلق بآلية اختيار ممثليها الدبلوماسيين في الخارج، إذ تمتلك شخصيات دبلوماسية منشقة تتمتع بخبرة طويلة وسجل مهني معترف به دولياً، في مقابل رغبة سياسية في الدفع بوجوه جديدة تنتمي إلى المؤسسات التي برزت خلال السنوات الماضية في شمال سوريا.

وأوضحت أن شخصيات مثل عبد اللطيف دباغ وحسين صباغ وبسام بربندي كانت ستحظى، على الأرجح، بقبول سريع لدى عدد من الدول بسبب خبرتها الطويلة في العمل الدبلوماسي وسيرتها المهنية المعروفة، إلا أن القيادة السياسية فضلت عدم المضي في هذا الاتجاه خلال المرحلة الحالية.

وأضافت أن هذا الواقع دفع السلطات السورية إلى التريث في إرسال سفراء جدد إلى عدد من العواصم المهمة، والاكتفاء في بعض الحالات بإدارة البعثات عبر قائمين بالأعمال أو من خلال كوادر دبلوماسية محدودة الصلاحيات، الأمر الذي انعكس على مستوى التمثيل الدبلوماسي السوري في الخارج. 

بالأرقام.. تغيير ملفت بخريطة مصر السكانية وسط احتفاء حكومي وانتقاد معارضين

 

الرابط

عربى 21

بالأرقام.. تغيير ملفت بخريطة مصر السكانية وسط احتفاء حكومي وانتقاد معارضين

كشف تقرير رسمي لوزارة الصحة المصرية الثلاثاء الماضي، عن تغيير ملفت في خريطة مصر السكانية، معلنا انكماش المناطق ذات الكثافة السكانية وتراجع عدد المحافظات الأكثر اكتظاظا بالسكان، واستمرار نقص معدلات الإنجاب مسجلا انخفاضا بأعداد المواليد لأول مرة إلى أقل من مليوني مولود خلال 2025.

"الإصدار الثامن من المؤشرات السكانية"، تحدث عن تحسن ملموس بخريطة التنمية السكانية، كاشفا عن انكماش عدد المناطق الحمراء (الأكثر احتياجاً للتدخل) إلى 20 منطقة فقط بنهاية 2025، مقارنة بـ 43 منطقة في الإصدار السابع، نزولا من 74 منطقة بالإصدار السادس.

ومن أبرز نتائج الإصدار الثامن أيضا: ارتفاع عدد المحافظات الخالية تماماً من المناطق الحمراء إلى 13 محافظة بنهاية 2025، مقارنة بـ 3 محافظات في الإصدار السادس، مع تحسن باقي المناطق.

إذ ارتفعت أعداد المناطق المصنفة كـ(صفراء وخضراء) وهي الأفضل تنموياً؛ لتسجل الصفراء 223 منطقة (مقارنة بـ194)، وتصل الخضراء إلى 39 منطقة (مقارنة بـ14 منطقة).

الأرقام التي نقلتها وزارة الصحة عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، أشارت لانخفاض أعداد المواليد العام الماضي تحت حاجز المليونين لأول مرة منذ سنوات، بمعدل مولود كل 15.9 ثانية، مع تراجع معدل المواليد إلى 18.1 في الألف (مقارنة بـ19.4 في الألف عام 2023)، وانخفاض معدل الإنجاب الكلي إلى 2.34 طفل لكل سيدة (مقارنة بـ 2.54 طفل في 2023).

احتفاء حكومي

وجميعها مؤشرات شهدت احتفاءً واسعا من وزارة الصحة والإعلام المصري، حيث تعد وفق رؤية وزير الصحة خالد عبدالغفار: "إنجاز كبير في ضبط معدلات النمو السكاني وتحسين الخصائص الديموغرافية"، وإحدى نقاط نجاح رئيس النظام المصري عبدالفتاح السيسي، الذي دفع مع أول أيامه بالحكم منتصف 2014، نحو خفض معدلات الزيادة السكانية، وتقليص نسب المواليد.

وفي حين أكد رأس النظام المصري مرارا أن النمو السكاني السريع يعيق تنمية البلاد ومواردها؛ تحتل مصر المرتبة الـ13 من حيث عدد سكان العالم، وتعد أكثر بلدان العالم العربي والشرق الأوسط سكانا، وثالث أكثر الدول اكتظاظًا بالسكان في أفريقيا، بعد نيجيريا وإثيوبيا.

كما مثل انخفاض معدلات الخصوبة بشكل ملحوظ بالعقد الماضي، من (3.5) طفل لكل امرأة عام 2014 إلى (2.41) عام 2024، خطوات غير كافية أو مقنعة لحكومة تتحدث عن هدف خفض ذلك المعدل إلى (2.1) عام 2027.

والأربعاء الماضي، قدم وزير التخطيط أحمد رستم إلى مجلسي (النواب، الشيوخ) وثيقة خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية لمدة 3 سنوات، محددةً أولويات الدولة وأهدافها الاستراتيجية، وفي مقدمتها بحسب ما نقله موقع "برلماني"، خفض معدل النمو السكاني تدريجيا ليصل 1.5 بالمئة في (2026/2027)، ثم إلى نحو 1.3 بالمئة خلال (2029/2030).

وبين تشرين الثاني/نوفمبر 2024 وآب/أغسطس 2025، سجلت مصر 1.48 مليون ولادة - بمعدل 5165 ولادة في اليوم، أو ولادة واحدة كل 16.7 ثانية، وفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، في أب/أغسطس 2025.

إلا أن تلك الأرقام وفق مراقبين ومتحدث لـ"عربي21": "تمثل خسارة كبيرة لمصر ومحاولة لتقزيم دولة بحجمها وتاريخها"، منتقدين التوجه الذي يخالف توجه عدد كبير من الدول الصناعية كالصين، والغربية كأغلب أوروبا، والإسلامية مثل تركيا".

منطق عبء لا ثروة

في رؤيته، لخطورة تلك الأرقام على المجتمع المصري وعلى تراجع نسب الشباب وزيادة معدلات الشيخوخة مستقبلا، وحجم الخسائر الاقتصادية المحتملة من مواصلة هذا التوجه، ومدى اعتباره إحدى الإملاءات الغربية، تحدث الخبير في الشؤون السياسية والاستراتيجية، الدكتور ممدوح المنير لـ"عربي21".

وقال إن "احتفال النظام بانخفاض عدد السكان دليل مهانة وتخلف حضاري، ففي حين تقاتل دول توصف بالتمدن والتحضر لزيادة عدد سكانها، وتستخدم عشرات الوسائل للترغيب في الانجاب، والهجرة إليها، واستقبال ملايين اللاجئين، للاستفادة منهم كقوة بشرية تبني الحضارة والعمران؛ للأسف بمصر الوضع معاكس".

وأكد أنه "لذلك فتلك الأرقام لا يجوز قراءتها كـ(إنجاز) مجرد"، مضيفا: "نعم قد يكون ضبط النمو السكاني مطلوب في حالات نادرة؛ ولكن المشكلة أن النظام المصري يتعامل مع الإنسان بوصفه عبئًا على الموازنة لا ثروة وطنية تحتاج تعليماً وصحة وفرص عمل".

ويرى المنير، أن "الخطر ليس في خفض الإنجاب وحده، بل في خفضه داخل دولة تفشل في بناء الإنسان، وتدفع الشباب للهجرة أو البطالة أو اليأس"، مشيرا إلى أن "مصر ليست دولة صغيرة تخشى الزيادة العددية فقط؛ مصر دولة مركزية بالإقليم، وقوتها التاريخية قامت على الكتلة البشرية، والجيش، والسوق، والعمالة، والعمق الاجتماعي".

ولفت إلى أنه "عندما تتحول السياسة السكانية إلى خطاب لوم للفقراء وتحميلهم المسئولية في حين أن النظام ورموزه ينهبون المال العام بلا رقيب؛ يصبح الأمر أقرب إلى تبرئة السلطة من فسادها وفشلها الاقتصادي".

ويعتقد أن "الأزمة ليست أن المصريين ينجبون، بل أن السلطة تهدر الموارد في مشروعات استعراضية وديون ضخمة، ثم تطلب من الأسرة المصرية أن تدفع الثمن".

تحرك حكومي متواصل

وأطلقت وزارة الصحة 5 أيلول/سبتمبر 2023، الاستراتيجية الوطنية للسكان والتنمية (2023-2030)، والتي تضم إحدى محاورها تحفيز المتزوجات على عدم إنجاب أكثر من طفلين بتقديم منحة سنوية 1000 جنيه، بجانب إطلاق حملة "اثنان يكفيان"، فيما تشير الأرقام لزيادة استخدام وسائل تنظيم الأسرة من 66.4 بالمئة عام 2021 إلى 75 بالمئة في 2023.

وفي حزيران/ يونيو 2023، كشف تصريح للطبيبة بمستشفى أبوحمص بمحافظة البحيرة وأمينة المرأة بحزب "حماة الوطن"، بثينة جنيدي، عن تركيب وسائل منع الحمل للنساء في المحافظة عقب الولادة، بدعوى تنظيم النسل، ما أثار جدلا قانونيا وطبيا واسعا.

وفي حين كان عدد سكان مصر حوالي 10 ملايين نسمة عام 1897، تسجل الساعة السكانية 109.094.849 ملايين نسمة، صباح الجمعة، يشكل الذكور 51.4 بالمئة والإناث 48.6 بالمئة، فيما تشير توقعات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء إلى تسجيل نحو 160 مليون نسمة بحلول عام 2072.

مخاطر تلك التغيرات

ويرى المنير، أنه "على المدى البعيد، فإن استمرار الهبوط الحاد في المواليد قد يغيّر الهرم السكاني، حيث تقل نسبة الشباب، وترتفع الشيخوخة، ويضعف سوق العمل، وتزيد أعباء المعاشات والصحة، وتتراجع القدرة الإنتاجية والتجنيدية والاستهلاكية".

ولفت إلى أن "الصين، وأوروبا، وتركيا، اليوم لا تحتفل بانخفاض الخصوبة، بل تخاف منه وتحاول عكسه بالحوافز والدعم الأسري".

ووفق رؤيته فإنه "اقتصادياً، الخسارة المحتملة ليست فقط في عدد السكان، بل في فقدان (العائد الديموغرافي)، موضحا أن "مصر كان يمكن أن تحول كتلتها الشبابية إلى قوة تصنيع وتكنولوجيا وزراعة وخدمات، لكنها حولتها إلى طوابير بطالة وهجرة ودروس خصوصية".

لذلك يؤكد أن "خفض الإنجاب دون نهضة تعليمية وصناعية هو إدارة للفقر لا علاج له".

ووفق منتدى البحوث الاقتصادية (ERF) فقط سجلت مصر عام 1998 طفرة في فئة الشباب (من 10 إلى 19 عامًا)، لتبلغ عام 2006، الذروة الفئة العمرية من (15 إلى 24 عامًا)، وفي عام 2012 بلغت ذروة جيل الشباب الفئة العمرية من (25 إلى 29 عامًا)، وفي عام 2018، بلغت من (30 إلى 34 عامًا)، مع انخفاض عدد السكان في الفئة العمرية من (20 إلى 29 عامًا).

وتتصدر القاهرة أكثر المحافظات اكتظاظا بالسكان، بـ 10.39 مليون نسمة، تليها الجيزة بـ 9.7 مليون، ثم الشرقية في بـ 8.06 مليون نسمة، فيما يسجل الصعيد أعلى معدلات مواليد.

ففي أسيوط (23.8 لكل 1000)، وسوهاج (23.7)، وقنا (22.3)، والمنيا (21.9)، وبني سويف (20.7)، على عكس أدنى المعدلات سجلتها بورسعيد (11.8)، ودمياط (14.3)، والدقهلية (15)، والغربية (15)، والإسكندرية (15.4).

لماذا يدعم الغرب خفض سكان مصر؟

تشارك مؤسسات دولية تابعة للأمم المتحدة مثل: صندوق الأمم المتحدة للسكان، ومنظمة الصحة العالمية، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة، وهيئة الأمم المتحدة للمرأة، بتقديم الدعم الفني، والتمويل، لمصر في ملف السكان.

وتشير الأرقام إلى تمويل الاتحاد الأوروبي "الاستراتيجية القومية للسكان في مصر"، بـ39 مليون يورو، المرحلة الأولى بين (2018 - 2023) بقيمة 27 مليون يورو والمرحلة الثانية (2023-2030) بقيمة 12 مليون يورو، بهدف دعم خطط الدولة لتخفيض معدلات النمو السكاني، وتوفير وسائل تنظيم الأسرة.

وإلى جانب منح الاتحاد الأوروبي، تأتي تمويلات "الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية" لدعم خدمات تنظيم الأسرة، و"الوكالة الإيطالية للتعاون الإنمائي"، التي وقعت اتفاقيات تمويلية مع صندوق الأمم المتحدة للسكان لدعم الصحة الإنجابية، وتحويل أجزاء من الديون الإيطالية والألمانية لمشروعات تمكين المرأة وتنمية الأسرة.

وبشكل خاص يعمل صندوق الأمم المتحدة للسكان، وبدعم من الاتحاد الأوروبي في مصر، لتوسيع نطاق خدمات تنظيم الأسرة، بما في ذلك وسائل منع الحمل وجعلها في متناول الجميع.

وفي كانون الأول/ديسمبر 2023، اختتم مشروع دعم الاتحاد الأوروبي للاستراتيجية الوطنية للسكان في مصر بالتعاون مع الصندوق بعد 5 سنوات عمل بمنحة الـ27 مليون يورو، بمشاركة منظمات دولية بينها "كير" السويسرية، ليعلن الاتحاد الأوروبي عن تمويل برنامج جديد بين (2023-2030).

التمويل الغربي لملف تنظيم الأسرة وخفض معدلات النمو السكاني والخصوبة والمواليد، تعدى المنظمات الدولية، والاتحاد الأوروبي، والوكالات الدولية الأمريكية والأوروبية، إلى دخول شركة "باير"، (Bayer AG) الألمانية -تأسست عام 1863 بمدينة بارمن- هذا الجانب من حياة المصريين.

ففي نيسان/أبريل 2025: أعلنت "باير" وصندوق الأمم المتحدة للسكان تمديد شراكتهما لثلاث سنوات إضافية (2026-2028)، بتقديم مساهمة قدرها 100 ألف يورو من الشركة، مما يزيد إجمالي تمويلها لمصر إلى 170 ألف يورو، مع تبرع بـ 900 ألف يورو.

بين الإملاءات والموقف الوطني

وعن الدور الغربي أو ما يصفه معارضون بـ"الإملاءات الغربية" على مصر في هذا الملف، قال المنير: "يجب التمييز، فلا أقول إن كل تنظيم للأسرة مؤامرة، لكن من الواضح أن هناك تقاطعاً بين خطاب السلطة ومشروعات دولية ممولة تركز على خفض الخصوبة وتغيير أنماط الأسرة".

وأوضح أن "الغرب لا يريد بالضرورة (إبادة ديموغرافية)، لكنه يريد دولة مصرية مستقرة (وظيفياً) تلبي أجندته في المنطقة، قليلة الضغط، قابلة للإدارة، لا دولة ناهضة مكتفية ذاتياً وقادرة على المنافسة الإقليمية".

وفي المقابل، شدد على أن "الموقف الوطني الرشيد لا يكون بالاحتفاء السلطوي بتقليص المصريين"، مؤكدا أن "المطلوب سياسة سكانية متوازنة، عبر دعم الأسرة، وتحسين التعليم، وتشغيل الشباب، وتمكين اقتصادي حقيقي، وعدالة توزيع، ووقف تحميل الشعب نتائج فشل الحكم".

اقرأ أيضا:

سفير مصري سابق بدولة الاحتلال يحذر من محاولات تهويد المسجد الأقصى

وخلص للقول مؤكدا أن "مصر لا تحتاج إلى تقليل المصريين؛ بل تحتاج إلى نظام يحسن إدارة المصريين ويحترمهم ويستثمر فيهم، مصر تحتاج أنت تخفض سكانيا في طبقة المحاسيب وحيتان الفساد؛ هذا هو الانخفاض الديمغرافي الوحيد الذي يصلحها، بدون ذلك فخفض السكان دون تنمية وعائد حقيقي جريمة أمن قومي تضاف لسجلات هذا النظام".

وعبر صفحته بـ"فيسبوك"، قال الناشط المصري مؤمن أشرف، إن "تقليل نسبة الخصوبة من أحط السياسات والحملات الإعلامية في مصر"، مؤكدا أن "الكثافة السكانية ليست مشكلة في مصر ولا لمساحتها ولا مواردها هي فقط مشكلة النظام والدولة"، مشيرا إلى تجارب دول أوروبا وتركيا والهند والصين، بتحفيز سكانها لزيادة الإنجاب.

النائب الأمريكي رو خانا يهاجم نتنياهو بشدة خلال مناقشة مشروع قانون تفويض الدفاع الوطني لعام 2027 بهدف تنسيق وتوسيع التعاون العسكري الأمريكي مع "إسرائيل :

 

النائب الأمريكي رو خانا يهاجم نتنياهو بشدة خلال مناقشة مشروع قانون تفويض الدفاع الوطني لعام 2027 بهدف تنسيق وتوسيع التعاون العسكري الأمريكي مع "إسرائيل :


''بنيامين نتنياهو هو من أصدر الأوامر للكونغرس لإدراج "المادة 224" في قانون تفويض الدفاع الوطني (NDAA) لعام 2027، بهدف تنسيق وتوسيع التعاون العسكري مع "إسرائيل''.

يجب التخلي عن نتنياهو تماماً وإلقائه على الرصيف؛ فالشعب الأمريكي سئم من غطرسته وهو يملي على أمريكا ما ينبغي فعله''.

- "المادة 224" أو "قسم التعاون التكنولوجي الدفاعي بين الولايات المتحدة وإسرائيل" هو بند مثير للجدل تم تضمينه في مسودة مشروع قانون تفويض الدفاع الوطني (NDAA) لعام 2027.

يفرض البند على وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) تعيين "وكيل تنفيذي" لتسريع التعاون الثنائي في التقنيات العسكرية المتقدمة، مثل الذكاء الاصطناعي، والأسلحة الإلكترونية، وأنظمة الدفاع الصاروخي.

أبرز التفاصيل والمواقف المتعلقة بالمادة:

أهداف البند: يسعى لتسهيل دمج التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية، وتعزيز البحث والتطوير المشترك، وتنسيق سلاسل الإمداد.

الجدل والانقسام:

المؤيدون: يرى المشرعون ومجموعات الضغط، مثل AIPAC، أن هذا البند استراتيجي ويعزز الأمن القومي الأمريكي، حيث يتيح للقوات الأمريكية الوصول إلى تقنيات متطورة دون فرض مساعدات مالية جديدة.

المعارضون: يجادل منتقدون ومعارضون للمشروع - من بينهم مشرعون مثل رو خانا وسارة جاكوبس ومراكز أبحاث - بأن هذا الاندماج العسكري والتكنولوجي "غير مسبوق"، ويعمق ارتباط الولايات المتحدة بإسرائيل تقنيًا وسياسيًا، مما يقلل من سلطة الكونغرس الرقابية ويثير مخاوف أمنية وسياسية.

المسار التشريعي: على الرغم من الجدل الحاد ومحاولات بعض النواب تمرير تعديلات لحذف البند، إلا أن لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب صوتت لصالح إبقاءه في مسودة القانون.

تمت الموافقة على مسودة مشروع القانون داخل اللجنة ومن المتوقع أن تستمر النقاشات حول هذا البند مع استمرار مسار التشريع في الكونغرس الأمريكي.