رسوم التقاضي عن بعد في مصر تغضب المحامين… وحديث عن تسليع القضاء
500 جنيه لحضور الجلسة و2500 لتلقي رسائل متابعة القرارات
التكلفة النهائية سيتحملها المواطن، فالمحامي سيحسب تكاليف إقامة الدعوى وحضور الجلسات وتصوير أوراق القضية قبل أن يضع عليها أتعابه
القاهرة – “القدس العربي”: في الوقت الذي تستعد المحاكم المصرية لتطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد في أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، أطلقت وزارة العدل منصة رقمية جديدة ضمن منظومة التقاضي عن بعد.
وقالت إن إطلاق منصة خدمات المحامين الرقمية، وفتح باب التسجيل فيها، يأتي تمهيداً لتفعيل خدمات التقاضي الجنائي عن بعد كجزء من تطبيق أحكام قانون الإجراءات الجنائية الجديد.
وحسب المحامين الذين حاولوا التسجيل عبرها، تشترط المنصة سداد 500 جنيه كرسم اشتراك سنوي للمحامي، يضاف إليها 500 جنيه أخرى كرسم حضور للجلسة الواحدة عن بعد في حالة الجنايات، و100 جنيه لحضور جلسة تجديد الحبس.
كما تحصل المنصة رسمًا بقيمة 10 جنيهات مقابل تصوير الورقة الواحدة من ملف القضايا الجنائية، فضلًا عن طرح باقة رسائل نصية تضم 500 رسالة مقابل 2500 جنيه لمتابعة قرارات الجلسات فور صدورها.
وتتطلب المنظومة شحن رصيد يُخصم منه مقابل الخدمات، سواء حضور الجلسات أو تجديد الحبس أو طلب التصوير.
القرارات الجديدة أثارت استياء المحامين الذين اعتبروها تمثل عبئاً جديداً على المحامين وحق المواطنين في التقاضي.
وقال أحد المحامين، دون كشف هويته لـ”القدس العربي”، إن التكلفة النهائية سيتحملها المواطن، فالمحامي سيحسب تكاليف إقامة الدعوى وحضور الجلسات وتصوير أوراق القضية قبل أن يضع عليها أتعابه.
وأضاف أن الأزمة الأكبر ستتعلق بجلسات تجديد حبس المتهمين في قضايا سياسية، الذين تستمر فترة حبسهم سنوات وتنعقد جلسات تجديد الحبس كل 45 يوماً، ما يمثل عبئاً على أسر المعتقلين والمحامين المتطوعين للدفاع عنهم.
وكذلك، قال المحامي عمرو الخشاب، عضو مجلس النقابة العامة للمحامين، إن المحامي “أصبح في كثير من الأحيان أمام أمر واقع يفرض عليه دون الاستعانة بالمتخصصين أو إجراء الدراسات اللازمة أو توفير التأهيل المطلوب، رغم كونه عنصراً رئيسياً في منظومة العدالة”، على حد تعبيره.
وأضاف، في منشور عبر حسابه على “فيسبوك”، أن المحامي هو “قائد المنظومة، ولا يمكن إتمام إجراءات التقاضي والاستفادة من الخدمات المرتبطة بها من دونه، ومع ذلك، يتم وضعه بصورة مستمرة أمام قرارات مفروضة عليه”.
وأكد أن المحاماة رسالة ومهنة عظيمة، مشدداً على أن نقابة المحامين لم تطلب ولم توافق على ما وصفه بــ”استكمال مسلسل الرسوم الجائرة” المتعلقة بالتقاضي الإلكتروني.
وبيّن أن الرسوم المفروضة على التقاضي الإلكتروني تخالف الدستور والقانون، معتبرًا أنها تضع المحامي في موقف من “التربص” على حد تعبيره، أثناء أداء رسالته التي يكفلها له الدستور والقانون.
وشدد على ضرورة مراعاة طبيعة مرفق التقاضي، قائلًا إن على القائمين على المنظومة إدراك أن التقاضي يمثل أولوية، وأنه “مرفق خدمي وليس مرفقاً استثمارياً”.
واختتم الخشاب منشوره بالتأكيد على أن القرارات المرتبطة بمنظومة التقاضي يجب أن تراعي دور المحامي باعتباره أحد العناصر الأساسية في منظومة العدالة، وأن يتم اتخاذها بعد دراسة وتأهيل والاستعانة بالمتخصصين، بدلاً من فرضها كأمر واقع.
دعوى قضائية
القرارات الجديدة دفعت عدداً من المحامين، بينهم خالد علي، لإقامة دعوى قضائية أمام مجلس الدولة، طعناً على الرسوم التي قررت وزارة العدل فرضها على المحامين مقابل حضور جلسات التحقيق والتقاضي عن بُعد.
وقال مقيمو الدعوى إن هذه المبالغ تمثل رسوماً جديدة وإضافية وإجبارية، يتم استيفاؤها من كل من يمارس مهنته من خلال منظومة التقاضي عن بُعد، بموجب قانون الإجراءات الجنائية الجديد المقرر بدء سريانه في الأول من أكتوبر/ تشرين الأول المقبل.
وأوضحوا أن الدخول إلى المنصة ليس أمراً اختيارياً للمحامي، وإنما يمثل السبيل الوحيد لممارسة مهنته والدفاع عمن يمثله عند إجراء التحقيق أو عقد جلسة لتجديد الحبس أو المحاكمة عن بُعد، وهو ما يعني، حسب الدعوى، إلزام المحامي بسداد الرسوم التي أعلنتها وزارة العدل دون صدور قانون بفرضها.
وأضاف مقيمو الدعوى أن الاعتراض لا يتعلق فقط بقيمة الرسوم، وإنما بمبدأ فرضها بغير سند تشريعي، مشيرين إلى أنه في ظل غياب الضابط القانوني الذي يحدد معيار هذه الرسوم والجهة المختصة بفرضها وضمانات حقوق المتهم والدفاع، لا يوجد ما يمنع من زيادتها مستقبلًا دون حدود.
كما استندت الدعوى إلى ما استقر عليه قضاء المحكمة الدستورية العليا من أن الحق في التقاضي يقتضي تمكين كل متقاضٍ من النفاذ إلى القضاء نفاذًا ميسرًا لا تثقله أعباء مالية ولا تحول دونه عوائق إجرائية، وأن حق الدفاع لا ينفصل عن حق التقاضي، باعتبارهما حقين متكاملين في ضمان الوصول إلى العدالة.
وأشارت الدعوى كذلك إلى المادة 38 من الدستور، التي تنص على أنه لا يجوز تكليف أحد أداء غير ذلك من الضرائب، أو الرسوم، إلا في حدود القانون.
ووفقاً لما ورد في الدعوى، فإن تحديد هذه الرسوم وفرضها بقرار من وزارة العدل يمثل غصباً لسلطة المشرع، باعتبار أن إنشاء الرسوم وفرض الأعباء المالية العامة يجب أن يتما وفق الأداة التشريعية التي حددها الدستور.
واستند الطاعنون في هذا الشأن إلى حكم دائرة توحيد المبادئ بالمحكمة الإدارية العليا في الطعن رقم 7402 لسنة 44 قضائية، الصادر بتاريخ 3 يوليو/ تموز 2003، والذي تناول مسألة تطوير مرفق القضاء باستخدام الوسائل التكنولوجية الحديثة، وانتهى إلى أن مواجهة متطلبات العصر والاستفادة من الثورة العلمية والتكنولوجية وتطوير عمل الهيئات القضائية لا يكون إلا من خلال تدخل المشرع بزيادة الرسوم القضائية لتقرير مساهمة المتقاضين في نفقات تلك الخدمات، إعمالًا لمبدأ الشرعية وسيادة القانون.
وقالت الدعوى إن الرسوم محل الطعن تمثل عائقاً أمام المدعين والمتقاضين وعبئاً مالياً إضافياً عليهم، إلى جانب الأعباء المالية الأخرى.
كما تمسكت الدعوى بما وصفته بانحدار القرار المطعون عليه إلى العدم لمخالفته نصوص وأحكام القانون، مستندة في ذلك إلى أحكام سابقة للمحكمة الإدارية العليا ومحكمة القضاء الإداري بالإسكندرية.
وأكد مقيمو الدعوى أن تحركهم لا يستهدف الدفاع عن حقوق المحامين فحسب، وإنما يستهدف، بحسب ما أعلنوه، الدفاع عن حقوق المتهمين وضمان الحق في التقاضي وحق الدفاع.
تسليع القضاء
إلى ذلك، أصدرت مؤسسة دعم العدالة في المركز العربي لاستقلال القضاء ورقة قانونية بعنوان “تسليع العدالة… انتهاك الحق في الوصول للعدالة”.
تناولت الورقة، وفق بيان، مفهوم الرسوم القضائية والمرجعية الحقوقية للحق في التقاضي والوصول للعدالة. كما تناولت القواعد الدستورية والقانونية للرسوم القضائية.
واستعرضت الورقة أمثلة من الزيادات غير المشروعة للرسوم القضائية منذ 2018 والتي فرضت بقرارات إدارية من رؤساء المحاكم ورؤساء النيابات بالمخالفة للدستور والقانون والتي تنتهك حق المواطنين في الوصول للعدالة والإنصاف.
وانتهت الورقة إلى ضرورة إلغاء تلك الرسوم، وطلبت أن تقوم نقابة المحامين بمواجهة الزيادة غير القانونية للرسوم القضائية والدفاع عن حق المواطنين في التقاضي بلا تمييز، خاصة الفقراء غير القادرين على سداد تلك الرسوم المبالغ فيها.
تحرك برلماني
وتقدم بسام الصواف، عضو مجلس النواب عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، بسؤال برلماني موجه إلى رئيس مجلس الوزراء ووزير العدل بشأن رسوم التقاضي عن بُعد وأثرها على الحق في التقاضي والدفاع.
وقال في سؤاله: شهدت منظومة العدالة خلال الفترة الأخيرة توسعاً متزايداً في فرض الرسوم والمقابلات المالية المرتبطة بإجراءات التقاضي واستخراج المستندات والصور وتنفيذ الأحكام، وصولاً إلى استحداث رسوم جديدة على خدمات التقاضي عن بُعد، بما يثير تساؤلات جوهرية حول الحدود القانونية والدستورية لفرض هذه الأعباء، ومدى تأثيرها على قدرة المواطن على الوصول إلى القضاء ومباشرة حقوقه والدفاع عنها.
وأضاف أنه، خلال مارس/ آذار 2025، صدرت قرارات تنظيمية عن جهات إدارة المحاكم تضمنت استحداث ورفع المقابل المالي لعدد كبير من الخدمات القضائية المرتبطة بإجراءات التقاضي، شملت نحو 33 خدمة، من بينها قيد الدعاوى، واستخراج صور الأحكام، وشهادات الجدول، ومراجعة ملفات القضايا، ونسخ الحوافظ، والإعلان والتنفيذ، والخدمات الممكنة.
وتابع: “لم تقتصر الزيادات على نسب محدودة، بل وصلت في بعض الخدمات إلى نسب تتراوح بين 200 و500%، لترتفع تكلفة بعض الإجراءات البسيطة من عشرات الجنيهات إلى مئات الجنيهات، بينما أصبحت تكلفة الدعوى الواحدة، من بدايتها وحتى تنفيذ الحكم، قد تصل إلى آلاف الجنيهات، بخلاف أتعاب المحاماة والانتقالات”.
وأضاف: “امتد الأثر إلى تصوير المستندات القضائية، حيث تصل تكلفة تصوير الورقة الرسمية في بعض الملفات الجنائية إلى 40 جنيهاً للورقة الأولى و35 جنيهاً لما يليها، بما يعني أن تصوير ملف مكون من ألف ورقة قد يتجاوز 35 ألف جنيه”.
ولفت إلى أن الأمر امتد إلى منظومة التقاضي عن بُعد، حيث تم الإعلان مؤخراً عن رسوم تفرض على المحامين نظير حضور جلسات التحقيق أو المحاكمة عن بُعد، وأن خطورة هذه الرسوم تزداد مع بدء تطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد، إذ أصبح استخدام المنظومة الإلكترونية هو الطريق اللازم لمباشرة الدفاع في الحالات التي تتم فيها إجراءات التحقيق أو المحاكمة عن بُعد، بما يجعل سداد هذه المقابلات المالية شرطاً عملياً لممارسة المهنة ومباشرة حق الدفاع.
وأكد أن تطوير مرفق القضاء والتحول الرقمي هدفان لا خلاف عليهما، لكن لا يجوز أن يتحول تطوير العدالة إلى تكلفة إضافية تمنع المواطن من الوصول إليها، ولا يجوز أن تصبح التكنولوجيا باباً جديداً لفرض رسوم لا تستند إلى قانون.
“التقاضي ليس سلعة”
وواصل: “العدالة ليست خدمة رفاهية، والتقاضي ليس سلعة، وحق الدفاع لا ينبغي أن يكون مرهوناً بالقدرة المالية، والمطلوب هو تحقيق التوازن بين تطوير منظومة العدالة وضمان استدامتها من ناحية، وبين صون الحقوق الدستورية للمواطنين وعدم تحويل الرسوم والإجراءات إلى حواجز تحول بينهم وبين القضاء من ناحية أخرى”.
وطالب الصواف الحكومة بتوضيح السند الدستوري والقانوني للزيادات واستحداث الرسوم والمقابلات المالية التي فرضت على خدمات التقاضي واستخراج المستندات، والأساس القانوني لفرض الرسوم المقررة على خدمات التقاضي عن بُعد.
القدس العربي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.