الأربعاء، 21 أكتوبر 2026

مصر في متاهة المستقبل

 

العربي الجديد


مصر في متاهة المستقبل


من يستمع إلى خطاب القابضين على الحكم في مصر يشعر وكأنهم لم يغادروا صيف العام 2012، منذ انقضوا على السلطة في أكبر عملية خداع للجماهير بسيل من وعود الرفاهة والحرية والأمان الاقتصادي والدولة المدنية الديمقراطية. الحديث الموجّه إلى الناس بعد 13 عاماً من الهيمنة المطلقة علي كل شيء يكاد يكون اجتراراً لأحاديث الفزع والترويع من ذلك العدو الخرافي الذي يقف على الأبواب متأهبًا لافتراس البلاد والعباد، والذي لا نجاة منه إلا بتمسّك الشعب بحاكميه واعتبارهم من مقدسات الوطن التي دونها الفناء.

استدعاء فزاعة الإخوان، وأهل الشر، بعد كل هذا الحديث الغزير عن التنمية والإنجازات الخارقة وامتلاك القدرة المطلقة، يبدو نوعاً من النكوص الذي يصيب الأنظمة الحاكمة فيجعلها مثل طفلٍ لا يزيد عمره العقلي عن عشر سنوات، حيث تحكم الخرافة ويتحكم الوهم، فتنظر إلى الشعوب وكأنها مجموعات من الجهلاء والعميان بالإمكان مخاطبتهم بأشياء تنتمي بالكلية إلى اللامعقول، أو تأتي من عصور ما قبل اكتشاف القوانين والدساتير المنظمة للمجتمع، وتزداد غرائبية الحالة حين يمتزج هذا الخطاب بكلام عن قدسيّة الدستور الذي لا يمسّ والتقدم الهائل على سلم التحضر والذي لا ينبغي السماح لأحد بتعطيله. مدهش أن التوسع الشديد في الحديث عن تضخم عضلات الدولة وقدراتها الفائقة وتطورها الفكري والسياسي يقابله توسع أشد في النظر إلى شعب هذه الدولة باستخفافٍ كثيرٍ يصل حد الاستحمار، فيقال لهم مجدّداً إن معيار الانتماء الحقيقي والمواطنة الصالحة دفاع الجماهير عن سلطة حاكميها المطلقة، والتضحية من أجلهم، أو بنصّ عبارة عبد الفتاح السيسي "الكل يمشي بس مصر تقعد، لو عايز تعرف بلدك وتطمن عليها لازم تطمن على القائمين عليها وتشوفهم بيحاولوا يحلوا مشاكل كانت عسيرة على الحل ولا لأ.. في هذا المنتدى حبينا نستعرض كنا فين وبقينا فين.. ركّزوا معاه وتابعوا اللي بيتقال".

والمنتدى هو تلك الحملة الدعائية المنعقدة أسبوعاً والمخصّصة للحديث عن روعة النظام وحلاوة إنجازاته، وكأنهم داخلون على معركة انتخابية طاحنة غداً لمنافسة أشباح ليست موجودة إلا في عقل السلطة الحالية. ذروة استصغار الشعب والاستخفاف به أن يقول له الحاكم الحالي إنه قرّر العمل على تأمين مستقبل سعيد للجماهير بمصادرة حقها في انتخاب من تفضّله، إذ لا معنى لصناعة حكام للمستقبل على عين حاكم الحاضر وطبقاً لشروطه ومواصفاته، ثم تدريبهم عسكرياً لمزاولة الحكم على طريقته، من دون خروج على الخطوط التي يرسمها، لا معنى لذلك سوى أننا بصدد اغتيال لمفهوم الانتخاب وحرق لأي احتمالية لممارسة ديمقراطية في المستقبل، كما أن اشتراط الحصول على الدكتوراة فيمن يتم انتقاؤهم لتعلم أصول الحكم المدني على أيدي العسكريين هو بحد ذاته نوع من الفانتازيا التي تتجاوز عوالم جورج أورويل وغارسيا ماركيز وصموئيل بيكيت شخصياً.

افتراض أن الوطن من دون زعيم فخيم وقائد ملهم هو والعدم سواء فكرةٌ تنتمي بالكلية إلي عالم ما قبل اختراع الدولة بالمفهوم القانوني، إذ نجد أنفسنا مرّة أخرى أمام حالة مستعصية من الكهنوت السياسي، تقوم على عقيدة فاسدة يراد تسويقها للناس عن حلول الوطن في الزعيم الذي يسلك وكأنه يقول "أنا الوطن والوطن أنا"، على طريقة الحلاج الذي مات مقتولاً مصلوباً بتهمة التجديف في الذات الإلهية.

مذهلٌ أن كل هذا الإلغاء لحق الشعب في تحديد مسارات المستقبل السياسي يدور في سياق التأسيس لمستقبل ديمقراطي، وكأنّنا أمام وطن وقع على رأسه فاختلت مراكز الإدراك والتفكير فيه، وصار يتخبّط في سيره وفي كلامه، وهو يظنّ أنه ينثر على الناس زهوراً من الحكمة والجدارة. أو كأن "الزعيم الملهم والقائد الساحر يستخرج من قبعة الدكتاتورية أرنبا اسمه الديمقراطية"، والاقتباس من كتاب "الطاغية" لأستاذ الفلسفة فخامة الدكتور إمام عبد الفتاح إمام.

الرابط

https://ajd.jrls.me/opinion/%D9%85%D8%B5%D8%B1-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D8%AA%D8%A7%D9%87%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%AA%D9%82%D8%A8%D9%84?utm_source=alaraby.co.uk&utm_medium=edgs.co

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.