السبت، 3 أكتوبر 2026

جلسة طارئة وتعديل مفاجئ.. لماذا تراجعت الحكومة والبرلمان عن تطبيق «الإجراءات الجنائية»؟

 

الرابط

مدى مصر

جلسة طارئة وتعديل مفاجئ.. لماذا تراجعت الحكومة والبرلمان عن تطبيق «الإجراءات الجنائية»؟


وافق مجلس النواب، برئاسة المستشار هشام بدوي، اليوم، وقوفًا، على مشروع قانون مقدم من عضو الهيئة العليا لحزب مستقبل وطن، النائب هشام الحصري، و62 نائبًا آخرين، لإرجاء تطبيق قانون الإجراءات الجنائية رقم 174 لسنة 2025 إلى بداية السنة القضائية بعد المقبلة في أول أكتوبر 2027.

ويهدف الإرجاء إلى التأكد من جاهزية المنظومة الإلكترونية سواء للإعلان أو التقاضي عن بعد وقواعد البيانات ووسائل الربط وكل ما يتعلق برقمنة إجراءات التقاضي، فيما جاء مشروع القانون مكونًا من مادة واحدة، بخلاف مادة النشر، تنص على تعديل المادة السادسة من قانون الإجراءات الجنائية رقم 174 لسنة 2025  الصادر في 12 نوفمبر 2025 لتتضمن استبدال عبارة «الأول من أكتوبر 2027» بعبارة «الأول من أكتوبر التالي لتاريخ نشره».

وأثار القانون تساؤلات بعض النواب خلال الجلسة العامة واجتماع لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية اليوم، عن هوية الجهة التي قررت إرجاء تطبيق القانون قبل ساعات من سريانه، بالرغم من تقديم «مستقبل وطن» للمشروع، خاصة أن وزارة العدل، المعنية بالتطبيق، أصدرت عدة قرارات تنظيمية منذ أغسطس الماضي، عبّرت خلالها عن جاهزيتها لتطبيق المنظومة الإلكترونية التي يتضمنها القانون الجديد، فضلًا عن تساؤلات أخرى بشأن أسباب دعوة رئيس الجمهورية مجلس النواب لجلسة طارئة اليوم، الأربعاء، إذا كان مشروع القانون من إعداد النواب أنفسهم وليس السلطة التنفيذية.

وقال وزير العدل، هاني حنا، خلال اجتماع اللجنة التشريعية اليوم، إن وزارته توافق على إرجاء تطبيق القانون لمزيد من الجاهزية، موضحًا: «هناك محاكم تم تجهيزها، وبعض المحاكم، مثل محاكم استئناف الجنايات، تحتاج إلى جاهزية».

وكانت وزارة العدل أعلنت، في 30 أغسطس الماضي، انتهاءها من إعداد وتجهيز قاعات المحاكم وقاعات التدريب اللازمة لتطبيق المنظومة، بالتنسيق مع محاكم الاستئناف ونقابة المحامين، بما يضمن توافر الجاهزية الفنية والبشرية واللوجستية المطلوبة.

وفي التاسع من سبتمبر الجاري، أعلنت الوزارة الانتهاء الكامل من تدريب قضاة محاكم الجنايات، وأمناء سر الجلسات، والمحامين في دوائر محاكم استئناف القاهرة والإسكندرية وطنطا وأسيوط، على المنظومة الرقمية المستحدثة للتقاضي عن بُعد، مع استمرار خطتها التدريبية والتوعوية المكثفة. كما أعلنت الانتهاء، خلال الشهر نفسه، من تدريب القضاة والمحامين وأمناء سر الجلسات بنطاق محاكم استئناف المنصورة وبني سويف وقنا، بما يكفل، وفقًا لإعلانها، الجاهزية الكاملة لكافة الدوائر القضائية على مستوى الجمهورية تزامنًا مع بدء العمل بقانون الإجراءات الجنائية.

ولكن، خلافًا للحديث عن جاهزية المنظومة، كشف مصدر بالأمانة العامة لمجلس النواب لـ«مدى مصر» أن قرار تأجيل إقرار القانون جاء بناءً على تقارير أمنية وتوصيات من جهاز الأمن الوطني بوجود مبررات تتطلب تعطيل تنفيذ عدد من المواد، أبرزها المادة 363، الخاصة بتقييد سلطة محاكم الجنايات في الأمر بالقبض على المتهمين وضبطهم وإحضارهم وحبسهم احتياطيًا، بالمادة 124 من القانون، التي تحدد الحدود القصوى الإجمالية للحبس الاحتياطي، وهي أربعة أشهر في الجنح، و12 شهرًا في الجنايات، و18 شهرًا إذا كانت العقوبة المقررة للجريمة هي السجن المؤبد أو الإعدام. فقد يترتب على تطبيق هذه الحدود، وفقًا للمصدر، أثر فوري يلزم جهات التحقيق والمحاكمة بالإفراج عن مئات المحبوسين احتياطيًا الذين تجاوزوا مدد الحبس الاحتياطي المنصوص عليها في القانون.

المحامي الحقوقي ومؤسس مركز تبيان للحقوق والحريات، نبيه الجنادي، من جانبه، يرى أن تأجيل سريان قانون الإجراءات الجنائية لعدم جاهزية النظام الحكومي للمحاكمات عن بُعد «أمر إيجابي وحقيقي»، لكنه يؤكد لـ«مدى مصر»، أنه ليس السبب الرئيسي وراء الإرجاء، مشددًا على أن الاحتجاجات الجماعية للمحبوسين احتياطيًا على ذمة قضايا إرهاب، التي شهدتها محكمة بدر خلال الأسبوع الأخير من سبتمبر الجاري، هي السبب الأول، بحسب تقديره.

ويشير الجنادي إلى أنه شهد بنفسه ثلاثة احتجاجات متتالية بمحكمة بدر، في جلسات محكمة الإرهاب بسجن بدر برئاسة المستشار وجدي عبد المنعم، خلال ثلاثة أيام متتالية بالأسبوع الأخير من سبتمبر الجاري، بسبب يأس المتهمين من عدم إنهاء فترة حبسهم إحتياطيًا، موضحًأ أن الاحتجاجات طرق خلالها عشرات المساجين على الحوائط الزجاجية للقفص داخل قاعة المحكمة. ففي اليوم الأول، طرق المساجين على الزجاج بعد انتهاء الجلسة ومغادرة القاضي قاعة المحكمة، مع ترديد كلمة «حرية» بصوت عالٍ. وفي اليوم الثاني، كسروا الكاميرات الموجودة داخل القفص الزجاجي مع ترديد الهتاف نفسه. وفي اليوم الثالث، طرقوا على الزجاج بقوة ورددوا الهتاف بمجرد اعتلاء رئيس المحكمة المنصة.

ويضيف الجنادي أن القاضي طالب المتهمين بالصمت حتى يبدأ الجلسة، غير أنهم لم يستجيبوا. وكرر القاضي طلبه، ثم طلب من أحد المحامين التطوع لدخول القفص الزجاجي لتهدئة السجناء، إلا أن أيًا من المحامين لم يستجب. فنادى القاضي ثلاثة متهمين داخل القفص وأمر بإخراجهم، وقال لهم إنه أخرجهم من القفص لأنهم محامون ويعرفون خطورة الإخلال بنظام الجلسة وإهانة القضاء وتعطيل عمله، وإن أمامهم فرصة لتوعية السجناء، وإلا سيصدر أحكامًا بحبس كل من في القفص بتهمة إهانة القضاء.

ووفقًا للجنادي، بعد ذلك توقف غالبية المحبوسين عن الطرق، قبل أن يأمر القاضي بإخراج متهم يُدعى طارق محمد مصطفى، ويعلن حكم المحكمة بحبسه ثلاث سنوات بتهمة الإخلال بنظام الجلسة بعدما شاهده القاضي يطرق على الزجاج.

ويؤكد مؤسس مركز تبيان للحقوق والحريات أن حالة الغليان واليأس التي عبّر عنها المتهمون في سجن بدر هي السبب الحقيقي وراء إرجاء تنفيذ القانون، موضحًا أن كثيرًا من المحامين عولوا على قانون الإجراءات الجديد وخصوصًا المادة 124 (المتعلقة بالحدود القصوى للحبس الاحتياطي) في إخلاء سبيل موكليهم. ويضيف أن المتهمين أرادوا تذكير المحكمة بحتمية إخلاء سبيلهم بعد إقرار القانون في ظل أن كثيرًا منهم جاوزت مدد حبسهم احتياطيًا خمس سنوات، محذرًا من انتشار أعمال العنف في السجون بسبب اليأس من العدالة. 

كما يشدد على أن الحكومة والبرلمان، اللذين دافعا عن تنفيذ القانون رغم ما وصفه بـ«المواد المعيبة به»، هما نفسيهما من يقرران إرجاء تنفيذه الآن، لعدم تغيير سياسة الحبس الاحتياطي والاحتجاز غير القانوني للمتهمين، وخاصة السياسيين منهم.

يتفق مع الجنادي المحامي أسعد هيكل، موضحًا لـ«مدى مصر» أن كافة محاولات تجميل قانون الإجراءات الجنائية باءت بالفشل. كما يؤكد أن الحكومة والبرلمان، بعد أن دافعا عن تطبيق القانون، وجدا نفسيهما في مأزق وحرج كبير، لأنه سيضع القضاة في مواجهة مسألة الإفراج عن المحبوسين احتياطيًا الذين تجاوز بعضهم خمس أو سبع سنوات بالحبس، أو مخالفة القانون الذي دافعت عنه الحكومة والبرلمان من قبل.

وكان أعضاء لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية قد تسلموا رسالة إلكترونية في التاسعة والربع من مساء أمس، من رئيس اللجنة التشريعية، المستشار محمد عيد محجوب، يخبرهم فيها بعقد اجتماع للجنة صباح اليوم، الأربعاء، لمناقشة مشروع قانون وصفه بأنه «مهم وعاجل». وتبع الأمين العام لمجلس النواب، المستشار أحمد مناع، تلك الرسالة بأخرى إلى جميع أعضاء المجلس بعد دقيقتين، أخبرهم فيها بصدور قرار جمهوري، لم يحدد رقمه، بدعوة مجلس النواب لعقد جلسة طارئة صباح الأربعاء، دون تحديد السبب.

وعلى الرغم من إعلان عدد من النواب أن الجلسة تهدف إلى إرجاء تنفيذ قانون الإجراءات الجنائية، فإن كثيرين حددوا الآلية في إرسال السلطة التنفيذية، ممثلة في رئيس الجمهورية أو مجلس الوزراء، مشروع قانون بالتأجيل. إلا أن نواب اللجنة التشريعية فوجئوا، خلال مناقشة مشروع القانون اليوم، بأنه مقدم من نواب بحزب مستقبل وطن، ما أثار انتقادات من عدد من نواب المعارضة، فتساءلت وكيلة لجنة القوى العاملة بالمجلس راوية مختار: «هل الحكومة استشعرت الحرج  من عدم جاهزيتها لتطبيق القانون؟ وهل النائب هشام الحصري وباقي النواب عرفوا فرفعوا الحرج عن الحكومة وقدموا مشروع القانون؟» فيما وجهت رئيسة الهيئة البرلمانية لحزب الإصلاح والتنمية، إيرين سعيد، استفسارًا عما إذا كان قرار الإرجاء جرت مناقشته مع النواب والحكومة قبل الدعوة إلى الجلسة الطارئة، مشددة على أن «هذا السيناريو يضر بمصداقية المجلس.. لما نبدأ دور انعقاد نقول فيه للمواطن الحكومة تعرض إنجازاتها، أولها هو التراجع عن الدستور الثاني للبلاد بهذه الطريقة».

قال وزير العدل خلال اجتماع اللجنة التشريعية اليوم: «الحكومة جاءت لإبداء رأيها في مشروع قدمه النواب وليس الحكومة».

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد رفض التصديق على مشروع قانون الإجراءات الجنائية الذي سبق أن وافق عليه مجلس النواب في فبراير 2025، وأعاده في 21 سبتمبر من العام نفسه إلى مجلس النواب لإدخال تعديلات تضمن تحقيق مزيد من الضمانات لحرمة المسكن ولحقوق المتهم أمام جهات التحقيق والمحاكمة، وزيادة بدائل الحبس الاحتياطي للحد من اللجوء إليه، إضافة إلى إزالة أي غموض في الصياغة يؤدي إلى تعدد التفسيرات أو وقوع مشكلات عند التطبيق على أرض الواقع، وإتاحة الوقت المناسب أمام الوزارات والجهات المعنية لتنفيذ الآليات والنماذج المستحدثة، وهو ما تبعه إدخال البرلمان تعديلات طفيفة على القانون وإعادة إرساله إلى الرئيس الذي أصدره في نوفمبر 2025.

مدير المركز العربي لاستقلال القضاء والمحاماة، ناصر أمين، يرى بدوره أن تأجيل تطبيق قانون الإجراءات الجنائية لا يعفي الحكومة المصرية من التزاماتها بضرورة الإفراج الفوري، دون قيد أو شرط، عن جميع المحبوسين احتياطيًا الذين تجاوزت فترات حبسهم 18 شهرًا، مشددًا لـ«مدى مصر» على أن المادة 124 من قانون الإجراءات الجنائية المؤجل تُعد، بحسب تفسيره، من الأحكام الموضوعية التي لا يتوقف تطبيقها على موعد سريان القانون، ويمكن تنفيذها فور نشر قانون التأجيل في الجريدة الرسمية.

ويقول أمين إن النائب العام المصري دون غيره يتحمل كامل المسؤولية، وفقًا لرأيه، عما وصلت إليه أوضاع الحبس الاحتياطي المطول، بما يقتضي منه ضرورة الإسراع في إنهاء فحص ملفات المتهمين الذين تتجاوز فترات حبسهم الاحتياطي الحد الأقصى البالغ 18 شهرًا، وفقًا للقانون الجديد، والإفراج عنهم فورًا.

ويعتبر مدير المركز العربي لاستقلال القضاء والمحاماة، الذي سبق أن طالب الحكومة في 20 سبتمبر الجاري بتأجيل تطبيق القانون لمدة عام آخر ضمانًا لحسن سير العدالة وإدارتها، أن التأجيل «فرصة» يجب أن يتبعها، من وجهة نظره، إعادة فتح حوار مجتمعي حول مواد القانون، بغرض إعادة صياغته وفقًا لمعايير المحاكمة العادلة والمنصفة، والتأكد من حفاظ مواده وأحكامه على التوازن بين المصلحة العامة وحقوق وحريات الأفراد وحقهم في التمتع بقرينة البراءة.

ويشدد أمين على أن تأجيل تطبيق القانون هو «فرصة جيدة لإنقاذ سمعة النظام القضائى المصرى الذى لم يعد يتحمل الإساءة إليه أكثر مما هو عليه، والذى يحتل ترتيبًا شديد التراجع فى مؤشرات سيادة القانون والعدالة على مدار السنوات العشر الأخيرة».

قابل قانون الإجراءات الجنائية اعتراضات قانونية وبرلمانية وحقوقية واسعة على مواده لمخالفة عدد من مواده للدستور، فضلًا عن عدم تعامله مع أزمة طول الحبس الاحتياطي وتدوير المتهمين، بخلاف إهداره بعض ضمانات حق المتهم والدفاع أثناء التحقيق، والتي تخطاها مجلس النواب بفضل أغلبيته الموالية للدولة.

وبعد إرجاء سريان قانون الإجراءات الجنائية الجديد، يعود العمل بالقانون القديم رقم 150 لسنة 1950، المعمول به منذ 76 عامًا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.