الثلاثاء، 20 أكتوبر 2026

“أزمة” الحلف الطبقي الحاكم و “فرص” المعارضة

 

بيان الاشتراكيون الثوريون:

“أزمة” الحلف الطبقي الحاكم و “فرص” المعارضة


أثارت تصريحات السيسي الأخيرة موجة واسعة من التكهنات والتحليلات. فقد أعلن أنه لن يغيّر الدستور وأنه سيترك منصبه في نهاية مدته عام 2030، ثم أتبع ذلك بخطة هزلية عن دورة تدريبية عسكرية لتأهيل خلفائه المحتملين، تقتصر على من تختارهم الأكاديمية العسكرية من حملة الدكتوراه بين سن الأربعين والخمسين، ليُنتقى من بينهم من يتولى الرئاسة من بعده.

غير أن غالبية ما قيل في تفسير هذه التصريحات يفتقر إلى أي معلومات ملموسة عن أسبابها الحقيقية. فالبعض رآها مجرد مناورة، إما لتمرير قرار المشاركة في الحرب على اليمن، وإما لامتصاص الغضب المتنامي من الغلاء والأزمة الاقتصادية الطاحنة. وأبدع آخرون في تأليف نظريات المؤامرة، تارةً عن قوى خارجية وتارةً عن مؤسسات وقيادات عسكرية وأمنية.

ولعل المفيد أن نبدأ بتحديد ما نعرفه وما لا نعرفه.

أزمة ممتدة

نعرف أولاً أن هذه التصريحات تأتي في سياق أزمة متعددة المستويات، أزمة ممتدة تآكلت بسببها شرعية النظام وقدرته على البقاء دون تغييرات ذات شأن.

فعلى المستوى الإقليمي، لعب النظام دوراً محورياً في مساعدة الصهاينة على إحكام الحصار على غزة طوال حرب الإبادة. التزم التزاماً حديدياً بشروطهم في منع دخول الغذاء والدواء، حتى في أسوأ فترات المجاعة في القطاع، وواصل التبادل التجاري والعلاقات الدبلوماسية مع الكيان بلا انقطاع طوال السنوات الثلاث الماضية. وفي الوقت نفسه منع وقمع أي محاولة شعبية مصرية للتعبير عن التضامن مع الشعب الفلسطيني، رغم اتساع الغضب الشعبي تجاه ما جرى وما يجري في فلسطين.

ولم يتحرك النظام قيد أنملة تجاه الاجتياح الصهيوني المستمر للبنان وسوريا والتوسع الهمجي في البلدين. وكان المبرر الجاهز دائماً أنه يجنّب البلاد ويلات الحرب والدمار. لكن، كما قيل منذ أكثر من قرن “قد لا تكون مهتماً بالحرب، لكن الحرب مهتمة بك.”

فشلت الحرب الأمريكية الصهيونية على إيران، وصمد النظام الإيراني بل صعّد في مواجهة العدوان، واتسعت الحرب بدخول أنصار الله في اليمن على خطها، ولم يحدث ذلك إلا بعد عدوان سعودي على صنعاء. وقد دفع هذا كله دول الخليج، واحدة تلو الأخرى، إلى الدخول في حالة أزمة وجودية. اكتشفت تلك الأنظمة مدى هشاشتها — والأهم أن شعوبها اكتشفت الحقيقة ذاتها — واكتشفت كذلك حدود الحماية الأمريكية، رغم كل ما أنفقته، ورغم القواعد الأمريكية وأنظمة الدفاع الجوي. وصارت مهددة بالزوال إن استمرت الحرب وتصاعدت في الشهور القادمة.

ونظام السيسي، كما يعرف الجميع، بل كما يصرّح هو نفسه ليل نهار، تابع ذليل لتلك الأنظمة، فهي التي موّلت انقلابه، وهي التي تنتشله من الانهيار الاقتصادي مرة بعد مرة. وهنا، فجأة، أصبح مستعداً لدخول الحرب. سيرسل الجيش المصري لحماية السعودية من أنصار الله — الجيش نفسه الذي لم يرفع إصبعاً لحماية الشعب الفلسطيني من الإبادة، بل أسهم في إحكام الحصار عليه، والذي تستعد قياداته اليوم لإرسال جنوده إلى الموت في سبيل آل سعود.

الفشل الاقتصادي

إذا كان هذا الدور الإقليمي القزم قد أسهم في تآكل شرعية النظام، فإن السبب الرئيسي لذلك التآكل — كما في كل بلدان العالم — يكمن في سياساته الاقتصادية. فقد أفقرت هذه السياسات قطاعات واسعة من السكان، وأطاحت بمستوى معيشة قطاعات واسعة من الطبقة الوسطى، وتزامنت مع تقليص غير مسبوق لميزانيات الصحة والتعليم وسائر الخدمات العامة، ومع تضخم متواصل في الأسعار وانهيار مستمر في قيمة الجنيه — أي انهيار مدخرات ملايين المصريين.

والأرقام مذهلة بالفعل. ارتفع الدين الخارجي من نحو 55.8 مليار دولار عام 2016 إلى نحو 165 مليار دولار اليوم، أي ثلاثة أضعاف في عشر سنوات. وارتفعت معه أقساط الديون وفوائدها: كانت مخصصات خدمة الدين تستهلك نحو 43٪ من إجمالي الإنفاق العام قبل عقد، وصارت تلتهم اليوم ما يقارب ثلثيه. وبلغت الفوائد وحدها 73٪ من إجمالي إيرادات الدولة في العام المالي 2024/2025، وتعادل 87٪ من الحصيلة الضريبية المتوقعة.

وكانت النتيجة المباشرة تقليصاً عنيفاً لميزانيات الخدمات العامة والدعم. فلم يتجاوز الإنفاق على التعليم 1.5٪ من الناتج المحلي الإجمالي في موازنة 2025/2026، ولا الإنفاق على الصحة 1.1%، في مقابل حدّين أدنيين دستوريين هما 6٪ و 3٪ على الترتيب. أما الفقر فقد ارتفع من 27.8٪ عام 2015 إلى 32.5٪ في 2017/2018 حسب الإحصاءات الرسمية، ثم قدّر البنك الدولي نسبته 33.5٪ في 2021/2022 — وهي آخر تقدير متاح، إذ توقفت الدولة المصرية عن إعلان أرقام الفقر بعد نتائج بحث 2019/2020.

وإلى جانب هذا الفشل المروع، جرى إثراء غير مسبوق لكبار رجال الأعمال وكبار جنرالات الجيش والشرطة. فالمشروعات الإنشائية الضخمة كلها — العاصمة الإدارية، والعلمين الجديدة، والمونوريل، وشبكة الطرق والكباري — تُنفَّذ في شراكة بين هؤلاء وبين رأس المال الخليجي. وقد تحوّل ذلك كله إلى مستنقع من الفساد وتضارب المصالح، وأنتج شبكة واسعة من المنتفعين من ضباط وكبار موظفين و”خبراء”، بل وعصابات بلطجة.

شروخ في التحالف الحاكم

ونعرف أيضاً أن “إنجازات” كهذه لا بد أن تُحدث خلافات وشروخاً داخل التحالف الحاكم. فعبد الفتاح السيسي ديكتاتور عسكري مستبد، لكنه لا يحكم وحده هو يحكم بوصفه ممثلاً لمصالح تحالف واسع يضم كبار رجال الأعمال والجنرالات وملوك الخليج وأمراءه، وقائماً على توازن شديد الحساسية بين المؤسسات العسكرية والأمنية المختلفة. وكان منطقياً، ونحن نقترب من 2030، أن تبدأ داخل هذا التحالف نقاشات ومشاورات حول استمرار السيسي في موقعه، وما يستدعيه ذلك من تغيير الدستور أو تجميد العمل به — خاصة في ظل هذا الفشل كله، وفي ظل غضب شعبي متنامٍ ومكتوم حتى الآن.

ونعرف، بحكم التاريخ، أن بداية الانشقاقات داخل الحلف الطبقي الحاكم تنعكس عاجلاً أو آجلاً في تصاعد الاحتجاجات الجماهيرية بكل أشكالها. ولهذا سببان. الأول أن الانقسام في القمة مؤشر على الضعف والأزمة، وهو ما يشجع قطاعات من الجماهير على المبادرة بالاحتجاج أمام عدو بدا أنه يضعف ويتردد. والثاني، وهو عامل لا يصح التقليل من شأنه، أن أطراف الصراع في القمة تحاول بدورها توظيف الاحتجاجات في صراعها مع الأجنحة الأخرى.

فرصة

تعني تصريحات السيسي أن الصراع قد بدأ في قمة النظام حول استمرار ديكتاتوريته، وحول شكل الحكم وطبيعته وشخوصه إن خُلع، بل وحول مراحل انتقال السلطة ذاتها. وهذا يعني أننا أمام فرصة ولو محدودة لإعادة بناء الحركات السياسية والاجتماعية المعارضة بعد ظلام العقد الماضي.

ويجب أن نتذكر أن الأزمة التي يعانيها النظام ليست أزمة حكم السيسي وحده، بل أزمة التحالف الطبقي الحاكم بأسره. فشل الدولة المصرية في تحقيق التراكم الرأسمالي وتأمينه. وهذا الفشل لن يحله تغيير شخصه، ولا مهزلة إعداد الأكاديمية العسكرية لمجموعة منتقاة من حملة الدكتوراه، بل ولا من حملة جائزة نوبل.

لقد بادروا هم إلى التخطيط للمستقبل، وأعلنوا بدء العد التنازلي — أربعون شهراً — لإنقاذ النظام. ويبقى السؤال الحيوي: ماذا ستفعل قوى المعارضة؟ ماذا سيفعل اليسار؟ ماذا ستفعل ما تبقّى من قوى ثورية؟ ما خططنا نحن للتغيير؟ وكيف نستفيد من أزمة انتقال السلطة؟

ونعرف أخيراً أن السيسي كاذب. وقد وثّق الكاتب الكبير بلال فضل سلسلة أكاذيبه المتتالية منذ ترشّحه للرئاسة عام 2014 وحتى اليوم. عن عدم نيته الترشح، وعن الالتزام بالدستور قبل تغييره، وعن مشاريع الإسكان واستصلاح الأراضي الزراعية وتحسين ظروف المعيشة، وغيرها كثير. ولذلك علينا أن نتعامل مع تصريحاته بكثير من الحذر والشك.

لكن المسألة لا تتعلق بما إذا كان سيغيّر موقفه وخطابه، أو يقرر تغيير الدستور لظرف أو لآخر رغم ما قاله، أو يبحث عن صيغة ما لتمديد حكمه. فذلك كله لا يغيّر حقيقة جوهرية وهي ان سؤال مستقبل الحكم قد طُرح بالفعل، ولا إجماع عليه داخل التحالف الحاكم الذي يمثله السيسي. وهو سؤال لا يخص ذلك التحالف وحده، بل سيُطرح في أنحاء البلاد كلها. وكلما اتسعت الخلافات داخل النخبة الحاكمة، صار بناء البديل أمراً واقعياً وضرورياً في آن، إن كنا نريد حقاً تجاوز كارثة الثورة المضادة في مصر.

والسيسي نفسه يعرف ذلك، بل يصرّح به: نزول الناس إلى الشارع بالتظاهر والاعتصام والإضراب هو كابوسه وكابوس الحلف الطبقي الذي يمثله.

فلنبدأ التحضير لتحويل كابوسه إلى واقع.

الرابط  

https://revsoc.me/politics/53177/

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.