الخميس، 1 أكتوبر 2020

هكذا أجبرت الدولة الفلاحين على زراعة «الطوب والإسمنت»

https://www.madamasr.com/ar/2020/10/01/feature/%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF/%D9%87%D9%83%D8%B0%D8%A7%D8%A3%D8%AC%D8%A8%D8%B1%D8%AA%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%84%D8%A7%D8%AD%D9%8A%D9%86%D8%B9%D9%84%D9%89%D8%B2%D8%B1%D8%A7%D8%B9%D8%A9/

تراث الاستعباد وصل الى تهديد الجنرال السيسي علنا امام العالم كلة يوم 29 اغسطس 2020 للناس بالابادة والتدمير واحضار قوات الجيش لغزو أرجاء البلاد

هكذا أجبرت الدولة الفلاحين على زراعة «الطوب والإسمنت» 


مدى مصر / فى أول أكتوبر 2020 / مرفق الرابط

في نهاية أغسطس الماضي، حذر الرئيس عبدالفتاح السيسي بنبرة حادة من التعديات على الأراضي الزراعية. لم يكن تحذير الرئيس جديدًا. هناك تاريخ طويل من الشد والجذب بين الفلاحين والدولة، ربما بدأ في 1966، حينما تم إقرار قانون لمنع تحويل الأراضي الزراعية لأراضي بناء. لكن تحذير الرئيس أحدث نوعًا من الجدل، حيث هدد باستدعاء الجيش، وهو تهديد يعيد للأذهان مواجهات جيش محمد علي وخلفائه لقمع الانتفاضات الفلاحية، بالإضافة لكونه تهديدًا ضد القاعدة الاجتماعية الأكثر صلابة لنظام «دولة يوليو». من أجل فهم ذلك التهديد، علينا العودة لتاريخ طويل من الصراع بين الدولة والفلاحين.

غالبًا ما كان الفلاحون في مرمى نيران الدولة في العقود الأخيرة، فيما يتعلق بالبناء على الأراضي الزراعية. ساهم هذا الخطاب في جعلهم دائمًا في موضع الاتهام، فهؤلاء الفلاحون الجشعون لا يخافون على رقعتنا الزراعية المتناقصة! ويهددون أمن مصر الغذائي! لم تكف الدولة طيلة العقود الأخيرة عن التأكيد على ضرورة الحفاظ علي الأراضي الزراعية وتحجيم الهجرة الريفية نحو المدينة.

بالطبع لعب الفساد والمحسوبية دورًا مركزيًا في شيوع ممارسات البناء على الأراضي الزراعية. وكان هذا الفساد دافعًا لغياب قدرة الدولة على ضبط الحيز العمراني وتخطيطه بشكل رسمي، رغم امتلاكها حرفيًا ترسانة من المؤسسات والقوانين التي تمكنها حتى من لعب الدور الأبرز في مجال التخطيط الحضري.

لكن، الفساد لم يكن وحده هو ما دفع الفلاحين الصغار لتبوير أراضيهم الزراعية والبناء عليها، خاصة على تخوم المدن الكبرى. بل كانت ميكانزمات أعقد تضرب بجذورها في النمط التنموي للدولة المصرية، خاصة منذ يوليو 1952. تلك التحولات الاقتصادية التي شهدتها مصر منذ 1952 وحتى الآن، شجعت على شيوع تلك الممارسات. ففشل التجربة التنموية المصرية في مرحلتي التخطيط المركزي والنيوليبرالية التي تلت الانفتاح، كان دافعًا رئيسيًا لشيوع المضاربة العقارية في طول البلاد وعرضها.

لكن، على أرض الواقع كانت كل تدخلات الدولة وطرق إدارتها للأراضي في مصر تشجع على العكس. ومن خلال النظر لتاريخ العلاقة بين الدولة والفلاحين، يمكننا الإجابة عن سؤالين. الأول: لماذا يبني الفلاحون علي الأراضي الزراعية؟ أو بمعني أصح لماذا لعب الفلاحون دورًا عقاريًا متزايدًا فيما تلى الانفتاح الاقتصادي وحتى الآن؟ وكيف لعب فشل النموذج التنموي في مصر الدور الأهم في تسريع عملية البناء علي الأراضي الزراعية؟

تمتلك الدولة فعليًا 96% من الأرض في مصر

ارتبط التحديث في أوروبا بمركزية المصنع على حساب الأرض، والتي بدأت تفقد كونها مصدرًا أساسيًا للتراكم الرأسمالي، لتتحول أوروبا الإقطاعية مع الوقت لأوروبا الصناعية. ظلت الأرض تحتل موقعًا مهمًا في هيكل الإنتاج بوصفها أحد عناصره، لكن تلك المكانة التي احتلتها الأرض كانت تقل مع الوقت. فمع انتقال أعداد كبيرة من الفلاحين نحو المدن، فقدت الأرض قيمتها كمنتج للريع، لصالح المصنع، الذي أضحى مع التطور التكنولوجي الواضح في منتصف القرن التاسع عشر، منتجًا لأرباح كبيرة.

لكن، في حالة الدول التي دخلت مرحلة التحديث الصناعي متأخرة، مثل مصر، ظلت الأرض موردًا أساسيًا للتراكم الرأسمالي. وبالتالي، شكّل الصراع على الأرض صراعًا بشأن الوجود والثروة في بلد فشلت فيه كل التجارب التنموية تقريبًا.

امتد هذا الصراع حول الأرض من نشأة الدولة الحديثة في مصر في عهد محمد علي. يمكن القول إن انتصار محمد علي في هذا الصراع واحتكاره لحق توزيع الأراضي، هو ما مكنه من إنشاء دولته. فمن أجل أن يحتكر الرجل المجال الاقتصادي للدولة حصرًا، كان عليه أن يحتكر الأرض.

تظل علاقة الدولة بالأرض في مرحلة محمد علي شديدة التعقيد، ربما لأن أشكالًا مختلفة من الملكية وحقوق الانتفاع والحيازة كانت منتشرة قبله. بالتالي، لم يستطع محمد علي، مع كل ما تمتع به من مميزات رجل الدولة القوي، أن يُنهي كل تلك الأشكال. وبعد ما يقرب من قرنين على تأسيس الدولة الحديثة في مصر، ما زالت الأرض هي محور الصراع في مصر، وضلع أساسي في تحقيق التراكم الرأسمالي. وتستمر حتى الآن صراعات معقدة ومركبة بين الدولة والمجتمع حول الأرض وطرق إدارتها وتقسيمها.

بحسب تقدير جليلة القاضي في كتابها «التحضر العشوائي»، تمتلك الدولة فعليًا 96% من الأرض في مصر. ساهم في ذلك التركز الشديد للسكان حول وادٍ ضيق. لكن، ما جعل الدولة تمتلك كل هذا فعليًا أنها، ومنذ تأسيسها، لم تولِ اهتمامًا كبيرًا للملكية الخاصة. بمعنى أصح، لم تتأسس الدولة المصرية على حق الملكية الخاصة. وتمكنت الدولة، من خلال الحفاظ على هامش ضيق من الملكية الخاصة، من ضبط المجتمع بشكل أكبر.

لم تترسخ الملكية الخاصة العقارية في مصر سوى في العقدين الأول والثاني من القرن العشرين، بإصرار من الاحتلال الإنجليزي. أول قوانين الملكية الخاصة العقارية صدر في 1882، وهو تاريخ بداية الاحتلال الإنجليزي، والذي عمد إلى ترسيخ الملكية الخاصة لأهميتها القصوى للتراكم الرأسمالي. ومن خلال السماح للشركات الأجنبية والمصرية العاملة في مجال التطوير العقاري والزراعي بشراء الأراضي من الدولة، نشأت الملكية الخاصة في مصر.

وبعد ثورة يوليو 1952، كان قانون الإصلاح الزراعي الأول، أحد أوائل قوانين الدولة الجديدة. لم يكن الإصلاح الزراعي من بنات أفكار الرئيس جمال عبدالناصر والمحيطين به، بل كان فكرة موجودة عند الاحتلال الإنجليزي نفسه أشار لها عدد من الباحثين. لكن الدولة الناصرية، وعبر قوانين الإصلاح الزراعي الثلاثة، أعادت لنفسها دور محتكر الأرض. في مقابل ما يقرب من 800 ألف فدان وزعتها على  الفلاحين، احتفظت الدولة لنفسها بما يقارب مليون فدان من الأراضي، بحسب جليلة القاضي.

على العكس من الاعتقاد السائد بأن الأثر الأكبر للإصلاح الزراعي كان على الجانب التوزيعي، من ناحية، لم يشمل توزيع الأراضي الفلاحين المعدمين غير المالكين للأرض، بل أصحاب الحيازات الزراعية الصغيرة والمتوسطة. ولم يوزع الإصلاح الزراعي سوى 818 ألف فدان خلال الفترة بين 1952-1970، أي حوالي 12.5% من الأراضي الزراعية، وتم توزيعها علي 343 ألف أسرة تضم نحو 1.7 مليون فرد أي حوالي 9% فقط من سكان الريف في تلك الفترة، بحسب محمود عبدالفضيل في كتابه «التحولات الاقتصادية في الريف المصري».

لكن الإصلاح الزراعي تسبب في تحسن الدخل والوضع القانوني للفلاحين المستأجرين. قبل دولة ناصر، كان كبار الملاك يُأجرون الأراضي بأسعار مرتفعة للفلاحين. ومع قانون الإصلاح الزراعي الأول في 1952 تم تثبيت الإيجارات الزراعية. وكان تثبيت الإيجارات الزراعية الذي حققه قانون الإصلاح الزراعي الأول في 1952 يعني توقف عملية استخلاص القيمة الاقتصادية من الريف، ولو بشكل جزئي، حيث كان لهذا التثبيت قدرة كامنة على إضعاف سطوة كبار الأعيان في الريف، لأن الأرض تحولت من مصدر للريع إلى عبء. لذلك سارع كثير منهم لبيع الأرض قبل أن تصبح عرضة للتوزيع أو الإيجار المتدني.

على المستوى الكلي للاقتصاد، كان تثبيط الريع الإيجاري الناتج من الأرض، محفزًا لتوجه استثمارات القطاع الزراعي نحو القطاع الصناعي، بما يتماشى مع توجهات دولة ناصر، خاصة سياسات التصنيع وإحلال الواردات.

لكن، من ناحية أخرى، استمر نزع القيمة من الريف والإفقار الريفي بسبب سياسات دولة يوليو أيضًا. أعادت سياسات التسعير الإجباري للحاصلات الزراعية والتوريد الإجباري لتلك المحاصيل، إنتاج عملية استخراج القيمة الاقتصادية من الريف نحو المدينة التي تقع بها مجمل الأنشطة الصناعية والإدارية. يمثل الفارق بين سعر الحكومة وسعر السوق للمحاصيل ضريبة فعلية يدفعها الفلاح من دخله الزراعي للدولة. وحتى بالنسبة للمحاصيل التي لا يوردها الفلاحون للدولة، فإن سياسات التسعير الجبري تسببت في تقليص حجم الأرباح التي يمكنهم تحقيقها من البيع للسوق والتجار.

هذه القيمة الاقتصادية اُنتزعت من الريف نحو الحضر، لأن معظم مؤسسات الدولة الإدارية والإنتاجية تقع في الحضر. اُستخدمت هذه القيمة في تمويل دولة الرفاهة الاجتماعية، خاصة في الحفاظ على الدعم الغذائي الموجه للمدينة، وفقراء المدن بشكل خاص. وبالتالي، لعب الفلاحون بشكل غير مباشر دور الممول الحقيقي لدولة الرفاهة.

في بدايات السبعينيات، بدأ صراع آخر حول الاحتكار العقاري للدولة. حاول نظام الرئيس أنور السادات الافتراق عن التجربة الناصرية. وتحت ضغوط بعض الطبقات الاجتماعية من الملاك الزراعيين والشرائح البرجوازية المُمَثَلة بشكل كبير في مؤسسات النظام، بداية من الاتحاد الاشتراكي والبرلمان وحتى الحكومة، صدرت قوانين وقرارات مختلفة.

ضمن هذه القرارات جاء رفع الحراسات المفروضة على الأراضي الزراعية، والذي أدى إلى بيع ما يقرب من 600 ألف فدان منها للقطاع الخاص. كما أُعيدت للأوقاف الأراضي التي وضعت تحت الحراسة في الفترة الناصرية، وأُدرجت ضمن أملاك المحليات.

وبعد مرور ما يقرب من أربعة عقود على يوليو 52، فقد الفلاحون مكتسبهم الوحيد من الإصلاح الزراعي والمتمثل في تثبيت الإيجارات الزراعية. ففي 1992، أقر البرلمان -في طور التحول النيوليبرالي المتسارع منذ بداية التسعينيات- قانون «المالك والمستأجر»، والذي رفع أسعار الإيجارات الزراعية من خلال إخضاعها لآليات السوق.

ومع تطبيق قانون الإيجارات الزراعية في 1997، تسارعت عملية الإفقار الممنهج لطبقة الفلاحين الفقيرة بالأساس في تلك الفترة. زادت وتيرة رسملة الزراعة المصرية وإدخال نموذج الزراعة الرأسمالية الكبيرة، خاصة في الأراضي الجديدة التي تم استصلاحها من أجل خدمة هذا الغرض، بينما بقي الوادي والدلتا يمثلان نوعًا من المقاومة أمام هذا التحول الكبير.

النزع المستمر للفوائض الاقتصادية من الريف، والذي يقطن فيه معظم سكان مصر حتى الآن (57% من السكان)، كان يعني هجرات مستمرة من الريف نحو المدينة من أجل الحصول على فرص عمل في قطاعات خدمية متدنية الأجور، والتي لم تنجح في استيعاب فائض العمالة الكبير القادم من الريف، على الرغم من الطفرة التي شهدتها منذ الثمانينيات.

حاولت الدولة التعامل مع أزمة حركة الهجرة من الريف للمدن. شيدت الدولة العديد من المناطق الصناعية حول القاهرة بهدف تقليل التركز السكاني في العاصمة. مدن مثل السادات، 6 أكتوبر، والعاشر من رمضان، وغيرها، كانت جزءًا مهمًا في تلك الاستراتيجية.

لكن، استجابة الدولة لهذا الطلب الجديد لم تكن استجابة نوعية عبر بناء مساكن شعبية رخيصة. في المقابل، اكتفت الدولة بالاستجابة الكمية من خلال بناء مساكن موجهة للطبقة الوسطى المدينية بالأساس أو للأغنياء في حالة المجتمعات المسورة. أنتج هذا في النهاية نموًا عمرانيًا مشوهًا سواء في العمران القائم أو في المدن الجديدة. طبقًا لتعداد 2017، تمثل الوحدات المغلقة في مصر ما يقارب 11.7 مليون وحدة سكنية. تكفي هذه -نظريًا- لسكن 50 مليون مصري، أي نصف عدد السكان. ومع ذلك، يستمر البناء غير الرسمي والبناء على الأراضي الزراعية، لأنه الوحيد القادر على سد احتياجات السكن لملايين من السكان الفقراء.

مع اكتظاظ المدن، وخاصة القاهرة، نشأت ضواحي وأحياء كاملة على الأراضي الزراعية المتاخمة لها، مدفوعة بفقر هؤلاء الفلاحين، وفشل برامج الإسكان الاجتماعي الرخيص والمدن الجديدة في استيعاب الطلب الهائل على السكن. مناطق مثل ضواحي عين شمس والخصوص وضواحي فيصل، وغيرها، كانت مثالًا على ذلك.

يشير ديفيد سيمز في كتابه الرائد حول العمران في القاهرة «فهم القاهرة: منطق مدينة خارج السيطرة Understanding Cairo: The Logic of a City Out of Control» أن القطاع الخاص غير الرسمي، والمبني بالأساس على عمليات تقسيم الأراضي والبناء بعيدًا عن مشروعات الإسكان القومية كان الموفر الأساسي للسكن في القاهرة. طبقًا له، لم تستوعب المدن الجديدة سوى 15% من الزيادة السكانية في القاهرة بين عامي 1996-2006، بينما استوعب العمران غير الرسمي 79% من تلك الزيادة السكانية خلال نفس الفترة.

بالتوازي مع هذا، بدأت موجة أخرى من البناء غير الرسمي. هذه المرة، توسعت لتشمل القرى نفسها، وليس فقط الأراضي الزراعية المتاخمة للمدينة. أصبحت القرى نفسها عرضة لذلك بفعل النمو السكاني وعجز الدولة عن توفير أماكن سكن رخيصة. لم تعد ضواحي مثل فيصل كافية للطلب على السكن غير الرسمي، بسبب ارتفاع الأسعار والمضاربات العقارية. وفضّل الكثير من العمال البناء في قراهم الأصلية ودفع تكلفة التنقل يوميًا بين المدن والريف. وتسبب هذا في طفرة بناء على أراضٍ زراعية في الريف بدون ترخيص بناء، وبدون أي تدخل من الدولة. وانتزعت هذه الطفرة شريحة كبيرة من الفلاحين من الفقر، وتحول بعضهم إلى مضاربين عقاريين، ما ساهم في توسعها واستمرارها.

المساهمة الكبرى للدولة في تشجيع البناء على الأراضي الزراعية كانت قانون الإيجار الجديد، والذي رفع أسعار الإيجارات، وجعل الإيجار في المدينة شيء مكلف بالنسبة للوافدين الجدد إليها وحتى السكان القدامى فيها. كان الإفقار المستمر للفلاحين، وتحول الزراعة الصغيرة في مصر لنمط غير مربح اقتصاديًا، هو العامل الحاسم في تبوير الفلاحين الصغار لأراضيهم. أصبح انتظار «كردون المباني» بمثابة انتظار الفرج. فالأرض التي تقع بالقرب من الحيز العمراني الذي تقره الدولة هي الأعلى سعرًا، ومن ثم كانت الترتيبات المؤسسية الرسمية وغير الرسمية للتخطيط العمراني تلعب دورًا فعالًا في تسريع عملية المضاربة على الأراضي في الريف.

خلال العقود الأخيرة، يمكن التمييز بين نمطين من تقسيم الأراضي بغرض التنمية العمرانية. الأول هو النمط الرسمي التي تسيطر عليه الدولة بأجهزتها المختلفة بوصفها المالك الأكبر للأراضي في مصر. تلك الأجهزة تشمل الجيش ووزارة الإسكان وهيئة المجتمعات العمرانية والأجهزة المحلية المختلفة. غالبًا ما قسمت تلك الأجهزة الأراضي لصالح القطاع الخاص الكبير (شركات التنمية العقارية) التي توسعت في القطاع السكني منذ الثمانينيات بغرض التوسع في مدن الصحراء. أو خصصتها للجمعيات التعاونية الإسكانية التي حصلت على الأراضي بأسعار زهيدة، وكانت فاعلًا أساسيًا في المضاربة على الأراضي في الثمانينيات والتسعينيات.

النمط الثاني، هو النمط غير الرسمي، ولعب فيه الملاك الصغار للأراضي الزراعية، خاصة تلك المتاخمة للمدن. لا تتطلب عملية التقسيم نفسها رأس مال كبير. يكفي للمالك أن يضع لوحة فقط على الأرض بأنها معروضة للبيع ويقوم بعدها لبيعها للمقاولين أو للأشخاص الراغبين في البناء بشكل فردي. تميز جليلة القاضي في كتابها «التحضر العشوائي» بين ثلاثة أنواع من مقسمي الأراضي المالكين لها. النوع الأول: فلاحون فقراء مجبرون على بيع مساحات صغيرة لا تكفي للنشاط الزراعي. الثاني: ملاك مدينيون غائبون لا يمارسون الأنشطة الزراعية. بينما النوع الثالث هم ورثة فلاحين متعلمين لا يريدون مواصلة مهنة آبائهم.

من أجل تبوير تلك الأراضي الزراعية، لجأ الملاك لحيل عديدة تحت نظر الدولة (وفي أحيان كثيرة بمساعدة أجهزتها). إحدى أشهر تلك الحيل كانت مصانع الطوب الأحمر، والتي شهدت انتعاشة كبيرة في السبعينيات. كان ملاك تلك المصانع يدفعون خمسة آلاف جنيه للفلاحين من أجل تجريف طبقة الطمي لكل فدان لاستخدامها في صناعة الطوب الأحمر، وهو ما استمر حتى الآن. فالطوب الأحمر ما زال يمثل الوسيلة الأكثر انتشارًا للبناء في عموم مصر، بحسب جليلة القاضي. بعد تجريف طبقة الطمي، تصبح تلك الأرض غير صالحة للزراعة، مما يمهد لتحولها لأرض عقارية عبر ترتيبات مؤسسية رسمية وغير رسمية.

كانت تلك العمليات المتسارعة من التعدي على الأراضي الزراعية مدفوعة بعاملين أساسيين. أولهما، الميزة النسبية للأراضي الزراعية عن الأراضي الصحراوية. الأراضي الزراعية أقرب للمركز من الأراضي الصحراوية، وقريبة من مصادر الطاقة والنيل والسكك الحديدية، بالتالي فهي أسهل وأرخص في البناء والسكن وكل الاستخدامات الصناعية والسكنية لتلك الأرض. العامل الثاني كان التغيرات في النمط الاقتصادي. الهجرة المتزايدة للخليج جعلت الاستثمار العقاري أكثر جاذبية كمخزن لمدخرات العاملين في الخليج. كما كان الطريقة المثلى والأكثر نجاعة لتلبية الطلب على السكن، خاصة في ظل رغبة هؤلاء في السكن بالقرب من مدنهم وقراهم الأصلية بعد عودتهم من الخليج وليس الخروج لمدن الصحراء.

مع هذا التوسع العمراني، كان من المنطقي أن يؤدي تكامل نظامي السكن الرسمي وغير الرسمي إلى حل أزمة الطلب على السكن. لكن على العكس من ذلك، أدى النقص في بناء المساكن الشعبية، سواء عبر مشروعات الإسكان الاجتماعي أو عبر الجمعيات التعاونية للإسكان، وتأخر تسليم تلك الشقق في أحيانٍ كثيرة، وشيوع ممارسات الفساد والمحسوبية في الحصول على شقق الدولة، في رفع أسعار الشقق في النمط غير الرسمي للسكن. وبالتالي، ازدادت عمليات تبوير وتقسيم الأراضي، خاصة في تخوم المدن الكبرى كالقاهرة والإسكندرية، لأنها أصبحت أكثر ربحية الآن.

لم تكن دولة مبارك المنتشية بتحويلات العاملين في الخليج تريد أي شيء آخر سوى تلك التحويلات. فكرة مبارك كانت، تعويض الرقعة الزراعية المفقودة من خلال استصلاح أراضي في الصحراء. ولم تتدخل بشكل جدي لوقف هذه المأساة.

تحول الاقتصاد شيئًا فشيئًا نحو العقارات، وأصبح حلم كل شخص أن يمتلك بيته الخاص. كان هذا هو النسخة المصرية من الحلم الأمريكي. سوف نسافر جميعًا للخليج، نحصل على المال ونعود لشراء قطعة أرض يمكننا أن نبني عليها منزلًا.

لهذا تعاملت دولة مبارك مع أزمة التعدي علي الأراضي الزراعية بكثير من التهاون. فعلى الرغم من تحذير الخطاب الإعلامي لها من ذلك، إلا أنها كانت تدرك أن هذا جزءًا من ترتيبات الفساد والمحسوبية للحزب الوطني، ومدخل هام للسيطرة السياسية وتوزيع الأرباح على الداعمين وشراء الولاءات في الريف. ليس عجبًا أن يكون كمال الشاذلي وأحمد عز، أحد أبرز رجالات الحزب الوطني، متورطين في قضايا تعدٍ على أراضٍ زراعية. الشاذلي نفسه كان عاملًا مهمًا في تسهيل البناء على الأراضي الزراعية في دائرته بالباجور في محافظة المنوفية.

ومع قيام ثورة يناير 2011، توسعت عمليات تبوير الأراضي الزراعية والبناء عليها. بحسب تقدير رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي، «مصر فقدت 400 ألف فدان من أجود الأراضي على مستوى العالم، منها 90 ألف فدان منذ 2011 فقط».

اليوم، وبعد عقود طويلة من التعدي علي الأراضي الزراعية، تريد الدولة أن تبدأ صفحة جديدة بلا تعديات خوفًا على الأمن الغذائي. «لو مفيش قرار لمنع البناء العشوائي على الأراضي الزراعية، محدش يعرف مصيرها بعد بضعة سنوات»، يقول مدبولي. وبالتالي، فإن الدولة لن تتسامح بعد الآن مع مثل تلك المخالفات.

الأهم أن الدولة تريد تحجيم القطاع غير الرسمي. فالبناء بدون رخصة أو البناء على الأراضي الزراعية أو مخالفات تعلية الأدوار أو غيرها، ليست مشكلة في حد ذاتها فقط، لكنها أيضًا موارد ضريبة مهدرة تتطلع الدولة للاستفادة منها. تريد الدولة أن تجعل كل شيء يخص القطاع العقاري رسميًا يمكن مراقبته وإخضاعه للضرائب، وهو ما يتوافق مع محاولاتها الدؤوبة لرسمنة كل شيء في الاقتصاد. قوانين مثل التصالح في مخالفات البناء واستحداث منظومة جديدة للتسجيل العقاري تشمل عمل شهادة رقم قومي لكل عقار أو شقة، هي محاولة مستمرة نحو الرسمنة والسيطرة على القطاع غير الرسمي في العقارات. لا تريد الدولة أن تهدم العقارات التي بُنيت علي الأراضي الزراعية، فهي تعرف أن ذلك مستحيل ويهدد ملايين البشر بالتشرد حرفيًا. مشاهد الهدم وإخلاء المنازل، ورغم ندرتها إذا ما قورنت بحجم المخالفات والتعديات على الأراضي الزراعية، أثارت بالفعل الكثير من الغضب بين المصريين.

بالتالي، يبدو من التبسيط المخل اعتبار أن الهدف الوحيد لقانون التصالح الحالي جباية الأموال، ولكن أيضًا جزء من منظومة كاملة هدفها سيطرة الدولة على القطاع العقاري وتمهيد الطريق لجباية ضريبية من هذا القطاع المتضخم من خلال قانون الضرائب العقارية والتصرفات العقارية الذي سبق إقراره.

لكن، الدولة ما تزال عاجزة عن علاج الأسباب الهيكلية للبناء على الأراضي الزراعية. ما زالت الزراعة الصغيرة في مصر عملية غير مربحة اقتصاديًا. وبالتالي، سوف يعمد المزيد من الفلاحين الصغار لتحويل قطع أراضيهم الزراعية الصغيرة لأراضٍ من أجل البناء. ناهيك عن قدرة الأجهزة المحلية على ضبط هذا الحيز العمراني الضخم، وحجم الفساد والمحسوبية السائد في الجهاز البيروقراطي، والذي يُصعب من مهمة رسمنة كل شيء بين عشية وضحاها.

هناك أيضًا أسباب أخرى خاصة بالقطاع العقاري في مصر. على الرغم من وعود الدولة ببناء مليون وحدة سكنية، إلا أن تلك الوحدات ليست موجهة لسكان الريف. وعلى ما يبدو، ما زال صانعو القرار يتعاملون مع الحق في السكن على أنه حق لسكان المدن فقط، وليس لسكان الريف كذلك. كما أن غياب القطاعات كثيفة التشغيل التي تستوعب فائض العمالة والسكان في الريف تحديدًا، يجعل الفلاحين بلا أي دخول حقيقة يمكنها أن تثنيهم عن السعي لتبوير أراضيهم للبناء عليها، وتحول بعضهم إلى مقسمي أراضٍ صغار ومضاربين عقاريين غير رسميين.

الخلاصة، الدولة تريد أن تنهي مسألة التعدي على الأراضي الزراعية بدون الإجابة على الأسئلة والأسباب التي دفعت هؤلاء الفلاحون لتبوير الأرض والبناء عليها، وهو ما يمثل استحالة عملية بدون تغيرات جذرية في العلاقات الاقتصادية بين الريف والمدينة وتغيرات أعمق في نمط الاقتصاد ككل في مصر. وبدون قدرة حقيقة لاستيعاب الفائض السكاني في الريف في أنشطة اقتصادية بأجور مجزية وسكن ملائم، فسوف يستمر البناء والتعدي علي الأراضي الزراعية. 

بالصور والفيديوهات .. "الشرطة المصرية قتلت المواطن عويس الراوي".. احتجاجات واشتباكات مع قوات الأمن المصرية في الأقصر


"الشرطة المصرية قتلت المواطن عويس الراوي"..

احتجاجات واشتباكات مع قوات الأمن المصرية في الأقصر





موقع الحرة الأمريكى / فى الخميس أول أكتوبر 2020 / مرفق الرابط

شهدت مدينة العوامية التابعة محافظة الأقصر جنوبي  مصر، اشتباكات بين قوات الأمن وأهالي المدينة مساء أمس، بسبب مقتل أحد أبناء المدينة على يد قوات الأمن أثناء اعتقال أخيه.

وقال شهود عيان إن عناصر من قوات الشرطة الخاصة قتلت شخصا يدعى "عويس الراوي" بعد اعتراضه على اعتقال الشرطة أخيه.

وكانت مدينة العوامية قد شهدت مظاهرات على مدار الأسبوعين الماضيين، تزامنا مع دعوات رجال الأعمال المقيم في إسبانيا، محمد علي، للمصريين للخروج والتظاهر ضد نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي.

وخرج عشرات المتظاهرين في المدينة وطالبوا برحيل السيسي، بسبب المشاكل الاقتصادية التي تفاقمت مع فيروس كورونا، وقانون التصالح الذي يفرض غرامات باهظة على مخالفات البناء، ووقعت اشتباكات مع قوات الأمن أدت لإصابة بعض المتظاهرين.

وأضاف شهود العيان أنه بعد اعتراض "الراوي" على اعتقال أخيه، أطلق الضابط النار على رأسه فأرداه قتيلا، مما أدى إلى  تفاقم حالة السخط بين أهالي المدينة.

وتظاهر أهالي القرية احتجاجا على مقتل الرواي، وتحولت القرية إلى ثكنة عسكرية، لفض هذه المظاهرات، ووقعت اشتباكات عنيفة بين قوات الأمن والمتظاهرين، وأطلقت قوات الأمن القنابل المسيلة للدموع، وحدثت حالة من الكر والفر بين الطرفين.

ومنذ 20 سبتمبر شهدت أماكن مختلفة في الجمهورية وتحديدا في القرى والصعيد، مظاهرات رافضة للسياسات الاقتصادية والاجتماعية التي تتبعها الحكومة، ومطالبة برحيل السيسي، ووقعت اشتباكات في أماكن متفرقة، مما أدى إلى وقوع قتيل واحد على الأقل، واحتجار مئات المتظاهرين.

وكان السيسي قد حذر من تداعيات عدم الاستقرار في البلاد، ومن محاولات "تدمير" مصر، بعد تظاهرات محدودة في بعض القرى والأحياء مساء الجمعة.

وقال السيسي، في تصريحات أثناء افتتاحه مجمعا لتكرير النفط في مسطرد بمحافظة القليوبية (قرابة 37 كيلومتر شمال القاهرة)، "أنا أشكر المصريين" الذين لم يستجيبوا لدعوات "البعض الذين حاولوا إشعال الوضع"، إشارة إلى دعوات محمد علي، للتظاهر والتي وجدت استجابة على نطاق محدود في بعض القرى في 20 سبتمبر ثم يوم الجمعة الماضي.

وأكد السيسي أن هناك من يحاول استغلال "الفقر" والصعوبات المالية التي يعاني منها المواطن من أجل "تشكيك الناس في الانجازات" التي تقوم بها الدولة، وفقا لوكالة "فرانس برس".

وتعد هذه التظاهرات نادرة في مصر حيث وضعت السلطات قيودا صارمة على التجمعات السياسية، ضمن حملة لتحجيم المعارضة ، وفق منظمات دولية لحقوق الإنسان.


عودة استبداد الدولة البوليسية الى سابق طغيانها وراء تعاظم احتقان الناس وانتشار الهاشتاجات المنددة بـ جبروت الشرطة على مواقع التواصل الاجتماعى


بالفيديو.. لحظة قيام الشرطة بمهاجمة المشيعين في جنازة عويس الراوى شهيد الأقصر الذى سقط برصاص الشرطة بالقنابل المسيلة للدموع والرصاص وتقويض الجنازة

عودة استبداد الدولة البوليسية الى سابق طغيانها وراء تعاظم احتقان الناس وانتشار الهاشتاجات المنددة بـ جبروت الشرطة على مواقع التواصل الاجتماعى


بالفيديو..  لحظة قيام الشرطة بقتل عويس الراوى شهيد الأقصر بالرصاص فى نهاية مقطع الفيديو

بعد واقعة قتل المواطن البرئ عويس عبد الحميد الراوي فجر أمس الأربعاء برصاص الشرطة. انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعى سيل من هاشتاجات جموع الناس من سائر محافظات الجمهورية التي تندد بعنف قوات الشرطة ضد الناس الابرياء. ومنها على سبيل المثال وليس الحصر هاشتاج #كلنا_عويس_الراوى. و هاشتاج #الشرطه_في_خدمه_الكلب. و هاشتاج #الداخلية بلطجية. وغيرها كثير. وهو ما يبين بجلاء بعد العديد من حوادث العنف والتعذيب والضرب المبرح والكهرباء ضد الناس الابرياء داخل المبانى الشرطية واستخدام الرصاص الحى خارجها قتل فيها مواطنين أبرياء بالجملة. نتيجة غرورها الفارغ بنفسها بعد أن وجدت عودتها بطوفان تعديلات و قوانين الجنرال السيسى الاستبدادية وقرارات لنيابة أمن دولة يكفي فيها محضر تقوم الشرطة بتحريرة بمعرفتها تدس بحقد فيه كل ما يعن لها من تلفيق في ما يسمى تحريات المباحث يتم استنادا عليها حبس الاف الناس بالجملة. و محاكم طوارئ وإرهاب استثنائية. الى سابق طغيانها خلال نظام حكم الرئيس المخلوع مبارك. وسعت لتصفية الحساب والتشفي من خلق الله الذين أذاقوا قياداتها وضباطها وأفرادها الهوان والتحقيق والتشريد والبهدلة والسجن والتشهير والمحاكمة خلال وبعد ثورة 25 يناير 2011. فى انها لم تتعلم من دروس الماضي القريب. وأنها كانت فى غباء مستحكم ناجم عن غرور أجوف فارغ وسادية العديد من العاملين فيها الذين لا يصدقون حتى الآن بأنهم خدم عند الشعب وليس سوط عذاب ضد الشعب. من اهم أسباب اندلاع ثورة 25 يناير 2011 التي أدت بأعمالها الاستبدادية الى انفجار احتقان الناس ضدها ووقوع ثورة 25 يناير. ولن نقول للداخلية فوقى من غيك وضلالك. لان المريض بالاستبداد لا ينفع معه النصح والإرشاد. بل استمرى في غيك وضلالك حتى النهاية المرة. وتمثلت اخر واقعة عنف الشرطة ضد الناس الابرياء عندما داهمت الشرطة منزل المواطن عويس عبد الحميد الراوي الموظف بمستشفى الأقصر الدولي بمنطقة العوامية بالأقصر فجر امس الأربعاء 30 سبتمبر خلال محاولة الشرطة اعتقال احد اقرباء عويس بدعوى مشاركته فى المظاهرات المطالبة بسقوط الجنرال السيسى ولكنهم لم يجدوه فى المنزل وثار عدد من اهالي القرية ضد القوات التي تقهقر معظمها وحاولت الفرار فى حين حاولت قوة من الشرطة اعتقال شقيق عويس حتى يسلم قريبة المطلوب اعتقاله نفسه واعترض عويس على أساس ما ذنب شقيقة وما جريمة قريبة وسقط عويس قتيلا برصاص الشرطة خلال اعتراضه واتهم أقارب القتيل الشرطة بقتله ولم تكتفى الشرطة بذلك وقامت بتقويض جنازة عويس ومطاردة المشاركين فيها لمنع تظاهرهم ضد طغيان الشرطة. ولم تمر ساعات على تلك الأحداث حتى انتشرت الهاشتاجات ضد جبروت الشرطة على مواقع التواصل الاجتماعي وتزايد احتقان الناس ضد دولة الظلم والطغيان البوليسية العسكرية.






الأربعاء، 30 سبتمبر 2020

منظمة كوميتي فور جستس الحقوقية الدولية: خبراء أمميون يبدون قلقهم من الخطر الواقع على المدافعين عن حقوق الإنسان المعتقلين بمصر في ظل أزمة “كورونا”


منظمة كوميتي فور جستس الحقوقية الدولية: خبراء أمميون يبدون قلقهم من الخطر الواقع على المدافعين عن حقوق الإنسان المعتقلين بمصر في ظل أزمة “كورونا”


موقع منظمة كوميتي فور جستس الحقوقية الدولية / مرفق الرابط

أعرب مجموعة من خبراء حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، عن بالغ قلقهم بشأن اعتقال العديد من النشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان في مصر، ومنعهم من التواصل مع العالم الخارجي، وتجديد حبسهم “غيابيًا”، منذ بدء الإجراءات الاحترازية لجائحة “كورونا” داخل السجون المصرية، وكذا خطر تعرضهم للإصابة بالفيروس.

– الإجراءات المتبعة انتهاكات منهجية لأبسط حقوق الإنسان:

وأكد الخبراء في مذكرة نداء عاجل أرسلت في 29 يوليو/ تموز 2020، ولم يتم الرد عليه حتى الآن من قبل الحكومة المصرية، أن مصلحة السجون المصرية لم تنظم تدابير بديلة للسجناء للاتصال بأسرهم ومحاميهم، رغم أن المادة 38 من قانون تنظيم السجون تنص على حق النزلاء في المراسلات، والتواصل عبر الهاتف مع العالم الخارجي، ولكن لا يبدو أن هذا قد تم تنفيذه.

وأضاف الخبراء أنه في 15 مارس/ آذار 2020، علقت وزارة العدل المصرية جميع جلسات المحاكمة، وجلسات تجديد الحبس، مبدئيًا لمدة أسبوعين، لكن تم تمديدها مرارًا وتكرارًا، كإجراء لمكافحة فيروس كورونا، ومنذ 27 يونيه/ حزيران 2020، استأنفت المحاكم على جميع المستويات والولايات القضائية عملها، ومع ذلك، لا تزال معظم المحاكمات تجري خلف أبواب مغلقة، دون حضور المتهمين أو محاميهم.

وأبدى الخبراء قلقهم البالغ من هذه الإجراءات، معتبرين إياها انتهاكات منهجية لأبسط حقوق الإنسان، والحريات الأساسية للأفراد من قبل السلطات المصرية.

كما رأى الخبراء أن استمرار احتجاز المدافعين عن حقوق الإنسان، والجهات الفاعلة السلمية الأخرى خلال جائحة كورونا مقلق للغاية، لا سيما وأن العديد منهم يعانون من ظروف طبية تعرضهم لخطر الموت أثناء الاحتجاز، وقد تنتهك الحق في الحياة والصحة، اللذين يحميهما على التوالي العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية؛ الذي صدقت مصر على الأخير في 14 يناير 1982.

وعرض الخبراء في مذكرتهم حالات لهؤلاء المدافعين عن حقوق الإنسان المعتقلين، ومنهم:

1- السيدة “سناء سيف”:  

السيدة “سناء سيف”، هي مدافعة عن حقوق الإنسان ومحررة أفلام تعمل على زيادة الوعي بشأن انتهاكات حقوق الإنسان المزعومة من قبل الحكومة المصرية.

اعتقلت في 23 يونيه/ حزيران 2020 أثناء توجهها إلى النيابة العامة برفقة الدكتورة “ليلى سويف” واختها الناشطة منى سيف ومحامٍ، لطلب لقاء النائب العام لتقديم شكاوى بخصوص الاعتداء عليهم أمام سجن طرة بواسطة سيدات مجهولات الهوية، حيث يحبس اخوها الناشط علاء عبدالفتاح، بعد أن قاموا بالوقوف أمام السجن اعتراضًا على منع التواصل مع “علاء” المعتقل هو الآخر، بسبب الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها السلطات المصرية للتعامل مع جائحة “كورونا”.

وفي نفس اليوم، عرضت أمام نيابة أمن الدولة المصرية، وزعم محضر الاعتقال أن السيدة “سيف” اعتُقلت في منطقة مختلفة من المدينة، وهي منطقة غير تابعة للنيابة العامة، ووجهت لها تهمة “ارتكاب جرائم إرهابية”، و”إساءة استخدام منصات التواصل الاجتماعي”، و”نشر أخبار كاذبة”، في القضية رقم. 659/2020، ولا تزال رهن الحبس الاحتياطي.

أخبار كاذبة”، في القضية رقم. 659/2020، ولا تزال رهن الحبس الاحتياطي.

3- السيدة “إسراء عبد الفتاح”:  

وهي مدافعة عن حقوق الإنسان وصحفية، عملت كمنسقة في الأكاديمية المصرية الديمقراطية (EDA)، وهي منظمة شبابية تروج لقيم الديمقراطية، وحقوق الإنسان، والمشاركة السياسية، كما دعت بشكل متزايد إلى إطلاق سراح جميع السجناء المحتجزين خلال احتجاجات سبتمبر 2019.

في 15 أكتوبر/ تشرين الأول 2019، بعد يومين من اعتقالها، تم نقل السيدة “عبد الفتاح” من قسم الشرطة حيث كانت محتجزة بالقاهرة إلى سجن القناطر للنساء، حيث واصلت الإضراب عن الطعام الذي بدأته في 12 أكتوبر/ تشرين الأول 2019، احتجاجًا على اعتقالها، وتعذيبها وسوء معاملتها.

وفي 22 نوفمبر/ تشرين الثاني 2019، أوقفت إضرابها عن الطعام نتيجة تدهور حالتها الصحية بشدة، واستأنفت العمل به في 9 ديسمبر/ كانون الأول 2019، عندما جددت النيابة العامة العليا حبسها الاحتياطي لمدة 15 يومًا أخرى، ومنذ مارس/ آذار الماضي، سُمح للسيدة “عبد الفتاح” بإرسال ثلاثة رسائل فقط، وبحسب ما ورد لم تتلق جميع الرسائل التي أرسلتها عائلتها.

4- السيد “باتريك زكي”:

وهو باحث في العلوم الاجتماعية، وحقوق الإنسان بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية (EIPR)، شارك في عدة حملات وطنية ضد انتهاكات الحقوق المدنية والسياسية، ويدافع عن حقوق المعتقلين، وحقوق المرأة، وحقوق الفئات الضعيفة، بما في ذلك الأقليات المسيحية في البلاد.

منذ 8 فبراير/ شباط 2020، وهو اليوم التالي لاعتقال السيد “زكي”، تم تجديد حبسه الاحتياطي كل 15 يومًا، وهو يعاني من الربو، ومعرض أكثر للإصابة بفيروس “كورونا”، ومنذ 5 مايو/ آيار 2020، يتم التجديد له “غيابيًا”، كما لم يسمح بحضور محاميه نظرًا لقيود “كورونا”.

تقدمت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية بطلب للاتصال بالسيد “زكي”، وافقت عليه النيابة، ولكن حتى كتابة التقرير لم تستجب إدارة سجن طرة لهذا الطلب.

5- السيد “إبراهيم عز الدين”:

وهو مدافع عن حقوق الإنسان، وباحث حضري في المفوضية المصرية للحقوق والحريات (ECRF)، ركز على الحق في السكن والإخلاء القسري.

في 12 يونيه/ حزيران 2019، ألقت الشرطة القبض على السيد “عز الدين” بملابس مدنية في منطقة المقطم بالقاهرة، ثم أنكرت شرطة المقطم القبض عليه، ليختفي قسريًا لمدة 167 يومًا، ومثل أمام نيابة أمن الدولة في 28 نوفمبر/ تشرين الثاني 2019، بعد أن تعرض للتعذيب أثناء احتجازه لانتزاع معلومات حول المفوضية الأوروبية للحقوق والحريات، وعلاقته بالمنظمة.

يعاني السيد “عز الدين” من مرض في الجهاز التنفسي يعرضه لخطر كبير إذا أصيب بفيروس “كورونا”، كما أنه يعاني من مشاكل صحية كبيرة يُزعم أنها نتجت عن التعذيب، وسوء ظروف السجن التي واجهها منذ اعتقاله.

منذ 4 ديسمبر/ كانون الأول 2019، جددت النيابة العامة العليا حبسه الاحتياطي كل 15 إلى 45 يومًا، وفي 15 مارس/ آذار 2020، رفضت محكمة جنايات القاهرة استئناف السيد “عز الدين” على القرار الأخير الخاص بتجديد حبسه الاحتياطي.

6- السيد “محمد الباقر”:  

وهو مدافع عن حقوق الإنسان، ومحام ومدير مركز عدالة للحقوق والحريات، اعتقل في 29 سبتمبر/ أيلول 2019، بعد حضوره استجواب مع أحد موكليه، ويتم تجديد حبسه احتياطيًا من وقتها.

وفي 18 فبراير/ شباط 2020، أمرت محكمة جنايات طرة بالإفراج عنه، ولكن تم إلغاء هذا القرار في 20 فبراير/ شباط بعد أن استأنف المدعي العام الحكم، ومنذ 5 مايو/ أيار 2020، جددت محكمة الجنايات بالقاهرة حبسه الاحتياطي غيابيًا.

7/8- السيدة “سلافة مجدي”، والاستاذ “حسام الصياد”:

وهي مدافعة عن حقوق الإنسان وصحافية مستقلة، والأستاذ “الصياد”، هو مدافع عن حقوق الإنسان، وزوج السيدة سلافة مجدي، وعمل معها في الدعوة إلى إطلاق سراح المدافعين عن حقوق الإنسان المسجونين، وسجناء الرأي الآخرين.

سمحت سلطات سجن القناطر في 12 أبريل/ نيسان 2020، للمحتجزين بتسلم طرود من الملابس، والمواد الغذائية، ومستلزمات النظافة الشخصية، والرسائل، والوجبات الساخنة الموجهة للسجناء، لأول مرة منذ مارس/ آذار 2020. ومع ذلك، لم يُسمح للسيدة “سلافة مجدي” في البداية باستلام الطرود لأسباب لم يتم توضيحها، وفي 29 أبريل/ نيسان 2020، سمحت سلطات السجن للأسرة بإرسال طرد إلى السيدة “مجدي”، لكن يُزعم أنه لم يُسمح للمدافعة عن حقوق الإنسان بإرسال مراسلات في المقابل.

بينما تمكن السيد “حسام” المحتجز في سجن مباحث طرة من استلام طرود من أفراد الأسرة منذ 12 أبريل/ نيسان 2020، ولكن لا يُسمح له أيضًا بإرسال رسائل في المقابل، كما لم يتمكنوا هما، ولا محاميهما من حضور جلسات تجديد الحبس الاحتياطي.

9- السيد “إبراهيم متولي حجازي”:

محام ومدافع عن حقوق الإنسان، يعمل كمنسق لجمعية أهالي المختفين في مصر، التي أسسها بعد اختفاء نجله عام 2013.

لا يزال السيد “حجازي” رهن الاعتقال السابق للمحاكمة منذ اعتقاله في 10 سبتمبر/ أيلول 2017، على الرغم من تجاوز هذا الحد لمدة عامين للاحتجاز السابق للمحاكمة، وهو يعاني من أمراض عصبية خطيرة، إلا أنه لم يُسمح بنقله من الأماكن المزدحمة في مجمع سجن طرة حيث يُحتجز.

وتدهورت صحة السيد “حجازي” بشكل كبير منذ اعتقاله في سبتمبر/ أيلول 2017، بما في ذلك نتيجة التعذيب الذي تعرض له حسبما ورد، وهو يعاني من التهاب مفاصل شديد، وخلل في وظيفة الأعصاب مما يسبب له رعشة، ومنذ مايو/ أيار 2020، لم يُسمح للسيد “حجازي” بحضور جلسات تجديد الحبس الاحتياطي.

10- السيد “رامي كامل”:  

مدافع عن حقوق الإنسان، ورئيس مؤسسة ماسبيرو للشباب، وهو مدافع عن حقوق الأقباط المسيحيين في مصر، وعن نهج مجتمعي للتنمية الحضرية في مصر.

اعتقل، وتم تعذيبه فيما يتعلق بعمله في مجال حقوق الإنسان، ولمنع مشاركته في الدورة الثانية عشرة لمنتدى قضايا الأقليات، الذي عقد في جنيف في الفترة من 28 إلى 29 نوفمبر/ تشرين الثاني 2019.

ظل السيد “كامل” رهن الاحتجاز السابق للمحاكمة بعد اعتقاله في 23 نوفمبر/ تشرين الثاني 2019، وتم تجديد حبسه كل 15 إلى 45 يومًا منذ ذلك الحين، وهو يعاني من شكل حاد من الربو، وارتفاع ضغط الدم، مما يضعه في فئة المعتقلين المعرضين للخطر بسبب فيروس “كورونا”.

لم تتمكن عائلة السيد “كامل”، ومحاموه من الاتصال به، ولم يتلقوا أي تحديث عن وضعه منذ 3 مارس/ آذار 2020، كما تم تجديد حبسه احتياطيًا “غيابيًا” وفي غياب محامية في 18 مارس/ آذار 2020، وطعن محاميه على قرار تجديد حبسه، بحجة أنه يتعارض مع الحق في الدفاع القانوني في القانونين المصري والدولي. ومنذ ذلك الحين، تم تمديد فترة احتجازه بشكل متكرر أو تم تأجيل الجلسات، ورُفضت طلبات محاميه للاطلاع على سجلات المحكمة الخاصة بجلسات التجديد الأخيرة لأسباب غير معروفة.

وفي 8 يونيه/ حزيران 2020، حاول محاموه إرسال دواء لحالاته الطبية المختلفة، ولم يكن لديهم أي تأكيد على ما إذا كان السيد “كامل” قد تلقى الدواء من عدمه.

11/12- السيدة “إيمان الحلو”، والأستاذ “حسام أحمد”:

السيدة إيمان الحلو، هي مدافعة عن حقوق الإنسان، وتعمل في قضايا المساواة ومكافحة التمييز، بما في ذلك في صناعة السينما في مصر. والسيد حسام أحمد، هو مدافع عن حقوق الإنسان والعابرين جنسيًا، وبدأ عمله في مجال حقوق الإنسان من مكان احتجازه، وسلط الضوء على المعاملة غير المتكافئة للأفراد العابرين جنسيًا داخل وخارج السجن.

وتم اعتقال السيد “أحمد”، إلى جانب السيدة “إيمان”، في 28 فبراير/ شباط 2019، ويواجهان نفس التهم، ولا يزالان محتجزان في زنزانات غير نظيفة في قبو قسم شرطة “عابدين” في القاهرة، دون الوصول إلى المساحات الخارجية أو أشعة الشمس، ولم يتم قبولهم بعد من قبل أي منشأة للحبس “سجن”، ويتعرضا باستمرار للمضايقات، وكذلك الإساءات الجسدية والنفسية.

علاوة على ذلك، ينادي حراس السجن السيد “أحمد” باسم ولادته، بدلاً من الاسم الذي يتوافق مع جنسه، ويُزعم أنه حُرم من العلاج بالهرمونات منذ اعتقاله على الرغم من وجود شهادة طبية تصف حالته، والتي تؤهله طبيًا للعلاج الذي يؤكد جنسه، كما تم تجديد حبسهما “غيابيًا” منذ 4 مايو/ أيار 2020.

13- السيد “رامي شعث”:

المؤسس المشارك لعدد من الأحزاب السياسية في مصر، وكذلك حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS) في مصر، في الفترة من 25 نوفمبر/ تشرين الثاني 2019، حتى 18 فبراير/ شباط 2020، تم وضع السيد “شعث” في جلسات تجديد حبسه خلف زجاج عازل للصوت، مما منعه من التحدث إلى محاميه أثناء جلسة المحكمة، ومنذ 18 فبراير/ شباط 2020، لم يقابل السيد “شعث” محاميه.

في 17 أبريل/ نيسان 2020، تم إضافة السيد “شعث” إلى قائمة “الأفراد والكيانات الإرهابية” في مصر لمدة خمس سنوات، في قضية لم يبلغ محاميه بها، وإنما علم من الصحف، وطعن محاميه على القرار.

في 12 مايو/ أيار 2020، أي بعد 11 شهرًا من آخر مرة تحدثوا فيها، وشهرين منذ آخر مرة قاموا فيها بأي شكل من أشكال الاتصال، سُمح لأحد أفراد عائلة السيد “شعث” بالاتصال به لإجراء محادثة خاضعة للإشراف مدتها 45 دقيقة.

ودعا الخبراء في ختام مذكرتهم الحكومة المصرية بتقديم تفاصيل عن التدابير التي تم اتخاذها لضمان السماح لجميع السجناء بالاتصال المنتظم بأسرهم ومحاميهم، وفقًا للقانون المصري والدولي.

كما طالب الخبراء بيان التدابير التي يتم اتخاذها لمنع انتشار فيروس كورونا في السجون، وكذا تقديم تفاصيل عن التدابير المتخذة لحماية وعلاج الأشخاص الأكثر عرضة للخطر، بما في ذلك أولئك الذين يعانون من ظروف صحية أساسية.

التقرير الربع السنوي الثاني لمؤسسة ''حرية الفكر والتعبير'' عن حالة حرية التعبير في مصر (أبريل – يونيو 2020)


التقرير الربع السنوي الثاني لمؤسسة ''حرية الفكر والتعبير'' عن حالة حرية التعبير في مصر (أبريل – يونيو 2020)

التقرير يسلط الضوء على الإجراءات الحكومية الرامية إلى خنق حرية التعبير بمختلف أشكالها. تقييد حرية العمل الصحفي والإعلامي. تقويض حق المواطنين في المعرفة وتداول المعلومات. تعديلات فى قانون الطوارئ لتمكين الجيش من بسط سلطته على المدنيين والقبض عليهم والتحقيق معهم عسكريا فى القضايا والمخالفات المدنية. إجراءات أمنية وإدارية تعسفية تطال الأطباء حال تعبيرهم عن آرائهم على مواقع التواصل الاجتماعي. النيابة العامة تحاصر الإنترنت تحت دعاوى الأخلاق والقيم الأسرية وإساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعى ونشر الأخبار الكاذبة والإرهاب. تصاعد حملات اعتقال الناس وحبسهم بتهم ملفقة. محاولات مستمرة لغلق آخر منافذ التعبير عند المصريين عبر الانترنت. سجن دائم للصحافة المصرية


موقع مؤسسة حرية الفكر والتعبير / نشر فى مساء الأربعاء 30 سبتمبر 2020 / مرفق الرابط

 منهجية

اعتمد التقرير على عرض وتحليل بعض الموضوعات المرتبطة بالحق في حرية التعبير وحرية تداول المعلومات، بهدف تقييم السياسات العامة لمؤسسات الدولة تجاه الحق في حرية التعبير وحرية تداول المعلومات. كما اعتمد التقرير على عرض وتحليل الانتهاكات التي تم توثيقها، وفقًا لمنهجية الرصد والتوثيق الخاصة بمؤسسة حرية الفكر والتعبير. تم توثيق الانتهاكات في الفترة من 25 مارس وحتى 30 يونيو 2020.

بشكل خاص اعتمدت منهجية هذا التقرير على رصد تفاعلات مؤسسات الدولة في مصر (مجلس الوزراء، وزارة الصحة) وغيرها مع أزمة تفشي فيروس “كورونا المستجد” بما تضمنه ذلك من قرارات أو إجراءات اتخذتها الجهات المعنية بإدارة الأزمة بهدف حماية الصحة العامة للمواطنين وحمايتهم من انتشار الفيروس. كما اعتمد التقرير كذلك على رصد وتحليل قرارات جهات مثل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام والهيئة العامة للاستعلامات والنيابة العامة، وما أصدرته تلك الجهات من قرارات أو بيانات بشأن استراتيجيات التفاعل مع الأزمة، كلُ حسب اختصاصه.

مقدمة

مع استمرار تفشي وباء كورونا المستجد (كوفيد 19) في مصر تزداد الممارسات الحكومية الرامية إلى التضيق على حق المواطنين في التعبير عن آرائهم، وتحديدًا فيما يخص تطورات الوضع الوبائي. ذلك بالإضافة إلى  محاصرة تدفق المعلومات عبر المنصات المختلفة لصالح تسييد الرواية الرسمية التي تعلنها الحكومة. ذلك على الرغم من نُدرة مشاركة الحكومة المصرية للمعلومات حول الوضع الوبائي في مصر، وسياسات مجابهته. برز ذلك بوضوح من خلال التهديدات المستمرة التي تطلقها الجهات الرسمية ضد ما أسمتها محاولات “نشر الشائعات والأكاذيب”. وهو ما جرى ترجمته خلال الربع الثاني من عام 2020 في زيادة مضاعفة لأعداد الانتهاكات التي طالت أعضاء الطواقم الطبية. ما يعطي مؤشرات حول أولويات الحكومة أثناء الأزمة.

كما استغلت السلطات المصرية الأوضاع الاستثنائية التي فرضها تفشي وباء (كوفيد 19) في تمرير عدد من التعديلات على قانون الطوارئ، بما يتيح سلطات أكبر لرئيس الجمهورية وكذلك سلطات النيابة والقضاء العسكريين على المدنيين.

وتأتي الممارسات الحكومية الرامية إلى التضييق على حق المواطنين في التعبير وتداول المعلومات في الوقت الذي تدعو فيه كافة المؤسسات الدولية الحكومات حول العالم إلى ضرورة مشاركة شعوبها المعلومات اللازمة التي تمكِّنهم من تحديد حجم المخاطر والتحديات الصحية التي يواجهونها، بالإضافة لتجنب التضييق على حق المواطنين في التعبير عن آرائهم، وتمكين الصحفيين من القيام بعملهم بما يسمح بتضافر كل الجهود في محاولة السيطرة على انتشار وباء كورونا المستجد.

وفي هذا السياق أصدر عدد من خبراء رصد حرية التعبير وحرية الإعلام في الأمم المتحدة وآخرين بيانًا مشتركًا،[1] أكدوا فيه ضرورة توفير الحكومات المعلومات الصحيحة بشأن طبيعة تهديد فيروس كورونا المستجد بصيغ يسهل للجميع الاطلاع عليها. وأضاف بيان الخبراء أن الوصول للإنترنت ضروري في أوقات الازمة، لذا من المهم جدا أن تمتنع الحكومات عن حجب خدمة الإنترنت أو تبطيئها. وأكد بيان الخبراء على ضرورة ان تبذل الحكومات جهودًا استثنائية لحماية عمل الصحفيين.

في هذا الإطار دعت  مؤسسة حرية الفكر والتعبير في بيانها بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة السلطات المصرية إلى؛ الكف عن استهداف الصحفيين والعمل على تمكينهم من أداء عملهم بحرية ودون معوقات تعسفية، بالإضافة إلى ضرورة الإفراج عن جميع الصحفيين المحبوسين على خلفية أداء مهام عملهم الصحفي، والذين ارتفعت أعدادهم في الشهور الأخيرة مع التغطيات الصحفية لأزمة انتشار كورونا. فضلًا عن ضرورة رفع الحجب عن المواقع الصحفية التي تم حجب أغلبها عبر قرارات صادرة من جهة غير معلومة إلى الآن.

وتفاعلًا مع النداءات الدولية وخصوصًا الدعوة التي أطلقتها مفوضية حقوق الإنسان السامية بالأمم المتحدة حول ضرورة النظر إلى تقليل أعداد المحبوسين والمسجونين بهدف تقليل التكدس داخل السجون، خاصة تلك التي تفتقر إلى المقومات الصحية الأساسية، وذلك لمنع انتشار الوباء بين السجناء. وعلى وجه التحديد كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة فضلًا عن سجناء الرأي، دشَّنت مؤسسة حرية الفكر والتعبير، في الأول من يونيو، حملة للمطالبة بالإفراج عن سجناء حرية التعبير في مصر، إقرارًا للعدالة وباعتبار ذلك إجراءًا فعالًا لمواجهة خطر تفشي الوباء داخل السجون والتي تكتظ بعشرات الآلاف من المواطنين على خلفية تعبيرهم عن آرائهم.

في سياق منفصل عن انتشار وباء كورونا المستجد؛ استمرت محاولات السلطات المصرية للسيطرة على المحتوى المنشور على مواقع التواصل الاجتماعي وتطبيقات السوشيال ميديا، والتي لجأ إليها المواطنون بكثافة خلال هذا الربع نتيجة لسياسات التباعد الاجتماعي التي فرضت عليهم المكوث في منازلهم. حيث اضطلعت النيابة العامة لما أسمته (حماية حدود مصر السيبرانية) عبر إصدار قرارات بضبط وإحضار عدد من مستخدمي تلك التطبيقات تحت دعاوى فضفاضة وغير محددة، كان أبرزها ما أطلقت عليه النيابة العامة “حماية المبادئ والقيم الأسرية”.

يحاول هذا التقرير تسليط الضوء على الإجراءات الحكومية الرامية إلى خنق حرية التعبير بمختلف أشكالها، وفي القلب منها حرية العمل الصحفي والإعلامي وحق المواطنين في المعرفة وتداول المعلومات. ومدى استجابة السلطات في مصري إلى النداءات الحقوقية الدولية والمحلية المطالبة بضرورة عدم استغلال الوضع الوبائي من أجل فرض مزيد من الإجراءات الاستثنائية الهادفة لإغلاق النوافذ المتاحة للمواطنين للتعبير.

ينقسم التقرير إلى قسمين رئيسيين، القسم الأول يتناول قراءة في حالة حرية التعبير خلال الربع الثاني من عام 2020 (25 مارس إلى 30 يونيو). فيما يتناول القسم الثاني عرض وتحليل أنماط الانتهاكات الخاصة بحرية التعبير، وبالأخص؛ حرية الإعلام، حرية الإبداع وحرية التعبير الرقمي. وذلك من خلال ما وثَّقته وحدة الرصد والتوقيق بالمؤسسة من انتهاكات  خلال نفس الفترة.

 القسم الأول: تعبير محاصر في زمن الكورونا

سادت حالة من التفاؤل بين قطاعات من المجتمع المصري -مع بداية الأزمة- لما بدا أنه استيعابًا للأصوات العاقلة داخل منظومة الحكم، حيث أسندت إدارة الأزمة إلى عدد من التكنوقراط المتخصصين، وهو ما دفع المراقبين للإشادة بإدراك السلطات المصرية لحجم الخطر الداهم الذي يشكله انتشار وباء (كوفيد-19). إلا أن تلك الحالة سارعت في الانقشاع، تحديدًا بعد عودة سريعة  للاعتماد على الحلول الأمنية في إسكات أي صوت يتعارض مع رؤية الحكومة، سواء على مستوى تطورات الوضع الوبائي في مصر أو مستوى كفاء السياسات المتبعة من قبل الحكومة والجهات المعنية في التعامل مع خطر تفشي الوباء.

أدى ذلك بالضرورة إلى زيادة مطردة في أنماط و وقائع الانتهاكات التي ارتكبتها السلطات المصرية عبر جهات رسمية وأمنية بحق حرية التعبير وبالأخص؛ حرية العمل الصحفي والإعلامي، حرية التعبير الرقمي وحرية الإبداع والتعبير الفني. حيث تفاوتت معدلات الانتهاكات بحق حرية التعبير في الربع الأول من عام 2020 والربع الثاني من نفس العام بنسبة وصلت 500% بحسب رصد مؤسسة حرية الفكر والتعبير.

ترتبط هذه الزيادة الهائلة في أعداد الانتهاكات، بشكل مباشر، بأزمة انتشار فيروس كورونا المستجد، حيث تحاول السلطات المصرية تسييد روايتها المتعلقة بأعداد المصابين بالفيروس، وكذلك عدد الوفيات والمتعافين، في محاولة لإقناع الجمهور بنجاح سياسات الحكومة في مواجهة خطر تفشي وباء كورونا. ولأجل هذه الغاية؛ شنَّت الأجهزة الأمنية حملات أمنية موسَّعة استهدفت نشطاء وصحفيين وأعضاء من الطواقم الطبية، بسبب تعبيرهم عن آرأيهم بشأن تعامل الحكومة مع الأزمة.

كذلك اتخذت المجالس الإعلامية وعلى رأسها المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، الهيئة الوطنية للصحافة والهيئة العامة للاستعلامات؛ سلسلة من القرارات ضد الصحفيين والمؤسسات الصحفية والإعلامية (المحلية والاجنبية) بسبب طبيعة التغطيات المتعلقة بالوضع الوبائي في مصر وتطوراته وسياسات الحكومة والجهات المعنية في التعامل مع ذلك، وهو ما يتسق مع رغبة السلطات في فرض حصار محكم على تدفق البيانات والأخبار والمعلومات. كما تم استخدام الجزاءات الإدارية والتأديبية بحق أطباء عبّروا عن آرائهم بشأن سياسات الحكومة لمجابهة الوباء.

تأتي تلك الاجراءات متماشية بشكل كبير ما يمكن اعتباره انزعاجًا حكوميًا من الانتقادات التي توجّه إليها على خلفية الجهود المبذولة لمحاصرة انتشار الوباء ، وهو الانزعاج الذي عبّر عنه الرئيس عبد الفتاح السيسي، فيما أسماه (محاولة أعداء الوطن المتربصين التشكيك فيما تقوم الدولة به من جهد وإنجاز في مواجهة وباء كورونا) وكان ذلك عبر تدوينة نشرتها[2] الصفحة الرسمية لرئيس الجمهورية على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” في 28 مايو 2020.

تعديلات قانون الطوارئ، مزيد من بسط سلطات القوات المسلحة على المدنيين

في 7 مايو 2020، دخلت التعديلات الجديدة على قانون الطوارئ رقم 162 لسنة 1958 حيز التنفيذ، وذلك بعد تصديق رئيس الجمهورية عليها. وقالت الحكومة المصرية أن تعديلات القانون جاءت لمواجهة حالة الطوارئ الصحية التي يفرضها انتشار وباء كورونا المستجد داخل مصر.

وهدفت التعديلات على قانون الطوارئ إلى زيادة سيطرة أفراد القوات المسلحة (النيابة العسكرية والقضاء العسكري) على المدنيين، ما يمثل اهدرًا لحق المواطنين الدستوري في المحاكمة أمام قاضيهم الطبيعي. حيث منحت التعديلات الجديدة رئيس الجمهورية سلطة إسناد الاختصاص بالتحقيق في الجرائم التي تقع بالمخالفة لقانون الطوارئ إلى النيابة العسكرية.

كما منحت المادة الرابعة النيابة العسكرية اختصاص التحقيق في الجرائم التي يتم ضبطها بمعرفة القوات المسلحة، وقصر دور النيابة العامة على الإحالة للقضاء. كما عزَّزت المادة الرابعة من سلطات أفراد القوات المسلحة على المدنيين بمنحهم سلطة الضبطية القضائية[3].

إجراءات أمنية وإدارية تعسفية تطال الأطباء حال تعبيرهم عن آرائهم على مواقع التواصل الاجتماعي

تزايدت الإجراءات الأمنية والإدارية التعسفية التي يواجهها عدد من أفراد الأطقم الطبية على خلفية تعبيرهم عن آرائهم على مواقع التواصل الاجتماعي بخصوص السياسات الحكومية لمواجهة خطر انتشار وباء كوفيد-19.

وكانت الأجهزة الأمنية قد شنّت حملة مستمرة للقبض على الأطباء ممن ينتقدون أداء الحكومة أو وزارة الصحة والجهات المعنية في إدارة الأزمة. ارتفعت حدة الانتهاكات بحق الأطباء بعد الاعتراضات الواسعة التي ضربت  صفوفهم بسبب الزيادة الكبيرة في أعداد الإصابة بين أفراد الطواقم الطبية، ما عزاه الأطباء إلى البروتوكولات غير الناجحة لوزارة الصحة في التعامل مع الأطباء المخالطين للحالات المصابة وشروط عزلهم الخ، فضلًا عن عدم توفير أماكن في مستشفيات العزل للأطباء المصابين.

وخاطبت نقابة الأطباء النائب العام للإفراج عن 6 أطباء بشريين قالت أنهم ألقي القبض عليهم لتعبيرهم عن آرائهم على مواقع التواصل الاجتماعي. ووثقت المؤسسة، 6 وقائع حبس أطباء بشريين بعدة محافظات، بالإضافة إلى صيدلي بمحافظة الأسكندرية وممرضة بمحافظة دمياط، وذلك بسبب تعبيرهم عن آرائهم أو نشر معلومات حول انتشار وباء (كوفيد 19), كما وثقت المؤسسة إجراءات إدارية تعسفية بحق أطباء لنفس السبب، أو لأسباب تتعلق برفضهم العمل دون توفير أدوات الحماية اللازمة واتباع الإجراءات الاحترازية الإرشادية لوزارة الصحة المصرية ومنظمة الصحة العالمية.

تؤكد مؤسسة حرية الفكر والتعبير في هذا السياق أن الحفاظ على أعضاء الطواقم الطبية الذين يبذلون جهودًا مضنية للمساعدة في تقديم الرعاية الطبية للمرضى؛ لأمر مفصلي في مواجهة الخطر من تفشي وباء فيروس كورونا المستجد. وأن استمرار الإهمال في تقديم الرعاية الطبية لهم وتوفير بيئة العمل الآمنة واللازمة للحفاظ عليهم، وعدم توجيه الأولوية في تقديم العلاج وتوفير أماكن العزل بالمستشفيات للأطباء قد يُنذر بكارثة حقيقية، نظرًا للمحدودية في عدد أفراد الطواقم الطبية المجهزين للتعامل مع المصابين. وتدعو المؤسسة الحكومة المصرية أن تجعل صحة الطواقم الطبية الأولوية القصوى على أجندة عمل لجنة إدارة الأزمة، كما هو الحال في أغلب دول العالم. وهو ما يجعل التنكيل بالأطباء أصحاب الرأي المختلف مع رؤية الحكومة وسياستها في التعامل مع الأزمة، جريمة مكتملة الأركان، وتطالب المؤسسة السلطات المصرية بالافراج عنهم بشكل فوري ودون تأخير ووقف الحملة ضد الأطباء.

الإفراج الفوري عن سجناء الرأي ضرورة ملحة لمواجهة انتشار كورونا داخل السجون

توالت الأنباء حول إصابة عدد من السجناء في عدة سجون مصرية بفيروس كورونا المستجد، حيث أعلنت المفوضية المصرية للحقوق والحريات، مؤسسة حقوق إنسان مصرية مستقلة، عبر تدوينة على صفحتها الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك[4] عن قرار من محكمة جنايات الإسكندرية بإخلاء سبيل موكلها، حمدي جابر محمد، بتدابير احترازية بعد إصابته بفيروس كورونا داخل سجن برج العرب. فيما لم يصدر أي بيان من وزارة الداخلية أو النائب العام حول الواقعة.

وقالت المفوضية إن محاميها أبلغ بتعذر نقل المتهم على ذمة القضية رقم 3058 لسنة 2019 إداري مينا البصل والمحبوس بسجن برج العرب منذ أغسطس 2019 بسبب نقله إلى المستشفى بعد تعرضه للإغماء بسبب دور برد. إلا أن محامي المفوضية أفاد أنه بسؤال هيئة المحكمة عن سبب عدم حضور المتهم، أجابت؛ “بسبب وجوده في المستشفى لإصابته بفيروس كورونا”. مضيفا انه طلب من المحكم إثبات ذلك بمحضر الجلسة.

وفي نفس السياق؛ وبعد يومين من وفاة أحد الموظفين العاملين بسجن طرة نتيجة إصابته بفيروس كورونا المستجد، أصدرت وزارة الداخلية بيانًا، في 31 مايو 2020، حول الواقعة، قالت فيه أن الموظف المشار إليه حصل على اجازة من عمله بتاريخ 17 مايو، للعلاج من أحد الأمراض المعدية ، إلا انه وخلال فترة الأجازة قام بإجراء مسحة فيروس كورونا بمستشفى الحميات بإمبابة، ولكنه توفي قبل أن تظهر النتيجة التي ثبتت إيجابيتها.

وأكد بيان الداخلية أن الوزارة اتخذت على الفور الإجراءات الاحترازية اللازمة لتعقيم موقع عمله، كما جرى فحص المخالطين له للتأكد من سلامتهم، دون أن يحدد البيان أسماء أو صفات المخالطين له. وأشار البيان إلى سابقة إجراء الفحوص الطبية للموظف خلال الفترة السابقة لحصوله على الاجازة المرضية للتأكد من سلامته، أسوة بما يتم مع جميع العاملين بالسجون. إلا أن تقريرًا نشره موقع “مدى مصر” الصحفي، نقل عن مصادر لم يسمها، شعور الموظف بالإعياء والإرهاق منذ منتصف مايو، واستمراره في الذهاب إلى عمله حتى تفاقم الأعراض عليه في 18 من نفس الشهر.

وهو ما يزيد المخاوف حول انتشار وباء كورونا المستجد داخل السجون، ويجعل من الإفراج عن المحبوسين اجتياطيًا والمسجونين على ذمة قضايا رأي ضرورة من أجل  إقرار العدالة، وباعتبار الإفراج عن سجناء الرأي، فضلًا عن كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة أحد الأدوات الفعالة في مواجهة انتشار الفيروس داخل السجون، عن طريق تخفيف التكدس داخلها، خاصة مع انعدام مقومات الرعاية الصحية داخل السجون.

جدير بالذكر أن مؤسسة حرية الفكر والتعبير وهيئة الدفاع عن الناشط السياسي أحمد دومة تقدما بطلب إلى النائب العام، المستشار حمادة الصاوي، لإجراء مسحة PCR له، كان ذلك بتاريخ 6 يونيو 2020، وجاء على خلفية وفاة الموظف بنفس السجن، والذي يقضي فيه دومة حكمًا بالسجن 15 عاما في القضية رقم 8692 لسنة 2011 جنايات السيدة زينب، والمعروفة إعلاميًا بأحداث مجلس الوزراء والمتهم فيها بالتجمهر وحرق الدور الأول من مبنى مجلس الشعب واستعراض القوة.

وتبدي مؤسسة حرية الفكر والتعبير مخاوفها الشديدة جراء الوضع الوبائي داخل السجون في ظل غياب تام لأي معلومات رسمية بشأن الوضع داخل السجون، سواء من وزارة الداخلية، مصلحة السجون أو النيابة العامة، خصوصًا مع قرار وزارة الداخلية منع الزيارة داخل السجون وأقسام الشرطة بتاريخ  10 مارس الماضي، والذي استمر سارياً حتى انتهاء الفترة التي يغطيها التقرير، بالإضافة لعدم تمكين السجناء من التواصل هاتفيًا مع ذويهم ومحاميهم من أجل طمأنتهم.

ولعل أهم دلالة على ضعف منظومة الرعاية الصحية داخل السجون والإهمال الطبي الذي يتعرض له النزلاء؛ وفاة المخرج الشاب شادي حبش، في الأول من مايو 2020، داخل محبسه بسجن طره تحقيق، بعد يومين من تعرضه لوعكة صحية، على إثر تناوله بعضًا من الكحول المطهر، حسب بيان النيابة، وشهدت الواقعة تباطؤ إدارة سجن طره على مدار يومين في نقله إلى مستشفى مجهزة للتعامل مع حالته إلى أن وافته المنية، بالرغم من إبلاغه طبيب السجن المناوب بتناوله عن طريق الخطأ للكحول.

ألقي القبض على حبش في الأول من مارس لعام 2018 على خلفية مشاركته في إخراج فيديو كليب للمطرب المصري المقيم بالسويد، رامي عصام، تحت عنوان “بلحة” يعلق من خلالها المطرب على عدد من سياسات الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي بشكل ساخر. عرض حبش لأول مرة بعد إلقاء القبض عليه على نيابة أمن الدولة في 5 مارس 2018  متهمًا على ذمة التحقيقات في القضية رقم، 480 لسنة 2018 حصر أمن الدولة العليا. وجهت لحبش اتهامات منها، مشاركة جماعة إرهابية تحقيق أهدافها، نشر وإذاعة أخبار وبيانات كاذبة.

كان حبش قبل وفاته قد تجاوز حد الحبس الاحتياطي على نفس القضية في 5 مارس 2020، وهو ما كان يجب معه على النيابة العامة الأمر فورًا بإخلاء سبيله تطبيقا لنص المادة رقم (143) من قانون الإجراءات الجنائية، والتي نصت على “لا يجوز أن تتجاوز مدة الحبس الاحتياطي في مرحلة التحقيق الابتدائي وسائر مراحل الدعوى الجنائية ثلث الحد الأقصى للعقوبة السالبة للحرية، بحيث لا تتجاوز ستة أشهر في الجنح وثمانية عشر شهرا في الجنايات، وسنتين إذا كانت العقوبة المقررة للجريمة هي السجن المؤبد او الإعدام”. وهو ما يثير التساؤلات حول الدور التي تلعبه النيابة العامة في استمرار استخدام الحبس الاحتياطي كأداة للتنكيل والعقاب بمواطنين قرروا التعبير عن آرائهم المناهضة لسياسات الحكومة بطرق سلمية، وليس باعتباره إجراءاً احترازيًا الهدف منه حماية سير التحقيقات.

لعل أيضًا أكبر الدلائل على استخدام الحبس الاحتياطي كعقوبة في حد ذاته للتنكيل بالنشطاء والمعارضين هو ما يطلق عليه “تدوير القضايا”. وهو أحد أنماط الانتهاكات التي أصبحت سائدة خلال السنوات الأخيرة. حيث تنتظر النيابة العامة قرب انتهاء الحد الأقصى لفترة الحبس الاحتياطي للمحبوسين على ذمة قضايا سياسية، وتقوم بالتحقيق معهم على ذمة قضايا جديدة، في أغلب الأحوال  توجَّه إليهم نفس الاتهامات، بحيث لو اضطرت النيابة إخلاء سبيلهم لانقضاء الحد الأقصى لفترة حبسهم احتياطيًا (عامين) على ذمة القضية الأولى، يسهل استمرار حبسهم عامين آخرين احتياطيًا على ذذمة القضية الجديدة، دون الإحالة للمحاكمة.

  ثانيًا: النيابة العامة تحاصر الإنترنت تحت دعاوى الأخلاق والقيم الأسرية:

خلق واقع التباعد الاجتماعي الذي نصحت به الهيئات الصحية كأحد أهم الإجراءات لمواجهة خطر تفشي وباء “كورونا” زيادة كبيرة في تفاعل المواطنين على مواقع التواصل الاجتماعي، وانتشار عدد من التطبيقات على الإنترنت، للتسلية وقضاء الوقت، من بين تلك التطبيقات بالطبع منصة “يوتيوب” المملوكة لشركة جوجل العالمية، ولكن أبرز تلك التطبيقات والذي أثار جدلًا واسعًا، الشهور الأخيرة، هو تطبيق (تيك توك Tik Tok).

حيث ارتفع بشكل ملحوظ عدد مستخدمي تلك التطبيقات (للفيديوهات القصيرة) للتعبير عن أنفسهم بشكل أكبر وأكثر حرية، استغلالًا لفترة التزام المنازل والعمل من المنزل، ولكن لم يمر الأمر بتلك البساطة، حيث رصدت المؤسسة والمراقبين لأداء النيابة العامة مؤخرًا، نمط مستحدث من أنماط الانتهاكات التي ترتكبها النيابة العامة بحق حرية التعبير، يتمثل في تنصيب نفسها وصيُا لحماية القيم الأخلاقية والأسرية، عبر استغلال عدد من المواد القانونية بقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات وقانون العقوبات، التي تستخدم مصطلحات وعبارات غامضة ومطاطية، مثل (الحفاظ على قيم الأسرة المصرية، وحماية الأخلاق والآداب العامة). وهي المواد التي لطالما طالب نشطاء حقوق الإنسان تنقيح بعضها وحذف بعضها تمامًا، لما تمثله من انتهاك صارخ للحق في حرية التعبير بشكل عام، وحرية التعبير الرقمي فضلًا عن حرية التعبير الفني بشكل خاص.

يتماشى هذا  النمط من الانتهاكات مع السياق العام الذي تحاول فيه السلطات المصرية السيطرة على الفضاء الإلكتروني واحكام السيطرة على آخر نوافذ التعبير عن الرأي. حيث استخدمت النيابة العامة ،على سبيل المثال، مؤخرًا، عبارة (حماية حدود مصر السيبرانية)، هذا فضلًا عن ترسانة المواد القانونية بقوانين؛ جرائم تقنية المعلومات، قانون تنظيم الصحافة والإعلام، قانون الإرهاب وقانون العقوبات التي قيدت بشكل كبير جدًا حرية المواطنين في استخدام منصات الفضاء الإلكتروني للتعبير عن أنفسهم.

على سبيل المثال؛ في 21 أبريل 2020، ألقت قوة من الشرطة القبض على الطالبة بجامعة القاهرة، حنين حسام، على خلفية نشرها فيديو تدعو من خلاله الى استخدام تطبيق (لايكي) والحصول على مقابل مالي نظير اتساع المتابعين.

وجَّهت النيابة العامة[5] إلى “حنين” اتهامات، من بينها؛ الاعتداء على المبادئ والقيم الأسرية في المجتمع المصري، الاتجار بالبشر واستخدام فتيات في أعمال منافية لمبادئ وقيم المجتمع للحصول على مكاسب مادية، أو استغلال حالة الضعف الاقتصادي وحاجة الفتيات للمال وقررت النيابة حبسها 15 يومًا على ذمة التحقيقات في القضية رقم 4971 لسنة 2020 جنح الساحل.

وفي بيان لها، أكدت جامعة القاهرة على تحويل “حنين” إلى التحقيق داخل الجامعة لارتكابها سلوكيات تتنافى مع الآداب العامة والقيم والتقاليد الجامعية. وهو كذلك نمط انتهاك مستحدث يتعرض له الأساتذة والطلاب مؤخرًا، حيث تراقب إدارات الجامعات حسابات أعضاء هيئات التدريس وتفاعلات الطلاب على منصات التواصل الاجتماعي وليس داخل الحرم الجامعي فقط، بدعوى الحفاظ على القيم والتقاليد الجامعية، وسبقت واقعة إحالة حنين حسام إلى التحقيق، واقعة التحقيق مع الأستاذة بجامعة القاهرة “منى برنس” بشأن أحد الفيديوهات التي نشرتها على صفحتها الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”.

لم تكن حنين هي الواقعة الأخيرة تحت تلك الدعاوى فقد أمرت النيابة العامة بحبس مودة الأدهم والشهيرة بنجمة “التيك توك” أربعة أيام على ذمة التحقيق في 15 مايو الماضي[6]، بعد اتهامها بالاعتداء على مبادئ وقيم أسرية في المجتمع المصري، وإنشائها وإدارتها واستخدامها مواقع وحسابات خاصة عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي بشبكة المعلومات الدولية بهدف ارتكاب وتسهيل ارتكاب تلك الجريمة.

كانت قوة من الإدارة العامة لمباحث الآداب بوزارة الداخلية قد ألقت القبض على مودة داخل تجمع سكني بمنطقة السادس من أكتوبر، محافظة الجيزة، نتيجة صدور قرار من النيابة العامة بضبطها وإحضارها على خلفية تلك الاتهامات.

وفي 11 يونيو 2020، أحالت النيابة العامة[7] حنين حسام ومودة الأدهم للمحكمة الاقتصادية. وشمل قرار الإحالة إلى جانين الفتاتين إحالة 3 أشخاص هم محمد عبد الحميد زكي، محمد علاء الدين أحمد، وأحمد سامح عطية. اتهمت النيابة زكي وعلاء الدين بالاتفاق والمساعدة مع حنين حسام على نشر مقطع الفيديو الذي تضمن الدعوة لعقد لقاءات مخلة بالآداب. فيما وجهت النيابة لعطية اتهامات من بينها، إدارة حساب مودة الأدهم على شبكة المعلومات ومساعدتها في نشر مقاطع فيديو مخلة وخادشة للحياء العام، كما حاز على برامج مصممة بدون تصريح من جهاز تنظيم الاتصالات أو مسوغ من الواقع أو القانون، بغرض استخدامه في تسهيل ارتكب الأدهم للجريمة حسب قرار الإحالة.

كذلك ألقت السلطات المصرية القبض على الفنانة سامية أحمد عطية[8] والشهيرة بـ”سما المصري” في 24 إبريل الماضي على خلفية اتهامات بنشر صور ومقاطع فيديو من شأنها خدش الحياء العام عبر حساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي، وإتيانها علانية أفعال فاضحة ومخلة، وإعلانها دعوة تتضمن إغراء بالدعارة ولفت الأنظار إليها بالإضافة لاعتدائها على المبادئ والقيم الأسرية للمجتمع المصري. في 25 من نفس الشهر بعد يوم من إلقاء القبض عليها، أمرت نيابة شمال القاهرة إخلاء سبيل المصري. وفي 27 يونيو الماضي قضت الدائرة الأولى بالمحكمة الاقتصادية بحبس “المصري” 3 سنوات وغرامة 300 ألف جنية لاتهامها بالتحريض على الفسق والفجور[9].

وفي 31 مايو الماضي ألقت الإدارة العامة لحماية الآداب وبمساعدة مباحث مركز شربين بالدقهلية القبض على البلوجر المعروف باسم “سوبر ماهر” من منزله بإحدى قرى مركز شربين محافظة الدقهلية[10]. وألقي القبض على “سوبر ماهر” تحت دعاوى انشاء مواقع وحسابات إلكترونية يقدم من خلالها محتوى إباحي وخادش للحياء وترويج افكار شاذة داخل المجتمع خاصة بين أوساط الشباب والتعدي على قيم واخلاق الاسرة المصرية.

وفي نفس السياق ألقت قوة من الإدارة العامة لحماية الآداب بوزارة الداخلية، القبض على شريفة رفعت والشهيرة بـ”شيري هانم” وابنتها نورا الشهيرة بـ”زمردة” في 11 يونيو الماضي من إحدى الشقق السكنية بمنطقة مصر الجديدة، محافظة القاهرة، على خلفية اتهامها باستخدام حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، تقدم من خلالها محتوى مخل بالآداب وألفاظ نابية خادشة للحياء، بالإضافة لنشرها أفكار تهدد أمن المجتمع[11].

وتبرز تلك الوقائع ما يمكن تسميتها بمحاولة فرض النيابة العامة ووزارة الداخلية وصايتهم على المحتوى الذي يقدمه المواطنين على الإنترنت من خلال فرض مجموعة من المحاذير تحت دعاوى فضفاضة وغير محددة كالحفاظ على القيم والمبادئ الأسرية.

لم تكتف النيابة بالقبض على بعض مستخدمي تلك التطبيقات بل دعت[12] إلى التوسع في التشريعات المتعلقة بالفضاء السيبراني، ودعوتها لمستخدمي مواقع التواصل من الشباب أن يسهموا بدور فعال في معاونة السلطات المصرية لحراسة ما أسمته “الحدود المستحدثة” وهي حسب بيان النيابة العامة حدود جديدة سيبرانية مجالها المواقع الإلكترونية. وأكدت النيابة العامة عبر بيانها بأن حماية تلك الحدود الجديدة لن تتم إلا بوعي شامل وتفاعل متكامل من كافة طوائف المجتمع من أجل حصر الضار منها وما فيه من شرور ورفع للقيود، وتستر وراء شخوص مستعارة وحقائق مزيفة.

كانت السلطات المصرية قد سنت مجموعة من التشريعات التي تحاول من خلالها التضييق على مرتادي الإنترنت ومراقبة المحتوى، لعل أبرزها، قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات والذي يفرض عقوبة الحبس والغرامات المالية لجرائم أخلاقية يصعب معرفة أركانها أو التأكد من صحتها، منها ما يسمى جريمة الاعتداء على المبادئ والقيم الأسرية في المجتمع. نفس القانون الذي يمنح سلطات الضبط والتحري (وزارة الداخلية، النيابة العامة) صلاحية مراقبة وحجب المواقع الالكترونية والحسابات الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي.

قانون تنظيم الإعلام والصحافة كذلك أعطى صلاحيات للجهات القضائية والشرطية والمجلس الأعلى للإعلام تسمح بحجب المواقع والحسابات الشخصية التي يتخطى عدد متابعيها 5000 متابع،  لاعتبارات “الأمن القومي” أو في حالات نشر أخبار كاذبة ، أو امتهان للأديان السماوية أو العقائد الدينية. كما تستخدم  تشريعات مثل قوانين، العقوبات، الطوارئ، ومكافحة الإرهاب ضد نشطاء وصحفيين ومستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، تحت دعاوى مختلفة أبرزها نشر أخبار كاذبة وإساءة استخدام وسائل التواصل الإجتماعي.

القسم الثاني: عرض وتحليل الانتهاكات الخاصة بحرية التعبير:

 شهد الربع الثاني من عام 2020 ارتفاعًا حادًا في أعداد الانتهاكات المرتبطة بحرية التعبير، خاصة في مجالات؛ حرية الصحافة، التعبير الرقمي وحرية الإبداع. حيث وثَّقت مؤسسة حرية الفكر والتعبير خلال الفترة من 25 مارس 2020 إلى 30 يونيو من نفس العام، 63 واقعة انتهاك، بزيادة تجاوزت 500% عن الربع الأول من نفس العام، والذي وثقت فيه المؤسسة 11 واقعة انتهاك مرتبطة بملفات الإعلام، التعبير الرقمي والإبداع.

لم تتوقف الانتهاكات بحق حرية التعبير في الملفات السابق ذكرها على الأمور المرتبطة بأزمة انتشار جائحة كوفيد_19، حيث استمرت أنماط الانتهاكات الاعتيادية التي تمارسها السلطات المصرية بحق حرية التعبير، وبنفس المعدلات تقريبًا.

نشر الأخبار الكاذبة.. سجن الصحافة الدائم:

في رسالته[13] بمناسبة يوم الصحافة العالمي ناشد الأمين العام للأمم المتحدة الحكومات أن تضمن تمكين الصحفيين من أداء عملهم طوال فترة تفشي جائحة كورونا وما بعدها، مؤكدا على الدور الذي تقوم به الصحافة في مساعدة الحكومات على اتخاذ القرارات الصحيحة التي تمكنها من إنقاذ الأرواح، كما أكد على دور الصحافة في مواجهة ما سماه بجائحة المعلومات الكاذبة حول الوباء عن طريق تقديمها لأنباء وتحليلات علمية ومدعومة بالوقائع، وأكد غودريتش على ضرورة عدم استغلال الإجراءات الاستثنائية لإضعاف قدرة الصحفيين على القيام بعملهم.

وثّق فريق عمل مؤسسة حرية الفكر والتعبير 23 واقعة انتهاك بحق الصحفيين والمؤسسات الصحفية خلال الربع الثاني من عام 2020، اشتملت على 35 انتهاكًا بزيادة قاربت 440% على عدد الوقائع التي وثقتها المؤسسة خلال الربع الأول من نفس العام، حيث سُجِّل حينها 5 وقائع انتهاكات.

دفع انتشار وباء كورونا السلطات المصرية إلى محاصرة المعلومات المرتبطة بتطورات الوضع الوبائي في مصر لصالح رواية الحكومة الرسمية التي تصدر عبر أجهزتها المعنية (مجلس الوزراء، وزارة الصحة) ما كان سببًا في الزيادة الحادة في عدد وقائع الانتهاكات التي ارتكبت بحق الصحفيين والمؤسسات الصحفية. والتي يبلغ نسبتها ما يقارب 40% من إجمالي الانتهاكات التي وثَّقتها المؤسسة، وعلى وجه خاص التغطيات  المرتبط بانتشار وباء كورونا المستجد.

وبشكل عام فقد وثّقت المؤسسة 7 حالات قبض على صحفيين خلال الربع الثاني كأكثر الانتهاكات التي ارتكبت خلال الربع الثاني من عام 2020، خرج منهم 3 صحفيين، وأمرت نيابة أمن الدولة بحبس الأربعة الآخرين احتياطيًا إلى الآن. ذلك بالتساوي مع حجب السلطات المصرية 7 مواقع منهم 5 مواقع صحفية جديدة ونطاقين بديلين لموقعين محجوبين بالفعل، نصف هذه المواقع حجب مؤقت بقرار أصدره المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، والنصف الآخر حجب نهائي من جهة غير معلومة إلى الآن.

وجاء حذف المحتوى أو منع البث في المرتبة الثالثة بواقع 4 حالات وحالة واحدة لكل من الاعتداء البدني والاستيلاء على المعدات الصحفية. فيما جرى توثيق 15 انتهاكًا ‘آخر، ما بين الغرامة، الإلزام بتقديم اعتذار، إحالة إلى التحقيق، الإنذار، ومنع الظهور إعلاميًا فضلًا عن قرارًا بمنع استخدام الأسماء المستعارة إلا بتصريح من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام.

وجاء المجلس الاعلى للإعلام على رأس قائمة الجهات التي تعدت على حرية الإعلام بواقع 16 انتهاكًا، وهو ما يبرز الدور الذي يلعبه المجلس في محاصرة ومراقبة وسائل الإعلام المختلفة، يعقبه قوات الشرطة والتي ارتكبت 8 حالات، و4 حالات للهيئة الوطنية للإعلام، و 3 للجهة غير المعلومة الواقفة خلف حملة حجب مواقع الويب والتي بدأت منتصف عام 2017، و أعقبتها الهيئة العامة للاستعلامات بواقع حالتان.

على مستوى الانتهاكات ضد حرية الصحافة والمرتبطة بانتشار وباء كورونا المستجد، كثفت السلطات المصرية من إجراءاتها القمعية والتعسفية تجاه الصحفيين والمواقع الصحفية، رغبة في إطار محاولاتها لمحاصرة تدفق المعلومات عن الوضع الوبائي في مصر، وحتى تتمكن من تسييد روايتها الرسمية، فضلًا عن ملاحقة الأصوات المنتقدة والمختلفة مع خطط وسياسات الحكومة في إدارة الأزمة. حيث ألقت قوات الأمن القبض على ثلاثة صحفيين، بينما اضطلع المجلس الأعلى للإعلام والهيئة الوطنية للصحافة فضلًا عن الهيئة العامة للاستعلامات بفرض شباك الرقابة والمحاسبة على كافة منصات الصحافة المحلية والأجنبية، سواء كتنت مطبوعة أو رقمية أو مرئية.

1- القبض على الصحفيين؛ أحمد علام وسامح حنين وهيثم محجوب:

 في 25 أبريل 2020، ألقت قوات الشرطة القبض على الصحفي أحمد علام[14] بعد مداهمة منزل أسرته بمدينة العياط، محافظة الجيزة. ولم يستدل على مكان “علام” إلا بعد يومين من القبض عليه حين ظهر في نيابة أمن الدولة العليا بالتجمع الخامس، مطلوبًا على ذمة التحقيقات في القضية رقم 558 لسنة 2020 حصر أمن دولة. حيث وجهت له نيابة أمن الدولة اتهامات من بينها، الانضمام لجماعة إرهابية، نشر اخبار كاذبة، واستخدام وسيلة من وسائل التواصل الاجتماعي لتنفيذ الاتهام الثاني.

ذلك بينما ألقت قوات الشرطة القبض على الصحفي بجريدة المصري اليوم هيثم حسن، من منزله بمنطقة دار السلام بمحافظة القاهرة في 11 مايو 2020. ظهر حسن بنيابة أمن الدولة في اليوم التالي، متهمًا على ذمة القضية رقم 586 لسنة 2020 أمن دولة. حيث وجهت له نيابة أمن الدولة اتهامات منها، الانضمام لجماعة إرهابية، وإذاعة أخبار وبيانات كاذبة، وارتكاب جريمة من جرائم الإرهاب. وأمرت النيابة بحبسه 15 يومًا على ذمة التحقيقات في القضية. بعد حوالي أربعة أيام، وتحديدًا مساء الجمعة 15 مايو 2020، ألقت قوات الأمن القبض على الصحفي “سامح حنين[15]” من منزله، لينضم إلى نفس القضية بنفس الاتهامات.

2- حجب المواقع والرقابة على المحتوى: المهمة الأبرز للهيئات الإعلامية:

 اتخذ كلًا من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام والهيئة الوطنية للصحافة عدد من القرارات التعسفية تجاه بعض المواقع الإخبارية على خلفية نشر أخبار تتعلق بانتشار وباء (كوفيد 19) كان أبرزها:

فعلى سبيل المثال؛ قرر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، في 8 إبريل 2020، حجب الموقع الإلكتروني لجريدة الشورى لمدة 6 أشهر، لنشره تصريحات لوزيرة الصحة الدكتورة، هالة زايد، لم تصرح بها حسب القرار. وأضاف القرار بأن الموقع نشر تصريحات للوزيرة تسئ للصيادلة ما أثار القلق بين القراء، وتشكيكه في المنظومة الصحية بشكل عام وسياسات مواجهة أزمة كورونا بشكل خاص واستخدام ألفاظ وعبارات لا تليق.

وأضاف القرار أن تلك العقوبات تأتي في ضوء توجه المجلس لضبط المشهد الإعلامي وعدم بث الآراء التي تعتمد على الشائعات والأكاذيب في تقييم الموقف الطبي. وجاء القرار بناءا على تحقيق أجرته لجنة الشكاوى بالمجلس بعد شكوى تقدمت بها وزيرة الصحة ضد الموقع، تتهمه بنسب تصريحات إليها لم تصدر عنها، بالإضافة للتشكيك في أداء المستشفيات العامة.

تحت نفس الدعاوى قرر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام[16] حجب الموقع الإلكتروني لجريدة النبأ وإلزام الجريدة الورقية بدفع غرامة قدرها 50 ألف جنيهًا. كانت لجنة الشكاوى بالمجلس قد أجرت تحقيقًا حول ما نشرته جريدة النبأ من أخبار كاذبة تتعلق بوباء كورونا حسب القرار في 19 مايو بحضور رئيس تحرير الجريدة والمستشار القانوني لها. ولم يتطرق القرار لمضمون الاخبار محل القرار.

وفي 5 مايو الماضي قرر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام[17] حجب موقع “أوبري نيوز” لمدة 3 أشهر، لاتهامه بنشر أخبار كاذبة حول كورونا في مستشفيات جامعة عين شمس وسبب الذعر بين المرضى والعاملين والأطقم الطبية، وهو ما ثبت عدم صحتها أثناء تحقيقات المجلس.  ولكن بتاريخ 17 من نفس الشهر صرح وكيل المجلس، محمد العمري، بأن المجلس وافق على قبول تظلم الموقع ضد قرار حجبه، وأصدر قرارًا بإلغاء الحجب وإلزام الموقع بتقديم اعتذار لجامعة عين شمس على الأخبار الخاطئ.

ذلك بينما ألزم المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام[18] موقع القاهرة 24 بنشر اعتذار لجامعة القاهرة.  حيث كانت رئيس مجلس إدارة مستشفيات جامعة القاهرة، هالة صلاح الدين، قد قدمت شكوى إلى لجنة الشكاوى بالمجلس، على خلفية نشر الموقع خبرًا في 28 إبريل تحت عنوان “إصابة المسؤول الرئيسي عن توزيع الطعام بالقصر العيني بكورونا”. كما ألزم القرار الموقع بنشر توضيح عن ملابسات نشر هذه الأخبار والتي تتعارض مع قرار المجلس بحظر نشر أخبار عن وباء كورونا إلا من خلال البيانات الرسمية التي تصدرها وزارة الصحة.

وفي 8 إبريل الماضي أعلن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام[19] معاقبة البرنامج المذاع على قناة النهار ويقدمه الإعلامي محمود سعد، باب الخلق، بـ”لفت النظر” واضاف المجلس، أن العقوبة جاءت بسبب ما تناوله البرنامج بخصوص وجبة “الشلولو” واعتباره علاجًا للإصابة  بفيروس كورونا. كان البرنامج قد استضاف رئيس وحدة التثقيف الغذائي بالمعهد القومي للتغذية، الدكتور مجدي نزيه، والذي تحدث عن وجبة مصرية تدعى “الشلولو” قادرة على مواجهة فيروس كورونا، لدورها في تقوية جهاز المناعة.وقال مقدم البرنامج، الإعلامي محمود سعد، على صفحته بفيسبوك، حسب الموقع، ” لم نذكر أنه “الشلولو” يعالج فيروس كورونا. الحلقة كانت تتحدث عن الأغذية التي تعزز المناعة لتقويتها”.

 بينما في 13 يونيو الماضي قررت الهيئة الوطنية للصحافة[20]، إحالة رئيس تحرير مجلة روزاليوسف، هاني عبد الله للتحقيق، ووقف المحرر المسئول عن الملف القبطي إلى حين انتهاء التحقيقات، على خلفية ما تضمنه غلاف عدد المجلة التي كانت تجهز للنشر في 13 يونيو. والذي اعتبره أحد المتحدثين الرسميين بإسم الكنيسة في بيان[21] تطاولا على الكنيسة المصرية في شخص أحد الأساقفة.

وكانت المجلة قد نشرت على غلافها صورة للأنبا رافائيل وهو أحد أساقفة الكنيسة إلى جانب مرشد جماعة الإخوان المسلمين مع عنوان رئيسي “الجهل المقدس” كما ألحق صورة الأنبا بعنوان فرعي “أساقفة يتحالفون مع كوفيد 19 ضد البابا.. القتل باسم الرب” على خلفية الخلافات داخل الكنيسة المصرية عن إلغاء طقس “التناول خوفًا من انتقال العدوى. واستنكرت الكنيسة في بيانها وضع صورة أحد أساقفتها بجوار ما أسمته أحد “خائني الوطن”.

وأضاف بيان الكنيسة بأن ما حدث لا يعتبر حرية تعبير، بل هو إساءة بالغة وتجاوزًا يجب ألا يمر دون حساب من الجهة المسؤولة عن هذه المجلة، كما أن هذه الأفعال غير المسؤولة سوف تجرح السلام المجتمعي في وقت نحتاج فيه كل التعاون والتكاتف في ظل الظروف الراهنة حسب بيانها.  وقد أبدى رئيس تحرير مجلة روزاليوسف هاني عبدالله، استغرابه من الحملة المثارة ضد صورة غلاف العدد والاتهام ب:الإساءة للكنيسة” في تصريحات[22] نقلتها عنه موقع الدستور. وأضاف عبدالله في تصريحاته للدستور أن مؤسسة روز اليوسف من أكبر الداعمين للكنيسة المصرية الارثوزكسية في كل قراراتها الوطنية، وأن صورة الغلاف لا تحمل تقليلًا أو أي إسقاط على رموز الكنيسة، بل تهدف لدعم قرارات الكنيسة وموقفها في قضية منع الصلوات بسبب أزمة كورونا.

وذكر عبد الله أن “تصاعد الأحداث بهذا الشكل أمر يدعو الدهشة؛ فبمجرد أن تم نشر صورة الغلاف أصدرت الكنيسة بيانا تدعو لفتح التحقيقات في القضية؛ بالرغم من أن العدد مازال في المطبعة ولم يخرج إلى الأسواق حتى الآن”. وأشار عبد الله بأن غالبية المعارضين أبدوا اعتراضهم على الغلاف دون أن يكلفوا أنفسهم قراءة المتن المكتوب بالموضوع.

كانت الهيئة الوطنية للصحافة قد قررت تقديم اعتذار إلى الكنيسة المصرية في العدد التالي عن ما اعتبرته إساءة. وعقب قرارات الهيئة، أصدرت الكنيسة بيانا ثانيا تشكر فيه الهيئة الوطنية للصحافة لما أسمته بالخطوات الحازمة والسريعة التي اتخذتها للتعامل مع المعالجة المنشورة على غلاف المجلة. وأضاف البيان “تأمل الكنيسة في المستقبل مزيدًا من الانتباه والانضباط المهني والمعالجة الحكيمة في التعامل مع الأخبار الكنسية، حفاظًا على التماسك الاجتماعي والمصالح العليا للدولة المصرية التي تحتاج منا جميعا التآخي والتضامن والدفاع المخلص عنها”

أما على مستوى الانتهاكات ضد حرية الصحافة غير المرتبطة بأزمة انتشار فيروس كورونا المستجد،

استمرت السلطات الامنية والمجالس الإعلامية المختلفة في استهداف الصحفيين والمؤسسات الصحفية خلال الربع الثاني من عام 2020. كانت أبرز تلك الانتهاكات:

1- قرارات المجلس الأعلى للإعلام ضد المصري اليوم على خلفية نشر سلسلة مقالات عن سيناء:

في 21 إبريل 2020، أصدر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام [23]القرار رقم 16 لسنة 2020 بشأن التحقيقات التي أجراها المجلس مع الممثل القانوني لجريدة المصري اليوم على خلفية نشر الجريدة مقالًا  في العمود اليومي تحت اسم مستعار “نيوتن” تحت عنوان “صفقات مشبوهة” حول سيناء.

طبقا للقرار فإن المجلس ألزم الصحيفة وموقعها الإلكتروني بنشر وبث اعتذارًا واضحًا وصريحًا للجمهور عن المخالفات التي ارتكبتها وذلك خلال ثلاثة أيام. وألزم القرار الجريدة بإزالة المحتوى المخالف من الموقع الإلكتروني، وحجب الباب الذي نشرت وبثت به المواد المخالفة بالصحيفة والموقع الإلكتروني لمدة ثلاثة أشهر. وأحال المجلس وفق قراره رئيس تحرير الصحيفة إلى المساءلة التأديبية بنقابة الصحفيين مع اتخاذ “تدبيرًا وقائيًا” بإلزام الصحف ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمواقع الإلكترونية بمنع ظهور رجل الأعمال المصري ومؤسس جريدة المصري اليوم صلاح دياب، لمدة شهر. وتنشر مقالات دياب تحت الاسم المستعار نيوتن. وغرم المجلس الصحيفة مبلغ مائتين وخمسين ألف جنية. وأحال المجلس الواقعة إلى السيد المستشار النائب العام للتصرف في الشق الجنائي.

ذكر القرار أن تلك الإجراءات جاءت لارتكاب الصحيفة مخالفات جسيمة تنتهك احكام الدستور والقانون وتخالف الشرف المهني والأعراف والمعايير المكتوبة بقيامها بحملة ممنهجة تنتهك أحكام الدستور والقانون وتنشر وتبث الضغينة عن طريق سلسلة مقالات كتبها مؤسس الجريدة ومشارك في ملكيتها، صلاح دياب.

ونشرت المصري اليوم في 23 إبريل مقالا تحت عنوان “المصري اليوم تعتذر للقارئ” قالت فية ” حسب قرار المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام رقم (16) لسنة 2020، والذي جاء فيه إلزام صحيفة «المصري اليوم» موقعها الإلكتروني بنشر وبث اعتذار واضح للجمهور عن المخالفات المشار إليها، وتنفيذا لهذا الشق من القرار تعتذر جريدة «المصري اليوم» لقارئها الكريم عن مجموعة المقالات التي نُشرت حول سيناء، والتي تناولت الحديث عن سيناء بطريقة اعتبرها المجلس الأعلى للإعلام تنطوي على مخالفات جسيمة.” وأكدت المصري اليوم على ” وقوف «المصري اليوم» ودعمها لجهود الدولة في تنمية وبناء وطننا جميعًا، وفى القلب منه سيناء. ونرجو أن يكون هذا الاعتذار فيه إغلاق لهذا الملف، وأن نعمل معًا من أجل التنمية والبناء.”.

2- الهيئة العامة للاستعلامات تواصل حصارها لمراسلي الصحف الاجنبية:

تواصل الهيئة العامة للاستعلامات برئاسة نقيب الصحفيين ضياء رشوان حصارها للصحف والمواقع الصحفية الاجنبية والمكاتب أو المراسلين التابعين للوكالات الأجنبية داخل البلاد. حيث أصدرت الهيئة بيانَا[24] في 23 مايو الماضي أعلنت فيه استقبال رئيس الهيئة، مدير مكتب صحيفة “واشنطن بوست” بالقاهرة، سوداسان راجافان، لمناقشته في ما قال البيان أنه تجاوزات مهنية  اتصفت بها التقارير التي نشرتها المجلة الامريكية حول مصر، حسب البيان. وأضاف البيان” ان بعض تقارير الصحيفة تضمنت مغالطات ومعلومات غير صحيحة، وأهدر فيها كل قواعد المهنية الصحفية بالاعتماد على مصادر مجهولة ومصادر أفراد وجهات خارج مصر على عكس ما يقتضيه العمل الصحفي وفق الاعتماد الممنوح له، وهو مطالعة الواقع في مصر واللجوء إلى المصادر الرسمية والتوازن واحترام آراء الجهات المعنية وليس الانحياز لكل ما هو سلبي، بحسب البيان.

وأكد البيان أن رشوان سلم راجافان خطابا إلى رئيس تحرير الصحيفة يتضمن سردًا المخالفات المهنية التي ارتكبها المراسل، بالإضافة لـ “إنذار” باتخاذ الإجراءات المناسبة إزاءه والتي يسمح بها القانون المصري. وذلك في حالة الاستمرار في هذة التجاوزات ونشر تقارير تسئ إلى الدولة المصرية دون سند في الواقع.

وفي نفس السياق؛ استقبل رشوان، مدير مكتب صحيفة “نيويورك تايمز” في مصر  حيث أعلن البيان أن رشوان قام بتنبيهه إلى وجود عديد من التجاوزات المهنية في بعض التقارير التي نشرتها الصحيفة الامريكية حول مصر مؤخرا. ولم يذكر البيان أي تفاصيل عن تلك التجاوزات أو التقارير محل المناقشات.

3- استمرار استهداف الصحفيين وحبسهم انتهاك صارخ للحق في حرية العمل الصحفي:

في 17 مايو الماضي أخلت نيابة المعادي سبيل الصحفية ورئيسة تحرير موقع مدى مصر، لينا عطالله، بكفالة 2000 جنيهًا. بعد أن وجهت لها اتهامات، من بينها؛ تصوير منشأة عسكرية “سجن طرة” بدون الحصول على تصريح من الجهات المختصة، في القضية رقم 8009 لسنة 2020 جنح المعادي. وكانت قوات الشرطة المكلفة بتأمين مجمع سجون طرة قد ألقت القبض على “عطالله” في اليوم نفسه، أثناء إجرائها مقابلة مع والدة الناشط السياسي علاء عبدالفتاح، ليلى سويف، أثناء تواجدها أمام سجن طرة.

ذلك بينما داهمت قوة أمنية قالت أنها تابعة لمباحث المصنفات الفنية مقر موقع “المنصة” الصحفي وألقت القبض على رئيسة تحرير الموقع نورا يونس، بعد تفتيش أجهزة الكمبيوتر الموجودة بالموقع. أبلغت القوة زملاء “يونس” اصطحابها إلى مقر إدارة مباحث المصنفات لفحص جهاز (لابتوب) كان في المقر، ويعمل بنظام تشغيل “أوبنتو” أحد أنظمة “لينكس” مفتوحة المصدر. إلا أن القوة، بحسب المنصة، توجهت إلى قسم شرطة المعادي. واحتجزت يونس حتى عرضها على النيابة المختصة في اليوم التالي للتحقيق في اتهامها في القضية رقم 9455 لسنة 2020 جنح المعادي.

وجهت النيابة ليونس اتهامات منها؛ إنشاء حساب على شبكة معلوماتية يهدف إلى ارتكاب جريمة معاقب عليها قانونًا. وحيازة برنامج مصممة ومطورة بدون تصريح من الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، والاعتداء على حق أدبي ومالي لصاحب الحق من المصنف،  والانتفاع دون وجه حق عن طريق شبكة النظام المعلوماتي أو إحدى وسائل تقنية المعلومات وخدمة الاتصالات وخدمة من الخدمات المسموعة والمرئية. أخلت النيابة سبيل يونس بكفالة 10 آلاف جنيهًا من قسم شرطة المعادي.

وفي نفس السياق؛ ألقت السلطات الامنية القبض على الصحفي، محمد منير[25]، فجر 15 يونيو 2020، من منزله بمنطقة الشيخ زايد، محافظة الجيزة، بعد ساعات من نشره عدد من الفيديوهات المصورة عن طريق كاميرات المراقبة لما قال أنه مداهمة واقتحام شقته من قبل قوة من الشرطة في غيابه.

عبر حسابه الشخصي على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”  بعد عرض الصحفي (65 عامًا) على نيابة أمن الدولة العليا مساء نفس اليوم متمهمًا على ذمة القضية رقم 535 لسنة 2020 حصر أمن الدولة. حيث وجهت له نيابة أمن الدولة اتهامات منها، الانضمام لجماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة، وإساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي.

وحسب بيان لأسرة “منير” فمن المرجح القبض عليه على خلفية ظهوره على شاشة قناة الجزيرة معلقًا على الأزمة الاخيرة التي نشبت بين الكنيسة المصرية الأرثوزكسية ومجلة روز اليوسف بسبب أحد أغلفة الاخيرة. لاحقًا قررت نيابة أمن الدولة العليا إخلاء سبيل الصحفي بدون ضمانات.

وفي 12 إبريل 2020، ألقت قوة من الأمن الوطني القبض على الصحفي الاقتصادي ومؤسس شركة، بيزنس نيوز، مصطفى صقر، بعد اقتحام منزله. قبل أن يتم عرضه على نيابة أمن الدولة العليا بالتجمع الخامس، في اليوم نفسه، متهمًا على ذمة التحقيقات في القضية رقم 1530 حصر أمن الدولة العليا. بعد أن وجهت نيابة أمن الدولة لصقر اتهامات منها، الانضمام لجماعة إرهابية، ونشر أخبار وبيانات كاذبة، واستخدام حساب على إحدى مواقع التواصل الاجتماعي بغرض تنفيذ جريمة.

بينما تعرَّض الصحفيان مصطفى الأعصر ومعتز ودنان لما يطلق عليه “إعادة التدوير”. حيث جرى حبسهم احتياطيًا على ذمة قضايا جديدة، بعد إخلاء سبيلهم على ذمة القضايا المقبوض عليهم على خلفيتها بالأساس. وتستخدم النيابة العامة هذا النمط من الانتهاكات حتى تتمكن من استمرار حبس الصحفيين احتياطيًا، رغم تخطيهم الحد الأقصى لفترة الحبس الاحتياطي (عامين) وفقًا لنص المادة 143 من قانون الإجراءات الجنائية.

ففي 7 مايو الماضي، أخلت نيابة أمن الدولة العليا سبيل “الأعصر” بضمان محل إقامته بسبب تجاوزه الحد الأقصى لمدة الحبس الاحتياطي على ذمة التحقيق في القضية رقم 441 لسنة 2018 والمتهم فيها بالإنضمام لجماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة. ولكن في 14 فبراير الماضي، فوجئ محامي الأعصر أثناء إنهائه إجراءات إخلاء السبيل بإنكار قسم مركز الفيوم وجوده، وفي صبيحة اليوم التالي ظهر الأعصر أمام نيابة أمن الدولة بالتجمع الخامس متهمًا بالترويج لارتكاب جرائم إرهابية على ذمة القضية رقم 1898 لسنة 2019 حصر أمن الدولة العليا.

وفي 21 فبراير 2020 تجاوز ودنان عامين من الحبس الاحتياطي على ذمة نفس القضية، 441 لسنة 2018، إلا أن نيابة أمن الدولة لم تأمر بإخلاء سبيله إلا في 7 مايو 2020. لم يتحرك ودنان من محبسه بسجن العقرب بالرغم من قرار النيابة بإخلاء سبيله، وظل مصيره مجهولًا إلى أن ظهر في 9 مايو متهمًا على ذمة قضية جديدة حملت رقم 1898 لسنة 2019. وجهت لها نيابة امن الدولة مجددًا اتهامات منها الترويج لارتكاب أعمال إرهابية، وأمرت بحبسه 15 يومًا على ذمة التحقيقات.

4- الحجب مذبحة حرية الصحافة في السنوات الأخيرة:

وثَّقت مؤسسة حرية الفكر والتعبير خلال الربع الثاني من عام 2020، حجب موقعين جديدين، بالاضافة إلى نطاقين بديلين لموقعين محجوبين بالفعل. حيث تعرَّض موقع “درب” التابع لحزب التحالف الشعبي الاشتراكي، والذي يرأس تحريره الصحفي وعضو مجلس نقابة الصحفيين السابق، خالد البلشي، في 9 إبريل الماضي، أي بعد شهر واحد من إطلاقه. كما تعرَّض موقع “مصر 360” الإخباري، للحجب في 13 مايو 2020، وفي الحالتين لم يعلم القائمون على الموقع سبب الحجب أو الجهة القائمة على تنفيذه.  هذا بالإضافة إلى حجب نطاقين جديدين لموقعي مدى مصر والمنصة الصحفيين، المحجوبين في مصر منذ منتصف 2017.

حرية التعبير الرقمي: محاولات مستمرة لغلق آخر منافذ التعبير عند المصريين:

وثّقت مؤسسة حرية الفكر والتعبير، خلال الربع الثاني من عام 2020، 39 واقعة انتهاك تعرض لها مرتادي الإنترنت والمواقع الإلكترونية بزيادة بلغت 900% مقارنة بالربع الأول من نفس العام، والتي وثقت فيه المؤسسة 4 وقائع انتهاكات فقط.

ترجع كثافة الانتهاكات في هذا الربع إلى أزمة تفشي وباء كورونا المستجد، حيث تركزت مجهودات السلطات المصرية، خلال هذا الربع، على حصار المعلومات المرتبط بانتشار وباء كورونا المستجد لصالح تسييد رواية الحكومة الرسمية بشأن الأرقام المعلنة عن أعداد المصابين والوفيات والمتعافين، فضلًا عن الترويج إلى كفاءة السياسات الحكومية في التصدي لأزمة انتشار الوباء.

إلا أن الانتهاكات بحق حرية التعبير الرقمي لم ترتبط فقط بأزمة انتشار وباء كورونا المستجد، حيث استمرت أيضاً الانتهاكات الاعتيادية التي تمارسها السلطات المصرية عبر أجهزتها المعنية ضد حرية التعبير الرقمي، بهدف السيطرة على تدفق الأخبار والبيانات والمعلومات عبر منصات الفضاء الإلكتروني، التي يمكن اعتبارها آخر منافذ التعبير الحر وتداول المعلومات عند المصريين.

كما رصدت المؤسسة خلال هذا الربع نمط انتهاك مستحدث قامت به النيابة العامة ضد مستخدمي تطبيقات التواصل الاجتماعي، تحت دعاوى فضفاضة تتعلق بالحفاظ على القيم الأسرية والمبادئ المجتمعية، كما تم استحداث وحدة تحت مسمى “وحدة الرصد والتحليل” تعمل على مراقبة نشاط المواطنين عبر الإنترنت وضبط المخالفات التي يقومون بارتكابها.

وعمومًا؛ وثقت مؤسسة حرية الفكر والتعبير 39 واقعة انتهاك  اشتملت على 41 انتهاك، منها 20 واقعة على خلفية مباشرة بتداول معلومات عن انتشار وباء كورونا المستجد، أو بسبب انتقادات لسياسة الحكومة في مواجهة الوباء. وكان إلقاء القبض على مواطنين وحبسهم احتياطيًا على ذمة قضايا رأي من أبرز الانتهاكات التي ارتكبت خلال الربع الثاني من هذا العام بواقع 31 واقعة انتهاك. كما وثقت المؤسسة عددًا من الإجراءات التعسفية ضد بعض أفراد الطواقم الطبية. كما وثقت المؤسسة حجب موقعين صحفيين نهائيا و3 مواقع بشكل مؤقت فضلًا عن حجب نطاقين جديدين لموقعين حجبا سابقًا.

على مستوى الانتهاكات ضد حرية التعبير الرقمي والمرتبطة بأزمة انتشار وباء (كوفيد 19)؛

استهدفت السلطات الأمنية مستخدمي الإنترنت من صحفيين ونشطاء ومواطنين، حتى أن أفراد الطواقم الطبية لم يسلموا من تلك الحملات، والتي استهدفت بشكل رئيسي حصار المعلومات ومنع الانتقادات المتعلقة بإدارة الحكومة المصرية لأزمة انتشار الوباء. بالرغم من الاهمية الشديدة لتوفير كامل المجهودات الطبية لمحاولة التخفيف من المخاطر الناتجة عن انتشار الوباء، حيث رصدت المؤسسة إلقاء القبض على 9 من أفراد الطواقم الطبية، منهم 7 أطباء بشريين وصيدلي وممرضة.

أمرت نيابة أمن الدولة العليا بحبسهم جميعا على ذمة التحقيقات في قضيتين حملتا أرقام 588 و535 لسنة 2020، حيث وجهت إليهم النيابة نفس الاتهامات تقريبا، وهي؛ الانضمام لجماعة إرهابية، نشر أخبار وبيانات كاذبة، استخدام حساب على إحدى وسائل التواصل الاجتماعي بغرض تنفيذ جريمة. ويتم تجديد قرار حبسهم احتياطيًا إلى الآن.

إلا أن أسباب ووقائع القبض عليهم اختلفت، حيث جاءت كالتالي:  

آلاء عبد اللطيف: في 28 مارس 2020 ألقت قوة من الأمن الوطني القبض على آلاء شعبان حميدة عبد اللطيف، الطبيبة بمستشفى الشاطبي التابعة لكلية الطب جامعة الاسكندرية، من داخل مكتب عميد الكلية. حيث قام بالإبلاغ عنها بسبب استخدام إحدى الممرضات هاتفها للإبلاغ عن حالة إصابة بفيروس كوفيد 19 داخل المستشفى، وهو ما أثار حفيظة مدير المستشفى، ودفعه لاتهامها بالتعدي على اختصاصاته، حسب شهادة أدلى بها إلى المؤسسة (مسؤول باتحاد المهن الطبية) رفض ذكر اسمه. وظهرت شعبان أمام نيابة أمن الدولة العليا بالتجمع الخامس يوم 30 من نفس الشهر، متهمًة على ذمة القضية رقم 558 لسنة 2020 حصر أمن دولة العليا.

هاني بكر وأحمد صبرة: في 10 أبريل 2020 ألقت قوة من الشرطة القبض على الطبيب هاني بكر علي كحيل، من منزله بمركز طوخ، محافظة القليوبية، على خلفية نشر الطبيب تدوينة على موقع التواصل الاجتماعي”فيسبوك” ينتقد فيها إرسال الحكومة المصرية مساعدات طبية وقائية لإيطاليا بالرغم من نقص المستلزمات الوقائية في المستشفيات المصرية. وظل بكر الذي يعمل كاخصائي رمد قيد الاختفاء القسري لمدة 18 يومًا إلى أن ظهر أمام نيابة أمن الدولة العليا متهمًا على ذمة القضية رقم 558 لسنة 2020 حصر أمن دولة عليا.

بعد أسبوع واحد وتحديدًا في 16 إبريل 2020، ألقي القبض على الأستاذ المساعد بكلية الطب جامعة بنها، الدكتور أحمد صبرة إبراهيم، من عيادته الخاصة بمدينة بنها، محافظة القليوبية. وظل رهن الاختفاء إلى أن ظهر أمام نيابة أمن الدولة العليا بالتجمع الخامس يوم 28 من نفس الشهر، متهمًا على ذمة التحقيقات في نفس القضية وبنفس الاتهامات ولنفس السبب.

محمد الفوال وأحمد صفوت: في 25 يونيو ألقت قوة من الشرطة القبض على عضو مجلس نقابة أطباء الشرقية، الدكتور محمد معتز منصور الفوال من منزله بمنطقة القومية بالزقازيق. عرض الفوال والذي يعمل رئيس قسم الأشعة بمستشفى الطوارئ والحوادث بالزقازيق على نيابة أمن الدولة في 28 من نفس الشهر متهماً على ذمة التحقيقات في القضية رقم 588 لسنة 2020 حصر أمن الدولة العليا. وحسب أحد المسئولين باتحاد المهن الطبية فقد جاء القبض على الفوال على خلفية حملة التدوين التي تطالب رئيس الوزراء بالاعتذار عن تصريحاته، والتي يحمل فيها الأطباء مسئولية زيادة أعداد الوفيات لتقاعسهم.

لنفس السبب، وعلى ذمة نفس القضية بنفس الاتهامات، قررت نيابة أمن الدولة العليا حبس الطبيب أحمد صفوت، عضو مجلس نقابة أطباء القاهرة، في 28 يونيو الماضي وتم عرضه على النيابة يوم 30 من نفس الشهر.

محمد حامد وابراهيم البديوي: ألقت قوة من الشرطة القبض على محمد حامد محمود، طبيب مقيم عظام بمستشفى جمال عبد الناصر بمحافظة الإسكندرية، من منزل أخيه. عُرِض حامد على نيابة أمن الدولة العليا متهمًا على ذمة القضية 535 لسنة 2020 حصر أمن دولة.

وفي 27 مايو الماضي؛ ألقت قوة من الشرطة القبض على إبراهيم عبد الحميد بديوي، طبيب جراحة الأطفال المقيم بمستشفى المطرية التعليمي. وتم عرض بديوي على نيابة أمن الدولة في 31 من نفس الشهر متهمًا على ذمة التحقيقات في  نفس القضية بعد أن وجهت له نفس الاتهامات.

محمد السايس: ألقت قوات الأمن القبض على الطبيب الصيدلي محمد كامل السايس في 4 أبريل 2020، تم عرضه على نيابة أمن الدولة العليا في 9 أبريل، وقررت النيابة حبسه على ذمة التحقيقات في القضية رقم 588 لسنة 2020 حصر أمن دولة. وجاء القبض على السايس على خلفية انتقادات وجهها لوزيرة الصحة المصرية تتعلق بسياسة الوزارة في التعامل مع الوباء بالإضافة لأزمة تكليف دفعة صيادلة 2018.

هدير سالم: في 22 مارس الماضي، أعلنت وزارة الداخلية عبر صفحتها على “فيسبوك” إلقاء القبض على إحدى السيدات بمحافظة دمياط على خلفية نشرها فيديو على “فيسبوك” يتضمن، بحسب الوزارة، ترويجًا لانتشار فيروس كورونا على غير الحقيقة. واتهمت نيابة أمن الدولة سالم بالانضمام لجماعة على خلاف القانون، ونشر أخبار كاذبة وإساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي على ذمة القضية رقم 535 لسنة 2020 حصر أمن الدولة العليا. كانت سالم قد شاركت فيديو عبر وسائل التواصل الاجتماعي أثناء نقل إحدى الممرضات بمستشفى دمياط العام إلى مستشفى العزل جراء إصابته بفيروس كوفيد 19.

 نقل طبيب تعسفيًا وإحالته للتحقيق:

 كلف وكيل وزارة الصحة بالشرقية، الدكتور هشام شوقي، التفتيش المالي والإداري بإخلاء طرف طبيب بمستشفى ديرب نجم المركزي[26]، وإعادة توزيعه لمستشفى أخرى حسب الاحتياج، مع إحالته للتحقيق بالشئون القانونية بمديرية الصحة بالشرقية. جاء القرار على خلفية قيام الطبيب بنشر فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي يدعي فيه عدم توافر مستلزمات طبية وقائية بالمستشفى. وقال شوقي أن هذا الفيديو مخالف للواقع وآثار البلبلة والقلق داخل الوسط الطبي ولدى المواطنين بالمحافظة. ولم يتسنى لنا الوصول لهوية الطبيب أو متابعة قرار إحالته للتحقيق.

جزاء تأديبي للطبيب محمود طارق عبد العظيم:

 تمت إحالة الطبيب[27] مستشفى المنيرة العام للتحقيق من قبل الشئون القانونية بمديرية الصحة بالقاهرة على خلفية بوست نشره عبد العظيم على صفحته على “فيسبوك” بتاريخ 23 مارس الماضي، ينتقد فيه نقص المستلزمات الطبية بالمستشفى وعدم توافر الماسكات وأدوات الحماية الأخرى. وعوقب عبد العظيم بـ 15 يومًا جزاء.

كما رصدت المؤسسة القبض على رئيس تحرير جريدة القرار بأسوان عاطف حسب الله في مارس الماضي على خلفية تدوينة على “فيسبوك” يطالب فيها المواطنين بالتزام التباعد الاجتماعي وعدم الانسياق وراء الأرقام القليلة التي تعلنها وزارة الصحة. وتعرض الصحفي للاختفاء القسري لمدة تجاوزت الشهر. كما ألقت سلطات الأمن القبض على المذيع خالد حلمي غنيم منتصف شهر إبريل على خلفية بوست على صفحته على “فيسبوك” ينتقد فيه تعتيم مديرية الصحة بالأسكندرية على خبر إصابة 5 أطباء بالحجر الصحي لسنة  بمستشفى العجمي، مجاملة لمديرة المستشفى. ولم يعرف مكان غنيم إلا في نهاية شهر إبريل.

عُرض الصحفيين الاثنين على نيابة أمن الدولة متهمين على ذمة القضية رقم 558 لسنة 2020 حصر أمن الدولة العليا. ووجهت لهما النيابة نفس الاتهامات والتي منها، الانضمام لجماعة على خلاف القانون، ونشر أخبار كاذبة، واستخدام حساب على إحدى وسائل التواصل بغرض تنفيذ جريمة.

وفي نفس السياق ألقت قوات الشرطة القبض على المحامي والنقابي محسن بهنسي، في 27 مارس بالقرب من منزله، حيث “تلقى اتصال تليفوني من شخص يدعي أن لديه قضية وطلب مقابلته سريعا ليبلغه بالتفاصيل ويعطيه مقدم الاتعاب، وحين اعطاه بهنسي العنوان واتفقا على اللقاء بالقرب من منزله، فوجئ بقوة أمنية تعتدي عليه بالضرب وتزجه داخل سيارة ميكروباص” بحسب الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، توجهت القوة لاحقًا إلى منزله حيث تم تفتيشه والاستيلاء على مبالغ مالية وهاتفه المحمول قبل أن يتم اقتياده إلى مقر الأمن الوطني بمنطقة حلوان “مقر المعصرة” وفقًا للخبر المنشور على موقع الشبكة. لاحقًا تم اقتياد بهنسي إلى نيابة أمن الدولة، حيث وجهت له اتهامات “الانضمام لجماعة محظورة واساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي” وذلك في القضية رقم 558 لسنة 2020 حصر أمن دولة. يذكر أن بهنسي قد ذكر في التحقيق أنه تم استدعائه لمقر الأمن الوطني في العباسية قبل القبض عليه بأيام، وتم مناقشته فيما يكتبه عن ضرورة الإفراج عن السجناء تخوفًا من انتشار وباء فيروس كورونا، “ورغم انه استجاب ومسح من حسابه ما كتب، فإن القبض عليه تم عبر مكتب الأمن الوطني في حلوان” بحسب الخبر.

وفي 25 مايو 2020 ألقت قوات الشرطة القبض على الباحث عبده فايد، من منزله بمنطقة الهرم بمحافظة الجيزة. لم يظهر فايد أمام أي جهة رسمية حتى ظهر أمام نيابة أمن الدولة بالتجمع الخامس في 31 من نفس الشهر، متهمًا على ذمة التحقيقات في القضية رقم 535 لسنة 2020 حصر أمن الدولة. وجهت له نيابة أمن الدولة اتهامات منها، مشاركة جماعة إرهابية مع العلم بأغراضها، نشر أخبار وبيانات كاذبة، باستخدام حساب على إحدى مواقع التواصل الاجتماعي لتنفيذ الجريمة الثانية. قبيل إلقاء القبض عليه نشر فايد عدة تدوينات مناهضة لسياسات الحكومة ووزارة الصحة لمواجهة خطر انتشار وباء كوفيد 19 “كورونا”.

وأخيرًا، تم التحقيق الناشطة سناء سيف في 23 يونيو 2020، ووجهت إليها نيابة أمن الدولة العليا اتهامات بنشر أخبار كاذبة، والتحريض على ارتكاب جرائم إرهابية وإساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وقررت حبسها لمدة 15 يومًا على ذمة التحقيق في القضية رقم 659 لسنة 2020 حصر أمن الدولة العليا. وشمل التحقيق مع سناء سيف ما نشرته عن انقطاع تواصلهم مع شقيقها الناشط المحبوس احتياطيًّا بسجن طرة، علاء عبد الفتاح، في ظل خوف الأسرة على حياته بسبب تفشي جائحة كوفيد-19. وألقي القبض على سيف من أمام مكتب النائب العام بمنطقة وسط البلد، أثناء توجهه لتقديم بلاغ على خلفية تعرضها وأسرتها لاعتداءات بدنية أمام سجن طرة على مرأى ومسمع من قوات الشرطة.

وبعيدً عن كورونا فقد ألقت قوات الأمن القبض على رئيسة قسم الضبط اللغوي بمكتبة الاسكندرية، خلود سعيد، من منزلها بالأسكندرية في 21 إبريل الماضي. لم تظهر سعيد أمام أي جهة رسمية حتى ظهرت بعد ما يقارب الأسبوع أمام نيابة أمن الدولة بالتجمع الخامس في 28 من نفس الشهر. وجهت لها نيابة أمن الدولة اتهامات على ذمة القضية رقم 558 لسنة 2020 حصر أمن دولة، منها، الانضمام لجماعة إرهابية، نشر أخبار وبيانات كاذبة، واستخدام موقع على شبكة الإنترنت بهدف إرتكاب جريمة. أمرت نيابة امن الدولة بحبسها 15 يومًا على ذمة التحقيقات في القضية.

كما ألقت قوة من الشرطة القبض على نهى كمال من منزل عائلتها بمحافظة الإسكندرية في 30 مارس الماضي. عرضت كمال على نيابة أمن الدولة في 1 أبريل 2020 متهمة على ذمة القضية رقم 558 لسنة 2020 حصر أمن الدولة. وجهت نيابة أمن الدولة لكمال الدين اتهامات منها، الانضمام لجماعة إرهابية ونشر اخبار وبيانات كاذبة، وإساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي. ويرجح القبض على كمال الدين على خلفية تدوينات تطالب بالإفراج عن المحبوسين على ذمة قضايا الرأي.

ولم تكن كمال الوحيد التي ألقي القبض عليها على خلفية تدوينات تطالب بالإفراج عن المحبوسين، فقد ألقت قوات الشرطة القبض على شيماء سامي من منزلها بمحافظة الإسكندرية في 20 مايو الماضي. ظلت سامي رهن الاختفاء لما يقارب 10 أيام إلى أن ظهرت أمام نيابة أمن الدولة بالتجمع الخامس محافظة القاهرة في 30 من نفس الشهر. وجهت نيابة أمن الدولة لسامي اتهامات على ذمة القضية رقم 535 لسنة 2020 حصر أمن الدولة، منها، الانضمام إلى جماعة إرهابية ونشر أخبار وبيانات كاذبة، واستخدام حساب على أحد مواقع التواصل الاجتماعي لتنفيذ الجريمة الثانية.

واستمرت السلطات المصرية في حجب مواقع الوب وخاصة المواقع الصحفية حيث رصدت المؤسسة حجب موقع درب التابع لحزب التحالف الشعبي الاشتراكي بعد شهر واحد من اطلاقه، كما حجبت السلطات موقع 360 مصر الإخباري والذي يصدر عن مركز التنمية والدعم والإعلام بالرغم من حصوله على التراخيص اللازمة وفقًا لصحفية بالموقع. وحجب نطاقين جديدين لموقع مدى مصر والمنصة والذي كان يساعده على تخطي حجب الموقعين.

 حرية الإبداع.. تراجع ملحوظ في أعداد الانتهاكات:

 شهد الربع الثاني من العام واقعة انتهاك واحدة وثقتها مؤسسة حرية الفكر والتعبير بملف حرية الإبداع حيث ألقت قوة من الأمن الوطني القبض على المنتج السينمائي معتز عبد الوهاب في 5 مايو الماضي من مقر شركته بمنطقة وادي دجلة بمحافظة القاهرة. ظهر عبد الوهاب لأول مرة أمام نيابة أمن الدولة بالتجمع الخامس في 11 من نفس الشهر متهمًا على ذمة التحقيقات في القضية رقم 586 لسنة 2020 حصر أمن الدولة العليا. وجهت له نيابة أمن الدولة اتهامات منها، الانضمام لجماعة إرهابية، ونشر وإذاعة أخبار وبيانات كاذبة.

يعمل عبد الوهاب منتجًا سينمائيا، وأسس شركة “تيم وان” للإنتاج الفني في 2010، وشارك في إنتاج العديد من الأفلام الروائية والتسجيلية أبرزها فيلم “لما بنتولد” والذي حصل على جائزة أحسن فيلم في مهرجان جمعية الأفلام في دورته السادسة والأربعين 46. كما أنتج أفلامًا أبرزها: فيلم “بصمات سيد حجاب” في 2010، و “الطيب سيرة ذاتية للوطن” عام 2012، و “قلب مدينة القاهرة” في 2020. وعمل عبد الوهاب سابقًا كمدير إنتاج بوكالة الأهرام للإعلان، وشبكة أوربت التلفزيونية.

وعلى صعيد المبدعين المحبوسين فقد أصدرت نيابة أمن الدولة قرارًا باخلاء سبيل سبيل مصمم الجرافيك مصطفى جمال في 31 مايو الماضي بعد عامين و ثلاثة أشهر من حبسه بسبب تجاوزه الحد الأقصى للحبس الاحتياطي على ذمة القضية رقم 480 لسنة 2018 والمعروفة إعلاميًا بـ”قضية أغنية بلحة” إلا أن جمال وأثناء إنهاء إجراءات إخلاء سبيله بقسم ثاني مدينة السادس من أكتوبر، أنكر قسم الشرطة تواجده في 5 يونيو الماضي. ولا لم يعرف مكانه حتى انتهاء الفترة التي يغطيها التقرير.

وكانت قوة من الشرطة قد ألقت القبض على جمال من منزله بمدينة السادس من أكتوبر في الأول من مارس عام  2018، ضمن حملة أمنية استهدفت مقربين من المطرب المصري رامي عصام بعد أيام من طرحه الفيديو كليب تحت عنوان “بلحة”، يهاجم فيه الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي بشكل ساخر. ولم يظهر جمال أمام أي جهة رسمية إلا عند عرضه على نيابة أمن الدولة العليا بالتجمع الخامس في 4 من نفس الشهر متهمًا على ذمة القضية رقم 480 لسنة 2018 حصر أمن الدولة العليا. وجهت له النيابة انذاك اتهامات منها، الانضمام لجماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة. وكان جمال قد تجاوز العامين محبوسًا احتياطيًا على ذمة نفس القضية إلا أن قرار النيابة بإخلاء سبيله لم يصدر إلا في 31 مايو.

وكان جمال هو آخر المحبوسين على ذمة القضية المشار إليها بعد إخلاء سبيل 5 من المتهمين على ذمة نفس القضية في تواريخ مختلفة. بالإضافة إلى وفاة المخرج الشاب شادي حبش في محبسه في مطلع شهر مايو الماضي. وكان حبش في انتظار قرار إخلاء سبيله لتجاوزه مدة الحبس الاحتياطي على ذمة نفس القضية قبل أن يتوفى نتيجة التباطؤ في علاج حالته الصحية.

وتزداد المخاوف من إدراج مصطفى جمال ضمن قضية جديدة للتحايل على قرار إخلاء سبيله، وهي الممارسة التي اعتادت عليها الأجهزة الامنية خلال الفترة الماضية وتساعدها في ذلك نيابة أمن الدولة والتي عرفت بـ”إعادة التدوير.

خاتمة وتوصيات

تسعى مؤسسة حرية الفكر والتعبير من خلال إصدار تقريرها ربع السنوي الثاني إلى تحفيز الجهات المهتمة بحالة حقوق الإنسان في مصر على مواصلة الجهود المرتبطة بالدفاع عن حرية التعبير وحرية تداول المعلومات، وخاصة أن تلك الفترة شهدت قيود جديدة على حرية التعبير وحرية تداول المعلومات، بسبب رغبة السلطات المصرية في منع انتقاد سياساتها المرتبطة بمجابهة جائحة كورونا، وما يرتبط بذلك من معلومات.

كما تهدف المؤسسة من خلال هذا التقرير إلى توثيق هذه الفترة والتي شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في وتيرة الانتهاكات المتعلقة بحرية التعبير وحرية تداول المعلومات، وحتى يمكن الاستفادة من ذلك في حث السلطات المصرية على تغيير نهجها القمعي تجاه حقوق الإنسان.

وتوجه المؤسسة التوصيات التالية إلى الجهات المعنية:

على النيابة العامة أن تخلي سبيل الأطباء المحبوسين على ذمة القضيتين 588 و535 لسنة 2020 حصر نيابة أمن الدولة العليا، لارتباط حبسهم بنشر آراء ناقدة للسياسات العامة في مجابهة كورونا.

على النيابة العامة الإفراج عن الصحفيين المحبوسين احتياطياً، ووقف القرارات التي تصدر تجاه المفرج عنهم بالحبس في قضايا جديدة فيما يعرف بإعادة التدوير.

يجب على المجلس الأعلى للإعلام لتنظيم الإعلام أن يتوقف عن حجب المواقع الصحفية، وأن يضمن لجميع وسائل الإعلام حرية العمل ونشر الأخبار.

على مصلحة السجون أن تعلن السياسات التي تتبعها في مجابهة انتشار فيروس كورونا المستجد ونشر البيانات المتعلقة بعدد حالات الإصابة واختبارات PCR، التي يتم إجراؤها داخل السجون.