لا لدولة نظام حكم العسكر
السيسى بعد أن جعل الأكاديمية العسكرية بوابة للتأهيل والتوظيف الإداري في مؤسسات الدولة، يتجه الان إلى جعلها بوابة الوصول إلى منصب رئيس الجمهورية
على فرض أن السيسي لم يترشح لانتخابات 2030، أو أنه لم يتم تعديل الدستور، فإن ما طرحه بشأن دورة الثلاثين شهرًا لمن يرغب في الترشح للانتخابات الرئاسية يشبه إلى حد كبير نظام الضباط المتخصصين في القوات المسلحة؛ إذ يلتحق الحاصل على مؤهل مدني بالأكاديمية العسكرية، ويتلقى التأهيل العسكري ليصبح ضابطًا متخصصًا في مجال دراسته. أي أنه ينضم إلى المؤسسة العسكرية ليصبح ضابطًا في المقام الأول، إلى جانب امتلاكه مؤهلًا علميًا وخبرة مدنية في تخصصه.
السيسي، بعد أن جعل الأكاديمية العسكرية بوابة للتأهيل والتوظيف الإداري في مؤسسات الدولة، يتجه إلى جعلها بوابة الوصول إلى منصب رئاسة الجمهورية، من خلال إخضاع الراغبين في الترشح لدورة تأهيلية خاصة داخل الأكاديمية تمتد لثلاثين شهرًا. وبذلك، لا يقتصر الأمر على تأهيل إداري أو تطوير قدرات المرشحين، بل يصبح التأهيل داخل المؤسسة العسكرية مسارًا للوصول إلى أعلى منصب سياسي في الدولة.
السيسي يُعلن صراحة أن أي رئيس سيحكم مصر، حتى لو كان من خارج المؤسسة العسكرية، يجب أن يلتحق بالأكاديمية العسكرية، وأن يمر عبرها قبل الوصول إلى منصب الرئاسة، ليصبح جزءًا من المؤسسة العسكرية ومنتسبًا إليها بشكل أو بآخر. فالمسألة هنا لا تتعلق بكون المرشح مدنيًا أو عسكريًا، ولا بخبرته السياسية أو العلمية أو الإدارية، وإنما بضرورة مروره عبر المؤسسة العسكرية وتأهيله داخلها قبل تولي المنصب.
وبهذا، يرسخ السيسي نموذجًا تصبح فيه المؤسسة العسكرية بوابة الوصول إلى المناصب المدنية، بدءًا من الوظائف الإدارية في مؤسسات الدولة، وصولًا إلى منصب رئيس الجمهورية. وهو ما يعني عمليًا أن أي رئيس لن يحكم مصر إلا بعد موافقة القوات المسلحة سواء كان عسكريًا أو غير ذلك، سواء كانت هذه الموافقة معلنة بصورة مباشرة، أو تحققت من خلال اشتراط المرور بمسار تأهيلي تفرضه المؤسسة العسكرية على من يرغب في الوصول إلى الرئاسة.
فحتى لو كان المرشح مدنيًا بالكامل، ويمتلك الخبرة العلمية والسياسية والإدارية اللازمة، فإن ذلك لن يكون كافيًا وفق هذا التصور؛ إذ ينبغي أن يمر أولًا عبر الأكاديمية العسكرية، وأن يخضع لتأهيل خاص داخلها، بما يضمن ارتباطه بالمؤسسة العسكرية قبل توليه منصب رئيس الجمهورية. ولا يقتصر الأمر على مجرد اجتياز دورة تأهيلية، بل يمتد إلى وضع قواعد أساسية تحكم مسار المرشح، ليكون على علم تام برؤية المؤسسة العسكرية، ويتلقى رؤيتها لمختلف القضايا والملفات، ويتبنى توجهاتها في التعامل معها، بما يضمن أن يكون، إذا تولى منصب الرئاسة يومًا ما، قد تشكّل تصوره لإدارة الدولة وفق رؤية المؤسسة العسكرية.
وهكذا، لا تعود المسألة مجرد دورة تأهيلية مدتها ثلاثون شهرًا، بل تصبح جزءًا من تصور أوسع لدور المؤسسة العسكرية في إدارة الدولة وتحديد من يصل إلى قمة السلطة السياسية فيها.
(محمود جمال باحث ومحلل للشؤون العسكرية والاستراتيجية).

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.