الأربعاء، 10 يونيو 2026

الحركة المدنية في أزمتها الأعمق: بيان واحد كشف ما تراكم منذ 2017

 

الرابط

موقع زاوية ثالثة

الحركة المدنية في أزمتها الأعمق: بيان واحد كشف ما تراكم منذ 2017

اعتذرت الحركة المدنية الديمقراطية وحذفت بيانًا دافعت فيه عن قصر أكمل قرطام، لتتفجر أزمة داخلية تكشف خلافات متراكمة منذ تأسيس التحالف عام 2017 بين 12 حزبًا، وسط مطالبات بإعادة الهيكلة أو الحل قبيل اجتماع مجلس الأمناء في 12 يونيو.


شهدت الحركة المدنية الديمقراطية خلال الأسابيع الأخيرة واحدة من أكبر أزماتها منذ تأسيسها، بعدما أثار بيان أصدرته تضامنًا مع رئيس حزب المحافظين، المهندس أكمل قرطام، موجة واسعة من الجدل والغضب داخل الأوساط السياسية وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، قبل أن تعتذر الحركة عنه وتسحبه وتحذفه من صفحتها الرسمية.

وجاء البيان على خلفية أزمة هدم قصر يملكه  قرطام على ضفاف النيل، ما وصفه بأنه تعديًا على حقوقه، بينما أكدت وزارة الموارد المائية والري أن المبنى أقيم بالمخالفة للقانون ومتعدٍ على حرم النيل.

رأى منتقدون أن البيان خلط بين نزاع قانوني يتعلق بملكية خاصة وبين قضايا عامة ووطنية مثل جزيرة الوراق والمقابر التاريخية، بما أضفى على القضية أبعادًا سياسية أوسع من نطاقها المباشر. فيما اعتبر آخرون أن الحركة منحت أولوية للدفاع عن أحد قياداتها على حساب قضايا تمس شرائح أوسع من المواطنين، فضلًا عن اعتراضات على آلية إصدار البيان وعدم طرحه للنقاش بصورة كافية داخل الحركة قبل نشره.

 وذهب بعض المنتقدين إلى أن البيان تبنى موقفًا منحازًا في نزاع لا يزال محل إجراءات قانونية، وهو ما دفع الحركة لاحقًا إلى سحب البيان والاعتذار عنه، مؤكدة أن صياغته لم تكن موفقة وأدت إلى تأويلات لا تعكس مقصودها

موجة الانتقادات الكبيرة، دفعت مجموعة من الأحزاب والسياسيين إلى إعلان اعتراضهم أو التنصل من مسؤوليته، وعلى رأسهم حزب المحافظين الذي يترأسه أكمل قرطام، ما كشف عن  خلل كبير وخلافات عميقة حول آليات اتخاذ القرار داخل الحركة وطبيعة أولوياتها السياسية.

وبحسب مصادر مطلعة من داخل الحركة المدنية تحدثت لـ”زاوية ثالثة”، فإن حالة الغضب التي خلفها البيان دفعت إلى مراجعات داخلية بشأن مستقبل التحالف وآليات إدارته. إذ تشهد الأحزاب المشاركة في التحالف اجتماعات ومشاورات لتقييم التجربة ومناقشة مستقبل الاستمرار فيها، بين إعادة هيكلة شاملة أو حلها مع تكوين تحالفات جديدة ذات طابع أيدلوجي، فيما قررت أمانة شباب الحركة إعداد مقترح لإعادة الهيكلة أملاً في إنقاذ التحالف.

وتقرر تأجيل اجتماع مجلس الأمناء الذي كان من المقرر عقده في 5 يونيو الماضي،  إلى 12 يونيو،  لإتاحة الفرصة لحضور جميع الأعضاء وتهدئة الأجواء. وفي السياق نفسه، أعلن حزب المحافظين إعادة تقييم تحالفاته السياسية، بما فيها الحركة المدنية، وهو ما فسره البعض باعتباره تمهيدًا للانسحاب، بينما أكدت مصادر بالحزب أن القرار النهائي سيتحدد عقب الاجتماع المرتقب.

ورغم أن الأزمة بدت في ظاهرها خلافًا حول بيان تضامني، فإن قيادات وأعضاء بالحركة وباحثين وسياسيين تحدثوا لـ”زاوية ثالثة” يروا أنها كشفت أزمة أعمق تراكمت على مدار سنوات، تتعلق بالتكلس التنظيمي، وضعف آليات اتخاذ القرار، وتراجع الارتباط بالقضايا الجماهيرية، وفشل محاولات تجديد الدماء داخل أكبر تحالف مدني معارض في البلاد.

 أزمة كاشفة

تأسست الحركة المدنية الديمقراطية في ديسمبر 2017، كتحالف سياسي يضم 12 حزبًا سياسيًا وعددًا من الشخصيات العامة آنذاك، بهدف توحيد جهود قوى المعارضة المدنية والدفاع عن مبادئ الدولة المدنية والديمقراطية وسيادة القانون، وتقديم بديل سياسي قائم على التعددية والتداول السلمي للسلطة.

ومنذ نشأتها، جمعت الحركة تحت مظلتها تيارات ليبرالية ويسارية وقومية، وهو التنوع الذي منحها قدرة على بناء توافقات حول عدد من القضايا العامة، لكنه حمل في الوقت ذاته بذور خلافات ظلت تتراكم مع مرور السنوات.

واجهت الحركة منذ عام 2018، وهو عام الولاية الثانية للرئيس المصري الحالي عبد الفتاح السيسي، تحديات سياسية وأمنية حدّت من قدرتها على ممارسة دورها في المجال العام. وظلت الحركة في حالة من الخمول والتقييد، حتى عادت إلى واجهة المشهد السياسي مجدداً في أبريل 2022، عقب دعوة الرئيس المصري، خلال حفل إفطار الأسرة المصرية، إلى إطلاق الحوار الوطني بمشاركة قوى الموالاة والمعارضة، وهي الدعوة التي مثلت فرصة لاستعادة جزء من الحضور السياسي للحركة وإعادة تنشيط دورها داخل المجال العام.

شهدت مرحلة الحوار الوطني قدرًا من التماسك داخل الحركة المدنية، إذ برز نشاطها بشكل واضح في المطالبة بالإفراج عن المحبوسين على ذمة قضايا الرأي. غير أن هذا التماسك لم يدم طويلًا، وسرعان ما بدأت الخلافات تتصاعد مع اقتراب الانتخابات الرئاسية لعام 2023. ففي البداية تبنّت الحركة موقفًا موحدًا يدعو إلى توفير ضمانات لإجراء انتخابات تنافسية، قبل أن تتباين مواقف مكوناتها لاحقًا بشأن مسألة المشاركة في السباق الرئاسي، ما أدى إلى انقسام داخل صفوفها.

وفي تقرير سابق لزاوية ثالثة بعنوان “اتفقنا على أن لا نتفق… كواليس انشقاقات المعارضة المصرية”، رصد التقرير أبرز محطات الانقسام داخل الحركة المدنية الديمقراطية خلال هذه المرحلة، وتوقع أن تشهد الحركة تحولاً في طبيعة دورها بعد الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وأن لا تعود إلى وضعها السابق قبل الاستحقاق الانتخابي. وهو ما تجسّد لاحقًا مع تجميد حزبي المصري الديمقراطي الاجتماعي والعدل لعضويتهما،  قبل أن يقرر حزب الإصلاح والتنمية  التجميد أيضًا بعد ذلك.

في هذا السياق، يرى أكرم إسماعيل، القيادي بالحركة المدنية الديمقراطية وحزب العيش والحرية، أن الأزمة الأخيرة كشفت عن واقع الحركة وأزماتها البنيوية، موضحًا أن التحالف يعيش حالة حصار سياسي وأمني نتيجة محاولته التعبير عن تيار يرفض هندسة الحياة السياسية ويسعى للحفاظ على قدر من الاستقلال.

ويضيف، في حديثه لـ”زاوية ثالثة”، أن الحصار لا يعفي الحركة من مسؤوليتها في البيان المحذوف، إذ تضم تناقضات داخلية وأوزانًا غير متكافئة بين مكوناتها، فضلًا عن اختلافات في الخلفيات الأيديولوجية وتقاليد العمل السياسي، وهي عوامل تجعلها أكثر هشاشة كلما تراجع النشاط السياسي وغابت المبادرة، فتطفو الخلافات الكامنة إلى السطح بصورة أوضح.

ويؤكد “إسماعيل” أن الحركة تحاول التعبير عن معارضة مستقلة خارج حدود “الحيز المتاح” (تحالف انتخابي يضم أحزاب العدل والمصري الديمقراطي والإصلاح والتنمية وعددًا من أحزاب الموالاة)، وهو ما يجعلها تدفع ثمن هذا الخيار عبر الحصار والعزلة، لكنه يرى في الوقت نفسه أن الخطأ الذي ارتكبته الحركة في بيان التضامن مع أكمل قرطام لا يمكن تجاهله ولا يبرره هذا الحصار، خاصة بعدما ربط قضية ذات طابع شخصي بقضايا وطنية عامة، الأمر الذي سهّل توجيه الانتقادات إليها في لحظة تعاني فيها أصلًا من الترهل وضعف الفاعلية.

من جانبه، يرى الباحث السياسي والحقوقي مصطفى شوقي أن الأزمة الحالية لا يمكن فصلها عن المسار التاريخي للحركة، معتبرًا أنها امتداد لسلسلة من الأزمات المتراكمة وليست وليدة البيان الأخير.

ويقسم شوقي في حديثه لـ”زاوية ثالثة: جذور الأزمة إلى شقين رئيسيين؛ الأول موضوعي يتمثل في ما يصفه بـ”التأميم الشامل للمجال العام”، وهو ما أدى إلى انغلاق المجال السياسي وعزل القوى المدنية عن المجتمع وإضعاف قدرتها على بناء قواعد جماهيرية أو التواصل مع المواطنين.

أما الشق الثاني، فيتعلق بالعوامل الذاتية داخل الحركة نفسها، وفي مقدمتها فشل محاولات إعادة الهيكلة، خاصة بعد الحوار الوطني، الذي مثل فرصة لإعادة ضخ دماء جديدة وتجديد آليات العمل، إلا أن ما يصفه بـ”القيادة المتكلسة” لم تتمكن من استثمار هذه الفرصة المحدودة، قبل أن يعود الجمود مع تراجع هامش الحركة السياسية.

مسار طويل من التفكك

انتهت الانتخابات الرئاسية في ديسمبر 2023 بإعلان فوز الرئيس عبد الفتاح السيسي بولاية ثالثة، غير أن ذلك لم يُنهِ الخلافات داخل الحركة المدنية الديمقراطية، فقد استمر تجميد عضوية حزبي المصري الديمقراطي الاجتماعي والعدل، في ظل تصاعد النقاش حول التحالفات الانتخابية والاستعداد لانتخابات البرلمان 2025، خصوصًا مع تمسك الحركة برفض أي تنسيق مع أحزاب الموالاة، ما عمّق التباينات بين مكوناتها.

وفي فبراير 2024، تفجرت أزمة جديدة عقب بيان صدر عن الحركة دعا إلى السماح بالتظاهر رفضًا للإبادة الجماعية في غزة وانتقد الموقف المصري من الحرب واستمرار اتفاقية كامب ديفيد، لكن البيان لم يحظَ بإجماع داخلي رغم نشره رسميًا، ما فجّر خلافًا جديدًا حول آليات اتخاذ القرار. ووفق تقرير سابق لـ”زاوية ثالثة”، اعترضت عدة أحزاب على صدوره دون توافق، كان أبرزها حزب الإصلاح والتنمية، يليه المحافظين والدستور، ما كشف عن المزيد من  الخلافات السياسية والترهل التنظيمي داخل الحركة.

لاحقًا، غادر حزب الإصلاح والتنمية مقعده داخل الحركة المدنية مقعده داخل الحركة مع اقتراب الانتخابات البرلمانية، ليضاف إلى سلسلة من التراجعات التي قلّصت عدد الأحزاب الفاعلة داخل الحركة المدنية إلى تسعة أحزاب فقط، وباتت الحركة  تعتمد بدرجة أكبر على الشخصيات العامة داخل الإطار صاحب القرار “مجلس أمناء الحركة” مقارنة بالأحزاب السياسية المنظمة، في ظل غياب رؤية موحدة أو حضور جماهيري واضح.

في يوليو 2024، وفي محاولة لرأب الصدع وخلف فرصة تواصل جماهيري وتجديد الدماء داخل الحركة المدنية، بدأت الحركة في المضي قدمًا حول ما أقرته بإعادة الهيكلة، وهو ما نتج عنه لاحقًا تشكيل ما عُرف بـ“أمانة الشباب” ، غير أن هذه الأمانة لم تستمر سوى لفترة قصيرة، وظهرت عبر نشاطات وفاعليات محدودة قبل أن يتراجع دورها تدريجياً دون أن تترك أثرًا تنظيميًا أو سياسيًا ملموسًا داخل بنية التحالف.

ومع الانتخابات البرلمانية الأخيرة، ظهرت الحركة في حالة تشتت انتخابي وغياب برنامج موحد أو تحالف انتخابي متماسك يجمع مكوناتها تحت مظلة واحدة، وهو ما رصدته زاوية ثالثة في تقريرها” انقسامات أم تكامل أدوار.. لماذا لم تنجح الحركة المدنية في صياغة تحالف انتخابي واحد؟”

ولم تتوقف تداعيات هذه المرحلة عند حدود التشتت التنظيمي، إذ امتدت إلى أزمة جديدة تمثلت في اتهامات  وُجهت لإسلام قرطام، نجل أكمل قرطام رئيس حزب المحافظين، خلال ترشحه لانتخابات مجلس النواب عن دائرة البساتين ودار السلام، ونفاها حزب المحافظين لاحقًا، والتي تمحورت حول مزاعم بشأن وجود تنسيق غير مباشر مع مرشحين من حزب الموالاة ‘مستقبل وطن’ على المقاعد الفردية، إلى جانب اتهامات تتعلق باستخدام المال السياسي في العملية الانتخابية. في سياق يتعارض مع المواقف المعلنة سابقًا من الحركة المدنية وحزب المحافظين.

وفيما يتعلق بشأن ما أثير حول إسلام قرطام خلال الانتخابات البرلمانية الأخيرة، يقول أكرم إسماعيل إن الأمر شهد خلافات كبيرة داخل الحركة لم تظهر إلى العلن، مؤكدًا أن الطريقة التي نجح بها إسلام قرطام لم تمر بصورة عادية، وأنها كانت محل نقاشات وتصاعد للخلافات بين مكونات الحركة.

ويشير إلى  أن المعلومات التي وصلت إلى الحركة تحدثت عن وجود ممارسات انتخابية شبيهة بما يحدث في الانتخابات من قبيل استخدام المال السياسي وغيرها، لكن تقييم هذه الممارسات يختلف بين أطراف الحركة، فهناك من يعتبرها جريمة انتخابية، بينما رأى آخرون أنها جزء من الطريقة المعتادة التي تدار بها الانتخابات، نتيجة اختلاف تقاليد العمل والممارسة السياسية بين الأحزاب والتيارات المختلفة داخل الحركة.

وفي تقييمه للأداء السياسي للحركة، يقول مصطفى شوقي إن الحركة المدنية لم تطور رؤيتها للواقع السياسي في مصر منذ أزمة تيران وصنافير، واعتمدت منذ ذلك الحين على مجموعة من المواقف الجاهزة أو “المعلبة” التي لا تشتبك مع القضايا الأكثر أهمية في حياة المواطنين، موضحًا أنه رغم تقديم الحركة في مراحل سابقة تصورات للإصلاح السياسي والاقتصادي، فإنها أخفقت في إنتاج أي تطوير حقيقي لرؤيتها السياسية في ظل استمرار انغلاق المجال العام.

جدل حول دور المحافظين ونفوذه والحزب يعلن عن غضبه

رغم أن البيان محل الخلاف داخل الحركة المدنية جاء في إطار التضامن مع “قرطام” في أزمته، فإن المفارقة تمثلت في أن حزب المحافظين اعترض على البيان وتنصل من مضمونه عقب تصاعد الانتقادات. فيما أعلن الحزب لاحقًا تجميد تحالفاته السابقة والشروع في بناء تحالفات ليبرالية اجتماعية جديدة استعدادًا للاستحقاقات الانتخابية حتى عام 2030.

ورغم أن البيان لم ينص صراحة على الانسحاب من الحركة المدنية الديمقراطية، فإن مضمونه فُسِّر داخل الأوساط السياسية باعتباره تمهيدًا لفك الارتباط مع التحالف، خاصة بعد مغادرة المهندس أكمل قرطام المجموعة الخاصة بمجلس أمناء الحركة المدنية، في خطوة اعتبرها مصدر مطلع من داخل الحركة لـ”زاوية ثالثة” رسالة واضحة تعبر عن موقف حزب المحافظين من مستقبل علاقته بالحركة.

وبالتزامن مع حالة الغضب التي أثارها البيان، أُثير نقاشًا أوسع حول حجم نفوذ حزب المحافظين داخل الحركة وحدود تأثيره في صياغة مواقفها، خاصة في ظل اعتماد اجتماعات الحركة لفترات طويلة على مقار الحزب بما يوفره من إمكانات مالية ولوجستية.

ويصف مصطفى شوقي الباحث السياسي والحقوقي وجود المهندس أكمل قرطام الذي جاء من خلفية سياسية كأحد أعضاء الحزب الوطني الديمقراطي ‘الحزب الحاكم في عهد الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، ضمن الهيئة القيادية للحركة المدنية بـ “الخطأ التاريخي” الذي ارتكتبه الحركة منذ تأسيسها، موضحًا أن التغاضي عن ممارساته السياسية وانحيازاته التاريخية جاء نتيجة النفوذ المالي الذي يمتلكه.

 في الوقت نفسه يرى شوقي أن الحديث عن حجم السلطة التي يمنحها هذا النفوذ المالي داخل الحركة يعد أمرًا مبالغًا فيه، ويوضح أن الوزن النسبي لأحزاب اليسار، سواء القومية أو الاشتراكية، ظل دائمًا هو الأعلى والأكثر تأثيرًا في صناعة قرارات الحركة، إلا أن المشكلة الحقيقية كانت في عدم تعبير هذه القوى عن موقف موحد، إذ كان بعض أطرافها يتبنى مواقف تيارات أخرى داخل الحركة ويمنحها الثقل اللازم لحسم القرارات، الأمر الذي جعل آلية اتخاذ القرار أكثر ديناميكية وتعقيداً من مجرد خضوعها لتأثير شخص واحد.

من جهته يقول مجدي حمدان، عضو المجلس الرئاسي لحزب المحافظين، إن بيان الحزب الأخير لا يعني بالضرورة الانسحاب من الحركة المدنية أو أي من التحالفات القائمة، موضحًا أن الحزب يمر بمرحلة “إعادة ترتيب ومراجعة مواقفه”.

ويضيف “حمدان” في حديثه لـ”زاوية ثالثة: أن طلعت خليل  عضو المجلس الرئاسي والمنسق العام للحركة المدنية الديمقراطية، مفوض من الحزب لاتخاذ قرار بشأن الاستمرار داخل الحركة أو تجميد العضوية، على أن يُحسم ذلك في اجتماع قادم.

ويؤكد أن بقاء حزب المحافظين داخل الحركة المدنية مرهون بوجود رغبة حقيقية لدى الحركة في التطوير وإحداث تغيير داخل بنيتها، واعتبر  أن استمرار بعض الوجوه والقيادات التي وصفها بـ”الأصنام الموجودة” يعوق عملية التجديد، وأن الحركة بحاجة إلى جذب شخصيات أكثر فاعلية وقدرة على التأثير في المجال السياسي. مشيرًا إلى أن تركيبة الحركة غير متوازنة أيديولوجيًا، إذ يغلب عليها الطابع اليساري مقابل حزب ليبرالي واحد هو المحافظين، ما انعكس على ضعف التوافق في المواقف، خصوصًا الانتخابية.

ويعتبر “حمدان” أن  تحالف  الحركة المدنية لم يحقق أهدافه كإطار انتخابي، وأن المحافظين ظل الحزب الأكثر تأثيرًا داخله، بل وذهب إلى القول إنه لولا الحزب لما تأسست الحركة.

وفيما يخص مستقبل تحالف حزب المحافظين والدستور، وصف “حمدان” وضع الدستور التنظيمي بأنه مضطرب وغير محسوم قانونيًا حول رئاسته وعدم اعتراف لجنة شؤون الأحزاب بأي من الأطراف المتنازعة كرئيس رسمي للحزب. موضحًا أن الحزب لا يتعامل إلا مع الكيانات المعترف بها رسميًا.

كذلك يؤكد أن هذا التوجه ينسجم مع احترامه للقانون ومؤسسات الدولة، ورافضًا الانخراط في الخلافات الداخلية للأحزاب الأخرى. كاشفًا عن توجه المحافظين لتأسيس تحالف ليبرالي أوسع يضم قوى مختلفة، ضمن خطة لإعادة بناء اصطفاف سياسي قادر على المنافسة في المشهد العام.

وفي تعليقه على أزمة أكمل قرطام، انتقد ما وصفه بـ“الشماتة” داخل بعض أطراف الحركة وتنصل أخرى من مسؤولياتها، مشيرًا إلى أن قرطام قدّم لاحقًا ما يعتبره أدلة تنفي اتهامات وزارة الري بشأن الواقعة محل الجدل.

اعتذار غير مقبول

رغم اعتذار الحركة المدنية الديمقراطية عبر صفحتها الرسمية وسحب البيان محل الجدل، فإن ذلك لم ينجح في احتواء موجة الغضب والانتقادات التي تصاعدت، ووصلت إلى حد المطالبة بحل الحركة وإنهاء تجربتها باعتبارها لم تعد قادرة على أداء دورها كإطار جامع لقوى المعارضة المدنية.

وخلال الأزمة الأخيرة أثير الجدل حول مستقبل الحركة، إذ رأى منتقدون أنها فقدت قدرتها على تمثيل المعارضة المدنية أو التعبير عن أولوياتها، معتبرين أن الأزمة الأخيرة كشفت حجم الأزمات التنظيمية والسياسية الممتدة، ما دفع بعض الأصوات إلى المطالبة بحلها والبحث عن إطار بديل أكثر تماسكًا وفاعلية.

في هذا السياق، ترى علا شهبة، القيادية في حزب العيش والحرية، أن أزمة الحركة المدنية الديمقراطية أعمق من واقعة البيان الأخير معتبرة أن جذورها ترتبط بطبيعة التحالف وآليات عمله واختياراته السياسية.

وتوضح، في حديثها لـ”زاوية ثالثة”، أن انسحاب أي حزب لن يحل الأزمة، لأن الحركة بطبيعتها قامت على تحالف قوى مختلفة سياسيًا وفكريًا، وهو أمر طبيعي في التحالفات، لكنها ترى أن الإشكال الحقيقي يتمثل في مسألتين أساسيتين: ضعف الارتباط بالقضايا الاجتماعية المباشرة وغياب قاعدة جماهيرية حقيقية، ما جعل الحركة تفتقد سندًا اجتماعيًا يراقب أداءها ويمنحها شرعية أوسع.

وتضيف أن الأزمة الثانية تتعلق بالبنية الداخلية وآليات اتخاذ القرار، مشيرة إلى أن أزمة البيان الأخير كشفت خللًا واضحًا في طريقة صناعة القرار داخل الحركة، حيث صدر البيان دون نقاش كافٍ بين جميع الأطراف، وتم التعامل مع بعض الاعتراضات باعتبارها آراء أقلية، بينما لم يقدّم آخرون اعتراضًا صريحًا رغم تحملهم المسؤولية السياسية عنه.

كذلك تشير القيادية بحزب العيش والحرية إلى ما جرى بعد صدور البيان كشف عن أن بعض الأطراف داخل الحركة سارعت إلى الدفاع عن نفسها بصورة منفردة وإعلان عدم مسؤوليتها عن البيان، معتبرة أن هذه اللحظة مثلت إعلانًا عمليًا بأن الحركة لم تعد تعمل كائتلاف سياسي منسق، لأن عددًا من مكوناتها انشغل بحماية كيانه الحزبي بدلًا من الدفاع عن القرار الجماعي. كما كشف الأمر عن وجود تكلس واضح في آليات العمل الداخلي، وعدم اكتراث من بعض الأطراف بمصير التحالف نفسه، فضلًأ عن غياب الخيال السياسي والقدرة على تقدير تبعات القرارات التي تصدر باسم الحركة.

وتعتبر أن إشكال البيان لم يكن فقط في مضمونه، بل في انفصاله عن السياق الاجتماعي، إذ إن القضية التي تناولها ارتبطت برجل أعمال لا يمثل تهديدًا اجتماعيًا عامًا، ما جعل المقارنة التي تضمنها البيان مع قضايا مثل الوراق أو المقابر التاريخية غير موفقة سياسيًا، وكشف عن ضعف في تقدير ردود الفعل.

وفي المقابل، يقول وليد العماري، المتحدث الرسمي باسم الحركة المدنية وعضو حزب الدستور، إن اجتماع مجلس الأمناء تم تأجيله لضمان حضور أوسع، على أن يعقد الاجتماع القادم في مقر حزب التحالف أو العيش والحرية- تحت التأسيس، مؤكدًا أن ما يُتداول بشأن حل الحركة لا يستند إلى نقاش رسمي حتى الآن.

ويضيف أن النقاشات داخل الحركة تتركز حول خيارين: إما إعادة هيكلة شاملة وتجديد دماء، أو الحل إذا تعذر التوافق على الإصلاح، لافتًا إلى أن فكرة الحل لم تُطرح كقرار نهائي داخل المجلس.

ويشير إلى أن جزءًا كبيرًا من الانتقادات الحالية صادر عن أطراف كانت ضمن التيار الديمقراطي منذ نشأته، معتبرًا أن بعض الخطاب الرافض للحركة والمطالب بحلها لا يقدم بديلًا واضحًا لمستقبل العمل المدني.

ويؤكد العماري أن الحركة اعترفت بخطأ البيان وقدمت اعتذارًا عنه، في إطار ترسيخ ثقافة المساءلة السياسية، مشددًا على أن الحياة السياسية في مصر تفتقر عمومًا للاعتراف بالأخطاء. ويضيف أن التخوف الحقيقي يتمثل في استمرار الهجوم حتى بعد تنفيذ أي إصلاحات أو إعادة هيكلة، محذرًا من أن استمرار ذلك قد يهدف إلى إضعاف المعارضة المدنية، خاصة مع تبني بعض وسائل الإعلام الرسمية لهذا الخطاب.

 شباب الحركة المدنية محاولة لإعادة الهيكلة بائت بالفشل

وفي سياق الحديث عن إعادة الهيكلة الداخلية التي يستعد مجلس أمناء الحركة المدنية لمناقشتها خلال اجتماعه المرتقب في 12 يونيو، تعود إلى الواجهة تجربة سابقة خاضتها الحركة في عام 2024، عندما سعت إلى ضخ دماء جديدة داخل بنيتها التنظيمية عبر إطلاق مبادرة “أمانة الشباب“. وجاءت المبادرة بهدف إدماج الشباب في آليات صنع القرار وتجديد البنية التنظيمية، لكنها بقيت محدودة التأثير رغم تنظيم بعض الفعاليات وتمثيلها داخل مجلس الأمناء.

وبحسب مصادر تحدثت إلى “زاوية ثالثة”، فإن أمانة الشباب واجهت منذ نشأتها تحديات داخلية حالت دون تطورها، إذ لم تحظَ بقبول كامل من جميع مكونات الحركة. ونظرت بعض الأطراف، سواء من ممثلي الأحزاب أو من الشخصيات العامة، إلى المبادرة باعتبارها محاولة لإعادة تشكيل موازين القوى داخل الحركة أو فرض نفوذ جديد على عملية اتخاذ القرار، وهو ما انعكس على مستوى التعاون معها.

وأضافت المصادر أن الأمانة واجهت كذلك أزمات تنظيمية متلاحقة، تتعلق بغياب لائحة واضحة تحدد صلاحياتها وعلاقتها بمجلس الأمناء، فضلاً عن الخلافات حول معايير العضوية والتمثيل، وضعف التنسيق بينها وبين الأحزاب المكونة للحركة، الأمر الذي أدى تدريجيًا إلى تراجع نشاطها وانحسار دورها.

من جهته يوضح أكرم إسماعيل أن الشباب أعضاء الأمانة ظلوا متحفظين إلى حد ما بشأن الانخراط الكامل داخل الحركة، بسبب التوتر المستمر حول ممارسات مجلس الأمناء والخلافات المتعلقة بأولوياته وتفضيلاته. مشيرًا إلى  أن الحركة المدنية لم تحسم حتى الآن رغبتها في توسيع المكون الشبابي داخلها، وأن القيادات التقليدية لا تزال تهيمن على الحركة، وأن هناك حذرًا في التعامل مع الجيل الجديد وفتح المجال أمامه وتحمل تبعات ذلك، رغم أن منح الشباب الفرصة لاكتساب الخبرة يقتضي قبول احتمالات ارتكابهم أخطاء أو اتخاذ مواقف غير متزنة في بعض الأحيان.

فيما يرى شوقي أن فشل أمانة الشباب في تجديد الحركة المدنية يعود لسببين رئيسيين: هيمنة قيادة تقليدية تعاملت مع الشباب كملحق تنظيمي لا كقوة تغيير، مقابل عجز المجموعة نفسها عن فرض حضور مؤثر داخل الحركة أو انتزاع مساحة لصالح مشروعها. ويضيف أن الانغلاق السياسي يدفع إلى التقليل من قدرة الشباب على الفعل، وأن المشاريع الجديدة لا يمكن أن تؤثر إلا في فترات انفتاح سياسي واتساع المجال العام.

في السياق، ترى علا شهبة أن أمانة الشباب لم تنجح في أداء الدور المتوقع منها كمساحة لتجديد الأفكار أو تطوير أنشطة تعيد ربط الحركة بالمجتمع. وتضيف أن الإشكال لا يرتبط بالشباب وحدهم، بل بطبيعة تكوينهم السياسي ومدى انخراطهم الفعلي في العمل العام، إلى جانب ضعف اهتمام بعض الأحزاب بالقضايا الاجتماعية والديمقراطية الداخلية، مشيرة إلى أن انتماءهم إلى فئة الشباب لا يكفي لإحداث تغيير إذا ظلوا يتحركون داخل نفس الأطر الفكرية والتنظيمية التقليدية.

كذلك ترى أن إشراك مستقلين وشخصيات عامة داخل مجلس الأمناء، مع مساواتهم في التصويت بممثلي الكيانات الحزبية، قلّص من مساحة تأثير الشباب،  وخاصة أن هؤلاء المستقلون أو الذين عرفوا بالشخصيات العامة لا يخضعون للمساءلة من قواعد تنظيمية أو حزبية ولا يستندون إلى جماعات سياسية تدعم مواقفهم.

وتؤكد أن هذا الخلل البنيوي انعكس على أداء الحركة وأمانة الشباب معًا، ما يستدعي مراجعة آلية التأسيس وطريقة العمل. وتشير إلى أن الأمانة نشأت في سياق زخم شبابي مرتبط بالقضية الفلسطينية، لكن التعويل على هذا الزخم وحده لم يكن كافيًا لإنتاج تجديد سياسي حقيقي أو تجربة تنظيمية مستقرة، رغم إدراكها لكلفة هذا الحراك على بعض الشباب واستمرار احتجاز بعضهم.

مستقبل الحركة المدنية إما التطوير أو الحل

عن مستقبل الحركة المدنية، يرى الباحث السياسي مصطفى شوقي  أن الدعوات إلى حل الحركة بقرار تنظيمي لن تغيّر من طبيعة الأزمة السياسية القائمة، مرجحًا أنها لن تُحل بإرادة ذاتية، بل ستتجه إلى “تحلل” تدريجي مع بروز بديل سياسي أكثر قدرة على استقطاب العناصر الفاعلة داخلها. ويضيف أن القيادة الحالية غير مؤهلة لاستيعاب مشروعات جادة للإصلاح، وأن ما يُطرح لا يتجاوز، في تقديره، محاولات لتحسين الصورة لا أكثر.

في المقابل، يؤكد وليد العماري أن  أمانة الشباب سوف تتقدم في الاجتماع القادم بمقترح لإعادة هيكلة الحركة المدنية على أمل الحفاظ على هذا التحالف المدني. ويشير العماري  إلى أن مقترحات الإصلاح تشمل توسيع قاعدة العضوية، وإدماج شخصيات عامة وشباب وقيادات من جيل الوسط، مع إعادة تعريف مفهوم الشخصية العامة ووضع ضوابط للعضوية وربطها بالمشاركة الفعلية، وإسقاط عضوية المتقاعسين، إلى جانب إنشاء مكتب تنفيذي بصلاحيات تنفيذية حقيقية، ووضع ضوابط للخطاب السياسي للحركة باعتبارها تحالفًا مدنيًا لا أيديولوجيًا.

ويضيف العماري أن أمانة الشباب لعبت أدوارًا في ملفات عامة وحقوقية، بينها قضايا علاء عبد الفتاح وإضراب ليلى سويف وملف قانون الإجراءات الجنائية، مؤكدًا أنها ظلت متماسكة رغم الخلافات حول بيان الحركة الأخير.

ويعزو تراجع نشاطها إلى خلافات داخلية وغياب التوافق حول آليات الشفافية والمصارحة، مع التأكيد على أن ذلك لا يعفيها من المسؤولية. كما يوضح أن تمثيل الشباب داخل مجلس الأمناء كان عبر عضوين أحدهما مستقل والآخر حزبي، وأن لهما موقفًا حاسمًا في رفض استخدام اسم الحركة في دعم أي مرشح انتخابي، وهو ما التزم به مجلس الأمناء.

أما علا شهبة ترى أن حلّ الحركة المدنية أو استبدالها بتحالفات أيديولوجية جديدة لن يكون مخرجًا للأزمة، لأن ذلك سيعيد إنتاج كيانات أصغر تواجه المشكلات ذاتها ولكن بقدرة تأثير أضعف. وتوضح أن الحركة نشأت أساسًا كتحالف لقوى معارضة في سياق سياسي مغلق، بهدف تنسيق الجهود حول قواعد مشتركة لا توحيد المرجعيات الفكرية، معتبرة أن وجودها لا يمنع في الوقت نفسه قيام تحالفات موازية حول قضايا أو توجهات محددة إذا رغبت أي من الأطراف في ذلك.

وتشير إلى  أن الأزمة الحقيقية لا تتعلق بشكل التحالف بقدر ما تتعلق بكيفية إدارته وآليات اتخاذ القرار داخله، معتبرة أن الحركة المدنية تحتاج اليوم إلى ضغط خارجي حقيقي إذا كانت ترغب في إعادة هيكلة جادة تقوم على أسس مختلفة.

وتؤكد كذلك على أن الأحزاب المكونة للحركة نفسها تحتاج إلى مراجعة عميقة لآليات اتخاذ القرار داخلها، والقضايا التي تتبناها، ولوائحها الداخلية، ومدى احترامها للديمقراطية الداخلية وحقوق النساء وأعضائها، معتبرة أن هذه الملفات ليست قضايا هامشية، وإنما تعكس طبيعة الثقافة السياسية السائدة داخل هذه الأحزاب، ومدى قدرتها على إنتاج قيادات جديدة وتمكين الأعضاء المهمشين من التأثير في القرار السياسي.

تكشف أزمة الحركة المدنية الديمقراطية، أن الإشكال لم يعد مرتبطًا بواقعة بعينها أو بيان مثير للجدل، بل يعكس تراكمًا طويلًا من التباينات السياسية والتنظيمية داخل تحالف تأسس على التنوع أكثر من الانسجام، وبين مسارات الإصلاح وإعادة الهيكلة من جهة، ودعوات الحل من جهة أخرى، تبدو الحركة أمام لحظة اختبار حاسمة تتعلق بقدرتها على تجديد أدواتها وإجراء مراجعة تنظيمية شاملة، أو مواجهة احتمال التآكل التدريجي في ظل غياب بديل سياسي واضح حتى الآن.

بعد الأراضي والقمح والأسماك.. جهاز مستقبل مصر يتولى 40 ألف منفذ تمويني

 

الرابط

موقع زاوية ثالثة

بعد الأراضي والقمح والأسماك.. جهاز مستقبل مصر يتولى 40 ألف منفذ تمويني


مذكرة تفاهم حكومية لتحويل 40 ألف منفذ تمويني يستفيد منها 60.8 مليون مواطن إلى علامة “كاري أون” بإدارة جهاز مستقبل مصر، لكن أصحاب المنافذ لم يتلقوا أي إخطار رسمي بآليات التحول أو مصادر تمويله، فيما لا تتجاوز هوامش أرباحهم 25 قرشًا للعبوة.

في الثاني من يونيو الجاري أعلن مجلس الوزراء، توقيع مذكرة تفاهم بين الشركة القابضة للصناعات الغذائية وجهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر، لتحويل وتطوير المنافذ التموينية، وعلى رأسها مشروع “جمعيتي” وبدالي التموين، للعمل تحت مظلة شركة  “كاري أون”، والتي وافق الرئيس عبد الفتاح السيسي، في فبراير الماضي على إطلاقها كمشروع قومي، يهدف لتوحيد العلامة التجارية للمجمعات والمنافذ التموينية.

وتضمنت المذكرة إتاحة جهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر حزمة متكاملة من الخدمات التمويلية والفنية لأصحاب المنافذ التموينية القائمة والمستحدثة، بما يشمل تمويل المشروعات بنظام الامتياز التجاري (الفرانشايز).

ويستند هذا النظام إلى منح صاحب علامة تجارية ناجحة الحق لمستثمر آخر في استخدام العلامة التجارية وتطبيق نموذج التشغيل المعتمد لها داخل نطاق جغرافي محدد، مقابل عائد مالي متفق عليه، بما يتيح للمستثمر الاستفادة من الخبرات التشغيلية والسمعة التجارية المتراكمة للشركة المالكة للعلامة.

ويبلغ عدد المنافذ التموينية في مصر 40 ألف منفذ، تضم ما يقرب من 30 ألف بدال تمويني، و8500 منفذ ضمن مشروع “جمعيتي”، إلى جانب أكثر من 300 سيارة متنقلة لبيع السلع الغذائية، فضلاً عن 1062 منفذًا تابعًا للشركة القابضة للصناعات الغذائية، يستفيد منها نحو 60.8 مليون مواطن.

ومن المقرر أن يتولى جهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر تقديم حزمة من الحوافز الضريبية والائتمانية والتسويقية لدعم مشروع توحيد الشكل والهوية البصرية للمنافذ التموينية على مستوى الجمهورية. غير أن هذه التوجيهات أثارت حالة من القلق والتساؤلات بين أصحاب المنافذ التموينية وبدالي التموين وفروع مشروع “جمعيتي”، الذين أعربوا، في تصريحات لـ”زاوية ثالثة”، عن مخاوفهم من أن تترتب على عملية التطوير أعباء مالية إضافية قد لا تتمكن بعض المنشآت الصغيرة من تحملها.

ويقول ماجد نادي، نقيب بقالي التموين والمفوض من ممثلي بدالي التموين بالمحافظات، إن فروع مشروع “جمعيتي” والمنافذ التموينية لم تتلقَّ حتى الآن أي مخاطبات أو منشورات رسمية من وزارة التموين أو الجهات المعنية توضح آليات التحول إلى العلامة التجارية “كاري أون”، أو تحدد ما إذا كان الانضمام إلى المنظومة الجديدة سيكون إلزاميًا أم اختياريًا، كذلك لم تُعلن الجهات المختصة، بحسب قوله، عن مصادر تمويل أعمال التطوير أو الكيفية التي ستتحمل بها المنافذ تكاليف تنفيذها.

ورغم تأييده لمخطط تطوير المنافذ التموينية والارتقاء بمستوى الخدمات المقدمة للمواطنين، يبدي نادي تحفظات تتعلق بالاشتراطات المتوقعة للمشروع، ولا سيما ما يرتبط بمساحات الفروع المطلوبة، والتي قد لا تتوافر في عدد كبير من متاجر البقالة التموينية ومنافذ “جمعيتي” القائمة.

 كذلك يحذر من أن يضطر بعض التجار إلى استئجار مقار جديدة أو إجراء أعمال تطوير واسعة على نفقتهم الخاصة للامتثال للمعايير الجديدة، قبل أن يواجهوا لاحقًا مخاطر عدم تجديد عقود الإيجار من جانب الملاك، الأمر الذي قد يترتب عليه فقدان الاستثمارات التي ضخوها في تلك المواقع.

وبدأ المشروع في 29 سبتمبر من العام الماضي، حين افتتح العقيد طيار بهاء الغنام، الرئيس التنفيذي لجهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، والدكتور شريف فاروق، وزير التموين والتجارة الداخلية، أول ثلاثة فروع مطورة من المجمعات الاستهلاكية تحت العلامة التجارية الموحدة “كاري أون”، وذلك في مناطق كلية البنات والأميرية والسيدة زينب، والمتخصصة في بيع اللحوم والأسماك.

وفي إطار التوسع بالمشروع، افتتح وزير التموين الفرع الرابع في ديسمبر الماضي بمدينة الإنتاج الإعلامي بمحافظة الجيزة، فيما تستهدف الخطة التوسع بافتتاح سلاسل جديدة في منطقتي شينزو أبي وسوق غزة بالقاهرة، ضمن توجه حكومي لإعادة تطوير منافذ بيع السلع الغذائية وتوحيد هويتها التجارية

“كاري أون ” تعد امتداد لفكرة السلاسل التجارية التي كان قد أطلقها “مستقبل مصر”، تحت مسمى “سوبر توفير“، وتضم 1427 منفذًا بمختلف المحافظات، وتستهدف الوصول إلى 2000 منفذ بحلول عام 2027، والتي يقول الجهاز إنها تسهم في تخفيض الأسعار عبر تقليل حلقات التوريد وتوصيل المنتج من المصدر للمواطن مباشرة، ومن خلال العلامة التجارية “خيرها” يوفّر الجهاز 20 سلعة استراتيجية تتضمن السكر، الأرز، الزيت، الدقيق والبقوليات والخضروات المجمدة.

ويمنح مشروع “كاري أون” جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة دورًا متزايدًا في قطاع تجارة وتوزيع السلع الغذائية، بعد أن توسعت أنشطته خلال السنوات الأخيرة من الإنتاج الزراعي واستصلاح الأراضي إلى مجالات الاستيراد والتسويق والتوزيع الغذائي.

ويُعد الجهاز كيانًا حكوميًا أُنشئ بموجب قرار رئيس الجمهورية رقم 591 لسنة 2022، ويرأسه العقيد طيار بهاء الدين محمد الغنام، ويتولى إدارة عدد من المشروعات الاقتصادية والتنموية الكبرى، تشمل استصلاح الأراضي الزراعية، واستيراد السلع الاستراتيجية، والإنتاج الغذائي، إلى جانب مشروعات صناعية وخدمية متنوعة. ومع اتساع نطاق أنشطته ودخوله المتزايد في حلقات إنتاج وتوزيع الغذاء، يثير الجهاز جدلًا متواصلًا  بشأن طبيعة دوره الاقتصادية وآليات عمله وتأثيره على هيكل الأسواق المحلية

أوضاع اقتصادية ومهنية متردية

يأتي الإعلان عن التحول إلى العلامة التجارية “كاري أون”، في وقت يواجه فيه ملاك فروع “جمعيتي” والبدالين التموينيين، أوضاعًا اقتصادية ومهنية متردية، في ظل غياب أي ضمانات أو تأمينات اجتماعية وصحية للعاملين بالمنظومة، إذ يتحملون جميع الأعباء التشغيلية على نفقتهم الخاصة، بدءًا من نقل السلع من المخازن إلى المنافذ، مرورًا بسداد إيجارات المحال والمخازن وفواتير الكهرباء والمياه وأجور العمالة، وصولًا إلى تحمل خسائر أي عجز أو تلف أو سرقات قد تقع أثناء العمل، بحسب سعيد محمد، أحد البدالين التموينيين بمحافظة المنوفية.

ويرى أن ارتفاع تكاليف نقل البضائع أصبح يمثل عبئًا كبيرًا على أصحاب المنافذ، إذ ارتفعت تكلفة نقلة البضائع من عشرات الجنيهات في السابق إلى ما بين 600 و700 جنيه حاليًا، في وقت يعاني فيه كثير من البدالين من نقص السيولة وعدم القدرة أحيانًا على توفير مصروفات التشغيل الأساسية.

يقول لـ “زاوية ثالثة”: “العاملين بالمنظومة يضطرون للعمل لساعات طويلة تمتد إلى 10 و12 ساعة يوميًا، بما في ذلك بعض فترات الأعياد، دون الحصول على إجازات أو مزايا وظيفية مماثلة للعاملين في القطاعات الأخرى.

ويؤكد أن المشكلة لا تقتصر على الأوضاع المعيشية للبدالين، بل تمتد إلى غياب الوضوح بشأن آليات العمل والتغييرات المرتقبة في المنظومة التموينية، موضحًا أن التجار كثيرًا ما يتفاجؤون بقرارات أو إجراءات جديدة دون إخطار مسبق أو شرح كافٍ، رغم أنهم يواجهون المواطنين بشكل مباشر ويتحملون تبعات أي نقص في السلع أو تأخير في وصولها.

ويلفت إلى أن أصحاب البطاقات التموينية يحملون التاجر مسؤولية أي أزمة تتعلق بتوافر السلع أو تشغيل المنظومة، رغم أنها ترتبط بتأخر توريد البضائع أو قرارات إدارية خارجة عن إرادة أصحاب المنافذ، داعيًا وزارة التموين إلى سرعة الإعلان عن السياسات الجديدة المتعلقة بالتحول إلى العلامة التجارية كاري أون، حتى يتمكن البدالين التموينيين من الاستعداد لها وتوضيحها للمواطنين.

أما منى السيد (اسم مستعار)، التي تدير مع زوجها أحد فروع “جمعيتي” في كفر الشيخ، فتعتقد أن الحديث عن تطوير المنافذ أو الحصول على قروض جديدة لا يراعي الواقع الاقتصادي الصعب الذي يعيشه أصحاب الفروع، إذ أن هامش الربح على بعض السلع التموينية محدود للغاية، لا يتجاوز في بعض الأحيان 25 قرشًا للعبوة الواحدة، بينما يتحمل التاجر كامل خسائر الهالك أو التلف في السلع، فضلًا عن النفقات التشغيلية من إيجارات وكهرباء وورق تشغيل وأكياس وخدمات أخرى.

وتؤكد أن مشروع “جمعيتي” بالكاد يغطي تكاليفه التشغيلية وضرائبه تأميناته، بينما يضطر زوجها إلى العمل في وظيفة إضافية بعد انتهاء عمله بالمحل لتوفير احتياجات الأسرة.

تقول لـ “زاوية ثالثة”: “نحن وكثير من أصحاب الفروع ما زلنا نسدد القروض التي حصلنا عليها عند بدء المشروع، لدفع قيمة التأمين والبضاعة، وتحملنا أعباء تمويل مرهقة، ما يجعل فكرة الحصول على قروض جديدة للتطوير بمثابة أزمة بالنسبة لنا”.

وتؤكد أن غالبية أصحاب المنافذ لا يرفضون التطوير من حيث المبدأ، لكنهم يحتاجون إلى وضوح بشأن آليات التنفيذ والتكلفة ومصادر التمويل، مضيفة: “الناس لا تريد الدخول في قروض جديدة قبل معرفة مصير المشروع وشكل المنظومة الجديدة. بالنسبة لنا الأولوية هي الاستمرار وتغطية المصروفات الحالية، وليس تحمل أعباء مالية إضافية قد لا نستطيع الوفاء بها”.

وتبدي “منى” تخوفها من كون اشتراطات التطوير المقترحة تتطلب مساحات للمحال لا تقل عن 30 مترًا، في وقت ارتفعت فيه الإيجارات بصورة كبيرة، مؤكدة أن غالبية أصحاب الفروع، خصوصًا المستأجرين، لا يعرفون كيف سيتمكنون من تحمل تكاليف التوسعات أو التطوير في ظل ضعف العائد الحالي.

وتشير إلى أن أصحاب المنافذ يواجهون أيضًا مشكلات متكررة في توفير السلع التموينية، موضحة أن بعض الفروع تبدأ صرف المقررات التموينية في أول الشهر ثم تقضي أيامًا أو أسابيع في انتظار وصول كميات جديدة من السلع الأساسية، وعلى رأسها السكر والزيت، بينما نقص السلع يضع التاجر في مواجهة مباشرة مع المواطنين، الذين يحملونه مسؤولية عدم توافر الأصناف المعلن عنها ضمن الدعم أو المنحة الإضافية.

اشتراطات المساحة وتكاليف التطوير

في أبريل الماضي بدأت وزارة التموين والتجارة، في حصر منافذ البقالين على مستوى الجمهورية الراغبين في الانضمام إلى منظومة “كاري أون”، على أن يتم بحث البيانات والتأكد من استيفاء المنافذ للشروط المخصصة لذلك ثم تطويرها وضمها للمنظومة.

وتضمنت نماذج طلب اشتراك بدّالي التموين، ومنافذ جمعيتي، لتحويل منافذهم إلى سلسلة “كاري أون”، والتي قامت وزارة التموين والتجارة الداخلية بإرسال إلى شعبة البقالة والمواد الغذائية بالغرف التجارية، في أبريل الماضي، طلب معلومات اسم صاحب النشاط، اسم المدير المسئول إن وُجد، عنوان المَنفذ تفصيليًّا، المحافظة التي ينتمي إليها، مساحة المنفذ، المَنفذ إيجار أم تمليك، مدة عقد الإيجار، رقم التليفون.

علي أبو زراير، أحد البدالين التموينيين بمحافظة الشرقية، كان من أوائل التجار الذين سارعوا بالتسجيل في عملية الحصر التي أعلنت عنها وزارة التموين، آملًا في تحسين أوضاع مشروعه الذي تستنزف غالبية أرباحه في سداد الضرائب التي تبلغ نحو 27 ألف جنيه سنويًا، بجانب التأمينات البالغة نحو ألف جنيه كل شهر، ونفقات نقل البضائع والسلع التموينية، إضافة إلى تحمل قيمة الهدر نتيجة تلف كميات من العبوات أثناء نقلها.

ورغم أن المعلومات المتاحة حتى الآن بشأن منظومة “كاري أون” لا تزال محدودة، إلا أن أبو زراير، يؤكد أن أحد الشروط الأساسية للانضمام إلى المنظومة، هي ألا تقل مساحة المنفذ عن 30 مترًا مربعًا، فيما سيتحمل التاجر تكلفة التطوير.

ويلفت إلى أن باب التقديم الرسمي للمنظومة لم يُفتح بعد، وأن ما يجري حاليًا يقتصر على حصر الراغبين في الانضمام، على أن تبدأ الإجراءات التنفيذية، وفق ما أُبلغ به التجار، مطلع العام المقبل.

ويوضح أن المنظومة المقترحة تقوم على فكرة “الكارت الموحد”، بحيث يحصل المواطن على الدعم النقدي على البطاقة ويستخدمه في شراء ما يحتاجه من السلع، على غرار السوق الحر، بدلًا من الاقتصار على قائمة محددة من السلع التموينية؛ إذ ستجمع الفروع المطورة بين التجارة الحرة والسلع المدعمة داخل منفذ واحد.

يقول لـ “زاوية ثالثة”: “المنظومة قد تساهم في معالجة بعض المشكلات التي يواجهها البدالون حاليًا، خاصة ما يتعلق بتكاليف نقل السلع التموينية، لا سيما بالنسبة للمنافذ الصغيرة التي تحصل على كميات محدودة من البضائع”.

ويأمل البقال التمويني أن يعوض التوسع في النشاط التجاري، التجار عن تكاليف التطوير والإيجارات المرتفعة، من خلال زيادة حجم المبيعات وتنوع السلع المعروضة.

ورغم أن تفاصيل الجهات المشاركة وآليات التوريد لم تُعلن حتى الآن، إلا أنه يشرح أن وزارة التموين ستظل جهة إشرافية على المنظومة، بينما ستتولى الشركة القابضة للصناعات الغذائية ومصانع الإنتاج الحربي توريد السلع لفروع كاري أون.

وفي السياق ذاته يرى السيد برعي، رئيس شعبة المواد الغذائية والبقالة التموينية بمحافظة البحيرة، أن مشروع “كاري أون” يجب النظر إليه باعتباره مشروعًا لتحويل نحو 40 ألف منفذ تمويني إلى سلسلة تجارية موحدة تعتمد على نظام الشراء المجمع، وليس مجرد تغيير في الاسم أو الهوية البصرية للمنافذ.

ويؤكد أن الفكرة التي يجري الحديث عنها حاليًا سبق أن طرحتها الشعبة العامة للمواد الغذائية منذ نحو عامين، قبل الإعلان الرسمي عن “كاري أون”، بهدف تمكين المنافذ التموينية من العمل ضمن منظومة شراء موحدة تسمح بالحصول على السلع بأسعار أقل، بما ينعكس على المستهلك والتاجر معًا.

يقول لـ “زاوية ثالثة”: “المنظومة المقترحة تعتمد على التسعير الموحد والميكنة الكاملة، بحيث تخضع أسعار السلع للرقابة عبر نظام إلكتروني موحد، ما يحد من تفاوت الأسعار بين المحافظات والمناطق المختلفة”.

ويرى أن الأولوية يجب أن تكون لتأمين السلع بأسعار مناسبة للمواطن، وليس للتركيز على الشكل الخارجي للمنافذ وتغيير الهوية البصرية والحد من تكاليف تطوير المنافذ التموينية لاسيما أن معظمها تعمل بالفعل ضمن منظومة مميكنة ومجهزة للتشغيل، مؤكدًا أن كثيرًا من التفاصيل التنفيذية، بما فيها الجهات التي ستتولى توفير السلع وآليات التطبيق، لم تُحسم بشكل نهائي بعد.

ويعتبر أن نجاح المشروع يتوقف على تطبيق نظام شراء مجمع موحد يتيح التفاوض على كميات ضخمة من السلع، وهو ما يمكن أن يخفض أسعار الشراء ويزيد من قدرة المنافذ الصغيرة على منافسة السلاسل التجارية الكبرى.

ويرى أن المستفيد الأول من المشروع هو المستهلك، الذي سيتمكن من الحصول على السلع بأسعار أكثر استقرارًا، إلى جانب استفادة التاجر من تحسين هامش الربح من خلال خفض تكلفة الشراء وزيادة حجم التداول.

ويشير إلى أن الاتحاد العام للغرف التجارية دعا إلى اجتماع مع ممثلي الشعبة والبدالين التموينيين في الثامن من يونيو الجاري، لبحث تفاصيل المشروع ووضع “النقاط على الحروف”، موضحًا أن الهدف هو الوصول إلى تصور يضمن حماية مصالح التجار الصغار وعدم تكرار المشكلات التي صاحبت تطبيقات سابقة في المنظومة التموينية.

ويستعيد برعي تجربة فرض التأمينات المالية على البدالين التموينيين عام 2017، معتبرًا أنها لم تحقق النتائج التي وُعد بها التجار آنذاك، وهو ما يجعلهم أكثر حذرًا تجاه أي مشروع جديد. لذلك يؤكد ضرورة إعلان آليات التنفيذ والضمانات بصورة واضحة قبل بدء التطبيق الفعلي.

ورغم هذه التحفظات، يبدي برعي تفاؤله بالمشروع إذا طُبق وفق التصور الذي طرحته الشعبة، مشيرًا إلى أنه قد يمثل “نقطة تحول” للمنافذ التموينية من خلال تعزيز قدرتها التنافسية وتحسين أوضاع التجار الذين يعانون منذ سنوات من انخفاض هوامش الربح وارتفاع تكاليف التشغيل.

تحقيق للتوازن أم إخلال بالتنافسية؟

من ناحية أخرى يثير المشروع مخاوف بشأن الإخلال بمبدأ التكافؤ التنافسي في الأسواق المحلية، كونه من المفترض أن يضم 40 ألف منفذًا، ستنافس بقوة سلاسل السوبر ماركت ومتاجر البقالة والمواد الغذائية في مصر، وتحظى بأفضلية سعرية، مما قد يؤثر على فرص العمل المرتبطة بها.

وبسؤاله حول تأثير المشروع على تجار التجزئة خارج منظومة التموين و”جمعيتي”، يؤكد حازم المنوفي، عضو شعبة المواد الغذائية باتحاد الغرف التجارية، أن الهدف الأساسي للمشروع ليس الإضرار بأي طرف، وإنما تحقيق التوازن في السوق من خلال توفير السلع بأسعار عادلة، بما يدفع مختلف منافذ البيع إلى تقديم أسعار أكثر تنافسية لصالح المستهلك.

ويوضح أن تحويل المنافذ التموينية وفروع “جمعيتي” للعمل تحت العلامة التجارية الموحدة “كاري أون” يأتي في إطار مشروع قومي تتبناه الدولة لتطوير منظومة التجارة الداخلية وتوسيع نطاق إتاحة السلع للمواطنين.

ورغم أن بعض أصحاب المنافذ التموينية لديهم مخاوف تتعلق بتكاليف التطوير والتأهيل المطلوبة للانضمام إلى المنظومة الجديدة، إلا المنوفي يرى أن المؤشرات الأولية تشير إلى وجود تسهيلات وآليات دعم وتمويل تستهدف تخفيف الأعباء عن التجار المشاركين.

يقول لـ “زاوية ثالثة”: “الدولة تسعى إلى الاستفادة من الانتشار الجغرافي الواسع للبدالين التموينيين وفروع “جمعيتي”، باعتبارها نقاط بيع قريبة من المستهلكين في مختلف المناطق”.

ويشير عضو شعبة المواد الغذائية إلى أن المنظومة الجديدة تقوم على شراكة وتنسيق بين وزارة التموين والتجارة الداخلية، وجهاز “مستقبل مصر”، ووزارة الزراعة، بما يضمن توفير السلع بأسعار مناسبة وتحقيق التوازن في السوق.

ويلفت إلى أن المنتجات التي يطرحها جهاز “مستقبل مصر” تقل أسعارها عن مثيلاتها في السوق الحرة، وهو ما ينعكس إيجابًا على المستهلك ويسهم في ضبط الأسعار.

ويضيف أن تفاصيل وآليات التنفيذ لا تزال غير واضحة بشكل كامل حتى الآن، والصورة النهائية للمشروع ستتضح مع صدور القرارات والإجراءات التنفيذية المنظمة له.

في المقابل يتساءل الباحث في سياسات التعاقدات وتعاون الدفاع، مؤمن أشرف، حول الأعباء المالية التي قد تُفرض على أصحاب المنافذ التموينية الصغيرة، حال التحول إلى العلامة التجارية الموحدة كاري أون خاصة في ظل محدودية هوامش أرباحهم الحالية، التي تُحتسب بالقروش على السلع المدعمة، ما يجعل قدرتهم على تحمل تكاليف إضافية محل شك.

ويشرح الباحث في تدوينة له عبر حسابه الشخصي على موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك، أن متطلبات التطوير المتداولة، والتي تشمل تحديث واجهات المحال، وتركيب تجهيزات جديدة وأنظمة تشغيل إلكترونية، قد تدفع بعض أصحاب المنافذ إلى اللجوء للاقتراض من أجل تنفيذها.

ويشير إلى أن المعلومات المتداولة بشأن المنظومة الجديدة تتضمن حديثًا عن مشاركة جهات مختلفة في الإدارة والتشغيل والتوريد، وهو ما يستدعي – من وجهة نظره – مزيدًا من الشفافية والإفصاح بشأن طبيعة التعاقدات وآليات التمويل وتوزيع الأرباح والمسؤوليات بين الأطراف المختلفة.

وبحسب تقديره، فإن أصحاب المنافذ الذين يعانون بالفعل من ضعف العائد قد يجدون صعوبة في سداد التزامات مالية جديدة إذا لم تتوافر لهم آليات دعم أو تمويل ميسرة، محذرًا من أن تطبيق المنظومة الجديدة بصورة إلزامية قد يؤدي إلى خروج بعض أصحاب المنافذ الصغيرة من السوق إذا لم يتمكنوا من الوفاء بمتطلبات التطوير، مما قد ينعكس على أوضاع آلاف البقالين التموينيين وأسرهم.

ويرى أن القضية لا تتعلق فقط بأصحاب المنافذ، بل تمتد كذلك إلى تأثيرات محتملة على المنافسة داخل قطاع تجارة التجزئة، وعلى العلاقة بين الجهات الحكومية والاقتصادية المنخرطة في المشروع، معتبرًا أن نجاح أي عملية تطوير يتطلب ضمان عدم تحميل صغار التجار أعباء تفوق قدرتهم المالية، مع توفير رقابة واضحة وإفصاح كافٍ عن الجوانب الاقتصادية والتنفيذية للمشروع.

وبينما تراهن الحكومة على “كاري أون” باعتباره مشروعًا لتحديث واحدة من أكبر شبكات توزيع السلع في مصر، لا يزال السؤال الأهم بلا إجابة واضحة: من سيتحمل تكلفة هذا التحول؟ فبالنسبة لآلاف البدالين التموينيين وأصحاب فروع “جمعيتي”، لا يتعلق الأمر بتغيير اسم أو لافتة تجارية، بل بمصير نشاط يعتمد عليه عشرات الآلاف من الأسر في ظل هوامش ربح محدودة وأعباء تشغيلية متزايدة.

«الأكاديمية الوطنية» تختار قيادات الجهاز الإداري للدولة

 

الرابط

موقع مدى مصر

«الأكاديمية الوطنية» تختار قيادات الجهاز الإداري للدولة


بعد أيام قليلة من إعلان الحكومة، في 13 مايو الماضي، موافقتها على إدخال تعديلات على اللائحة التنفيذية لقانون الخدمة المدنية، نشرت الجريدة الرسمية نصوص تسع مواد تم تعديلها، إلى جانب استحداث أربع، جميعها تتعلق بآليات اختيار شاغلي الوظائف «القيادية» و«الإشرافية» في الجهاز الإداري للدولة.

منحت التعديلات الأكاديمية الوطنية للتدريب وتأهيل الشباب، التي يرأسها رئيس الجمهورية، دور المصفاة الأخيرة في عملية اختيار المتقدمين لشغل الوظائف القيادية، على حساب اللجنة المسؤولة عن اختيار وتقييم شاغلي هذه الوظائف بحسب قانون الخدمة المدنية رقم 81 لسنة 2016، الذي كلف كل وحدة إدارية بتشكيل تلك اللجنة لهذا الغرض. كما أتاحت التعديلات لخريجي البرنامج الرئاسي لتنمية المواهب القيادية، الذي تنفذه الأكاديمية، ميزة تجاوز أحد شروط التقدم لشغل هذا النوع من الوظائف، بالإضافة إلى استحداث شروط إضافية تتضمن أعباءً مالية يتحملها الراغبون في التقدم لشغل هذه الوظائف.

انقسمت المصادر التي تحدثت إلى «مدى مصر» في رؤيتها لهذه التعديلات، فبينما اعتبرها البعض مخالفة لـ«الخدمة المدنية» الصادر قبل عام من إنشاء الأكاديمية، والذي حدد بوضوح الجهة المسؤولة عن اختيار وتقييم شاغلي هذه الوظائف، رآها البعض الآخر متوافقة مع القانون وتعتبر «أمرًا جيدًا»، لكن جميع المصادر اتفقت على أن التعديلات تضم نصوصًا تهدر مبدأ تكافؤ الفرص كما حددته المادة الأولى من القانون: «الوظائف المدنية حق للمواطنين على أساس الكفاءة والجدارة… ويُحظر التمييز بين الموظفين في تطبيق أحكام هذا القانون بسبب الدين أو الجنس أو لأي سبب آخر».

ينظم قانون الخدمة المدنية عمل موظفي الوزارات ومصالحھا والأجھزة الحكومیة ووحدات الإدارة المحلیة والھیئات العامة. وبحسب القانون، يُقصد بالوظائف القيادية المستویات الثلاثة التالیة لسلطة الوزراء والمحافظين ورؤساء الهيئات العامة، والتي يرأس شاغلوھا تقسیمات تنظیمیة بالوحدة الإدارية، من مستوى إدارة عامة أو إدارة مركزية أو قطاعات وما یعادلھا من تقسیمات. أما وظائف الإدارة الإشرافية؛ فهي المستوى التالي للوظائف القیادیة، والتي يرأس شاغلوھا إدارات بالوحدة.

وحددت المادة 17 من القانون طريقة التعيين في هذه الوظائف «من خلال لجنة للاختيار»، مع تكليف اللائحة التنفيذية بتحديد «إجراءات وقواعد اختيار شاغلي هذه الوظائف وتشكيل لجنة الاختيار والإعداد والتأهيل اللازمين لشغلها وإجراءات تقويم نتائج أعمال شاغليها».

وبناءً عليه، عند صدورها في مايو 2017، ألزمت اللائحة كل وحدة من وحدات الجهاز الإداري للدولة بتشكيل لجنة برئاسة السلطة المختصة (الوزير أو المحافظ أو رئيس الهيئة)، وعضوية «ستة من الخبراء والمتخصصين في مجالات الوظائف المعلن عنها… على أن يكون نصف عدد الأعضاء من خارج الوحدة»، بحسب نص المادة 53 من اللائحة قبل التعديل، والتي أجازت للسلطة المختصة تشكيل لجنة للوظائف القيادية وأخرى للإشرافية «إذا ارتأت الحاجة لذلك».

وأوكلت المادة نفسها إلى اللجنة مسؤولية «تقييم المتقدمين لشغل الوظائف القيادية ووظائف الإدارة الإشرافية والنظر في الاختيار من بين المتقدمين، والنظر في تقويم أداء شاغلي هذه الوظائف عند التجديد»، مع إلزامها بالاستعانة بـ«الجهات المعنية» -دون تحديدها- «للتأكد من توفر صفات النزاهة في المرشحين على أن يستند الرأي بعدم توفرها إلى قرائن كافية وأسباب جدية».

وحددت المادة 55 من اللائحة ثلاثة شروط يجب توافرها في المتقدم لشغل هذه الوظائف: «1- أن يكون مستوفيًا لشروط شغل الوظيفة المعلن عنها طبقًا لبطاقة الوصف. 2- أن يرفق بطلبه المستندات الدالة على مستوى المهارات والقدرات اللازمة لشغل الوظيفة وإنجازاته السابقة. 3- أن يقدم مقترحًا وافيًا لتطوير الوحدة أو أحد أنشطتها الرئيسية لتحسين أدائها وتطوير الأنظمة التي تحكم العمل وتبسيط إجراءاته بما يحقق رضا المواطنين»، فيما حددت المادة 56 أربعة معايير رئيسية تُقيّم اللجنة على أساسها المتقدمين لشغل هذه الوظائف: القدرات العلمية، التاريخ الوظيفي، المقترح التطويري الذي تقدم به المرشح للوحدة المعِلنة، وأخيرًا السمات الشخصية. وخصصت لكل معيار 25 درجة، على المتقدم أن يحرز 70% في كل منها.

وفي النهاية «تُعِد لجنة الوظائف القيادية ووظائف الإدارة الإشرافية قائمة نهائية بالمرشحين لشغل هذه الوظائف بعد التأكد من تمتعهم بصفات النزاهة وحسن السمعة. وترسل هذه القائمة، بعد اعتمادها من السلطة المختصة، إلى رئيس الجمهورية أو من يفوضه لإصدار قرار التعيين»، بحسب نص المادة 57 من اللائحة قبل التعديل.

بعد التعديل

ألزمت المادة 53 السلطة المختصة بتشكيل لجنتين منفصلتين: الأولى لاختيار وتقييم شاغلي الوظائف القيادية، والثانية لـ«الإشرافية»، مع تحديد المستوى الوظيفي لأعضاء اللجنتين، بحيث لا تقل الدرجة الوظيفية لأعضاء «الأولى» عن «العالية كحد أدنى»، و«مدير عام كحد أدنى» لعضوية الثانية من موظفي الجهاز الإداري للدولة.

وبحسب المادة نفسها، انحصرت اختصاصات لجنة الوظائف القيادية في «فحص طلبات المتقدمين لشغل هذه الوظائف، والتحقق من استيفاء شروط شغل الوظيفة طبقًا لبطاقة وصفها المعتمدة، والتحقق من حصول المتقدمين على الإعداد والتأهيل اللازمين لشغلها، وتقييم المتقدمين من الناحية الفنية في مجال الوظيفة المعلن عنها، والاختيار من بينهم»، بعد تقليص معايير التقييم إلى اثنين فقط: التاريخ الوظيفي والمقترح التطويري، وإعطاء كل معيار 50 درجة، مع اشتراط حصول المتقدم على 70% في كل منهما، بالإضافة إلى «اجتياز التدريب اللازم الذي تنفذه الأكاديمية الوطنية لتدريب وتأهيل الشباب…» كشرط للتعيين في هذه الوظائف. فيما أصبحت اختصاصات لجنة وظائف الإدارة الإشرافية «تقييم المتقدمين لشغل هذه الوظائف، والاختيار من بينهم»، بناءً على المعايير الأربعة للتقييم بنفس الدرجات ونسبة الاجتياز في المادة 56 الجديدة، دون تعديل.

وبحسب المادة 57 احتفظت لجنة الوظائف القيادية بمهمة إعداد قائمة بالمرشحين لشغل هذه الوظائف، بعد تحديدها بثلاثة مرشحين على الأكثر، لكنها ليست «نهائية» ولن ترسلها إلى رئيس الجمهورية لإصدار قرار التعيين كما كان في النص القديم، بل سترسلها إلى الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة لإرسالها إلى الأكاديمية «لإجراء التدريب اللازم، على أن تقوم الوحدة المعلنة عن الوظيفة بالتأكد من تمتعهم بصفات النزاهة وحسن السمعة من قبل الجهات المعنية بالتزامن مع فترة التدريب». أما لجنة وظائف الإدارة الإشرافية فظلت مسؤولة عن إعداد «قائمة نهائية بالمرشحين… وترسل هذه القائمة بعد اعتمادها من السلطة المختصة إلى رئيس الجمهورية أو من يفوضه لإصدار قرار التعيين».

وللتأكيد على الدور الحاسم للأكاديمية في اختيار شاغلي الوظائف القيادية، استحدثت التعديلات المادة 57 مكرر التي نصت مرة أخرى على أن التدريب الذي تجريه الأكاديمية «يعد شرطًا» لشغل هذه الوظائف، كما منحتها صلاحية إعداد قائمة نهائية من ثلاثة مرشحين على الأكثر، من «الذين اجتازوا التدريب وثبت تمتعهم بصفات النزاهة»، إلى «رئيس الجمهورية للنظر في اعتمادها على أن تَرد للجهاز [المركزي للتنظيم والإدارة] النتيجة النهائية بعد اعتمادها لاتخاذ اللازم لإرسالهم إلى السلطة المختصة بالتعيين في الوظائف القيادية».

هذا التحول نحو الأكاديمية اعتبره رئيس مركز استقلال القضاء والمحاماة، المحامي ناصر أمين، استمرارًا لسياسة تنتهجها الحكومة لتجاوز مؤسسات الدولة المعنية، وهذه المرة في مجال التدريب والتأهيل، الذي من المفترض أن يختص به الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، حسبما قال في حديثه لـ«مدى مصر»، مضيفًا أن التعديلات بها عوار «ويجوز الطعن عليها لمخالفتها أحكام القانون»، فاللوائح التنفيذية ليست لها سلطة تجاوز حدود القانون المُنشئ لها، أو «إضافة أي جهة بخلاف الجهات المنصوص عليها في القانون نفسه»، مشيرًا إلى أن هذه التعديلات «تعكس حالة من التخبط، وعدم الوضوح في فكرة القانون وأدواته».

يشير أمين إلى المادة 17 من قانون الخدمة المدنية، الخاصة بالتعيين في الوظائف القيادية والإدارة الإشرافية، والتي حددت حصرًا طريقة التعيين في هذه الوظائف «عن طريق مسابقة يُعلن عنها على موقع بوابة الحكومة المصرية أو النشر في جريدتين واسعتي الانتشار متضمنًا البيانات المتعلقة بالوظيفة. ويكون التعيين من خلال لجنة للاختيار لمدة أقصاها ثلاث سنوات، يجوز تجديدها بحد أقصى ثلاث سنوات، بناءً على تقارير تقويم الأداء، وذلك دون الإخلال بباقى الشروط اللازمة لشغل هذه الوظائف»، بحسب نص المادة، دون أي ذكر للأكاديمية، التي لم تكن قد أُنشئت أصلًا.

وبحسب المادة 12 من القانون، فالجهاز المركزي للتنظيم والإدارة وحده المنوط بتنفيذ امتحانات شغل جميع الوظائف «من خلال لجنة للاختيار» يشرف عليها الوزير المختص، كما أن الجهاز هو الجهة الوحيدة المسؤولة عن «مستوى البرامج التدريبية المتطلبة والجهات المعتمدة لتقديم هذه البرامج» فيما يتعلق بالوظائف القيادية والإشرافية، وفقًا لنص المادة 17 من القانون، وهو ما أبطلته تعديلات اللائحة.

لكن مدير الوحدة القانونية بالمركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، المحامي خالد الجمّال، لا يتفق مع أمين، موضحًا أن السلطة التنفيذية استغلت نص المادة 17 الفضفاض فيما يتعلق بمنح اللائحة حق تحديد «إجراءات وقواعد اختيار شاغلى هذه الوظائف»، لإقحام الأكاديمية في عملية الاختيار، وبالتالي فإضافة خطوات وجهات جديدة لإحكام العملية، ليس مخالفًا للقانون.

لم تكتف التعديلات بمنح الأكاديمية دورًا مركزيًا فحسب، بل أعطتها المادة 51 مكرر، بالاشتراك مع هيئة الرقابة الإدارية والجهاز المركزي للتنظيم والإدارة مهمة «تحديد مستوى البرامج التدريبية المتطلبة لشغل الوظائف القيادية، والتأكد من تناسبها مع متطلبات الوظيفة، ومراجعة إجراءات وقواعد الإعداد والتأهيل اللازمين لشغل الوظائف القيادية للتأكد من تلبيتها لأهداف شغل هذه الوظائف، ومراجعة شروط شغل الوظائف القيادية واقتراح التطوير اللازم بشأنها، واعتماد المحاور التدريبية اللازمة لشغل الوظائف القيادية»، بعدما كان كل ذلك من اختصاص «المركزي للتنظيم والإدارة» بحسب اللائحة القديمة والقانون. ووفقًا للمادة 59 من اللائحة المعدلة، احتفظ الجهاز بوضع برامج متكاملة لتنمية قدرات ومهارات شاغلي الوظائف كافة «دون شاغلي الوظائف القيادية».

يرى الجمّال أن حرمان «المركزي للتنظيم والإدارة» من وضع البرامج التدريبية والتأهيلية لمستوى الوظائف القيادية، يعد مخالفًا للقانون، الذي حدد الجهاز حصرًا لأداء هذه المهمة، في إشارة إلى الفقرة الثانية من المادة 17 في القانون، والتي تنص على أن «يحدد الجهاز مستوى البرامج التدريبية المتطلبة والجهات المعتمدة لتقديم هذه البرامج».

ومن أجل توفير متطلبات شرط «أن يكون المتقدم حاصلًا على الإعداد والتأهيل اللازمين لشغل هذه الوظائف»، المنصوص عليه في المادة 55، أضافت التعديلات المادة 51 مكرر1 التي كلفت الجهاز بإنشاء «منظومة لإعداد وتأهيل الراغبين في التقدم لشغل الوظائف القيادية… ويجوز لموظفي الدولة وغيرهم التقدم لهذه المنظومة ويكون التأكد من إعدادهم وتأهيلهم للتقدم لشغل هذه الوظائف من خلال حصولهم على شهادة تفيد ذلك، ويتولى الجهاز إدارتها والإشراف عليها وفقًا للتنظيم والضوابط التي يعدها رئيس الجهاز ويصدر بها قرار من رئيس مجلس الوزراء».

بالفعل، نشرت الجريدة الرسمية، في 21 مايو الماضي، قرار رئيس الوزراء بإنشاء المنظومة، لكن القرار اشترط للحصول على الشهادة خضوع المتقدم «لاختبارات تحريرية وإلكترونية بمركز الإدارة العامة التابع للجهاز المركزي للتنظيم والإدارة أو أي مركز آخر يحدده الجهاز، وذلك بعد سداد مقابل الخدمة الذي يحدد بقرار من رئيس الجهاز لهذه الاختبارات»، بحسب المادة الرابعة من القرار، التي أوضحت أنه «في حال عدم اجتياز المتقدم للاختبارات يجوز له إعادة التقدم بعد مضي ثلاثة أشهر من تاريخ إعلان النتيجة».

الجمّال قال إن إضافة إجراءات جديدة في عملية اختيار شاغلي الوظائف القيادية بهدف ضمان الكفاءة «أمر جيد»، لكنه يرى أن فرض رسوم مالية للحصول على أحد شروط التقدم يعد إخلالًا بمبدأ تكافؤ الفرص الذي أكده القانون في مادته الأولى، مشيرًا إلى قرار إنشاء منظومة الإعداد والتأهيل للوظائف القيادية الذي حدد مقابل مالي نظير إجراء الاختبارات ومنح الشهادة، فيما يحصل خريجو البرنامج الرئاسي على شهادته دون أي مقابل، بحسب الجمّال.

يتفق أمين مع الجمّال على عدم جواز فرض رسوم مقابل شغل وظيفة عامة أو الترقي فيها، «لأنه يربط الحق في التعيين أو الترقي بالقدرة المالية على سداد المصروفات، حتى وإن جاءت بسيطة، فلا يجوز قانونًا فرض رسوم على إجراء يحدده القانون ولائحته التنفيذية من أجل شغل منصب أو الترقي»، مؤكدًا أنه «لا يجب أن يحول بين المواطنين وشغلهم للوظائف العامة أي حائل، خاصةً لو كان ماليًا»، مشيرًا إلى مخالفة أيضًا القاعدة الدستورية التي تتحدث عن التكافؤ والمساواة في حق شغل المناصب العامة.

لكن، اجتياز اختبارات المنظومة والحصول على الشهادة لا يعني أن المتقدم لشغل وظيفة قيادية حصل على الإعداد والتأهيل اللازمين، بل عليه اجتياز تدريب آخر تجريه الأكاديمية «الذي يعد شرطًا لشغل الوظيفة القيادية».

ليس واضحًا حتى الآن ما إذا كان التدريب الإلزامي في الأكاديمية لشغل الوظائف القيادية والإشرافية سيتم بمقابل مادي أم لا، لكن خبير التشريعات الاجتماعية والمحامي بالنقض، نيازي مصطفى قال لـ«مدى مصر» إنه من المفترض أن يكون التدريب دون مقابل مالي، مرجحًا أن يجري تمويله من الاعتمادات المالية للوحدات، مشيرًا إلى المادة 11 من اللائحة التنفيذية لقانون الخدمة المدنية التي تنص على أن تُدرج «كل وحدة في مشروع موازنتها الاعتمادات المالية اللازمة لتنفيذ خطة التدريب مشفوعة بالخطة المزمع تنفيذها»، ويعتبر الموظف على قوة العمل في أثناء فترة التدريب (المادة 15 من اللائحة)، ويستحق كامل أجره خلال هذه الفترة (مادة 16).

تأسست «الأكاديمية الوطنية» عام 2017، كهيئة اقتصادية عامة تتبع رئيس الجمهورية، بحسب قرار إنشائها رقم 343 لسنة 2017، الذي نص على تشكيل مجلس أمناء برئاسة رئيس مجلس الوزراء، وعضوية ممثلين عن رئاسة الجمهورية، وثلاثة آخرين عن وزارات التعليم العالي، والتخطيط، والمالية، بالإضافة إلى ممثل عن المجلس الأعلى للجامعات. وبعد أقل من عام على صدور القرار، أجرى الرئيس عبد الفتاح السيسي تعديلًا، أصبح بموجبه رئيسًا لمجلس الأمناء، مع ضم رئيس الوزراء إلى الأعضاء.

وبحسب قرار التأسيس، تعتمد الأكاديمية في تمويلها على عدة مصادر، من بينها المنح التي تخصصها الدولة لها، ومقابل الخدمات التي تؤديها للغير.

ورغم كونها هيئة عامة هادفة للربح، حققت الأكاديمية خسائر متتالية على مدار السنوات القليلة الماضية، قُدرت بأكثر من 152 مليون جنيه (عجز النشاط) في العام المالي الجاري، بحسب قانون ربط موازنة الأكاديمية رقم 141 لسنة 2025، الذي أوضح أن إجمالي موازنتها تجاوز 651 مليون جنيه، بينها 120 مليون جنيه مساهمة من الخزانة العامة للدولة في إيرادات الأكاديمية، فيما قُدرت الخسائر عن العام المالي الماضي بأكثر من 166 مليون جنيه، بحسب القانون رقم 138 لسنة 2024، الذي قَدّر إجمالي موازنة الأكاديمية بأكثر من 592 مليون جنيه. وفي هذه الموازنة كانت وزارة المالية اقترحت تقليص مساهمة الخزانة في سد العجز من 150 مليون جنيه إلى 20 مليونًا فقط، بسبب «التحديات الكبيرة التي تواجه الموازنة العامة والدولة، وحرص الوزارة على توفير أولويات الإنفاق على الصحة والتعليم والسلع المدعمة»، بحسب تصريحات وكيلة الوزارة لـ«أخبار اليوم» في مايو 2024، وهو ما رفضته لجنة الشباب والرياضة بمجلس النواب، متمسكة بـ150 مليونًا.

ومع كل هذه الخسائر، وافقت لجنة الشباب والرياضة بمجلس النواب، في مايو الماضي، على مشروعي قانونين مقدمين من الحكومة بربط الموازنة العامة للدولة، وخطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية بشأن الأكاديمية للعام المالي 2026-2027. وأصدرت اللجنة عددًا من التوصيات لدعم موازنة الأكاديمية، أبرزها تقديم برامج تدريبية مدفوعة للجهات الحكومية والقطاع الخاص، والتوسع في الشراكات مع الجهات المانحة والمؤسسات الدولية لتمويل بعض البرامج، بالإضافة إلى توفير آلية دائمة لتغطية نفقات البرامج والمبادرات الرئاسية التي تُسند إدارتها وتنظيمها إلى الأكاديمية، بحيث تحدد وزارة المالية مخصصات مالية منفصلة لهذا الغرض دون احتسابها ضمن مساهمة الخزانة العامة للدولة، كما أوصت برفع مخصصات المكافآت والمدفوعات للخبراء والمدربين الوطنيين والدوليين لضمان الحفاظ على جودة التدريب، وتخصيص بند لدعم استقدام مدربين من منظمات دولية.

تواصل «مدى مصر»، مع مكتب أمينة سر لجنة الشباب والرياضة بـ«النواب»، شذا أحمد، لسؤالها عن موازنة الأكاديمية وحجم الدعم المقدم من الدولة هذا العام، وعن مغزى توصيات اللجنة، في ظل خسائر الأكاديمية المتتالية، لكن مديرة مكتبها ردت: «بعتذر لحضرتك.. مش متاح تعليق على أي استفسارات حاليًا».

تحالف لتقنين زراعة البذور المعدلة وراثيًا برعاية «مستقبل مصر» بعد حظر 14 عامًا

 

الرابط



موقع مدى مصر

تحالف لتقنين زراعة البذور المعدلة وراثيًا برعاية «مستقبل مصر» بعد حظر 14 عامًا

بعد أكثر من عقد من المحاولات الفاشلة لتمرير قانون يسمح بتداول المحاصيل المعدلة وراثيًا واستيرادها وزراعتها، بدأت قبل أشهر محاولة جديدة. ويبدو أن هذه المحاولة مختلفة، وأكثر قدرة على النجاح، وذلك بسبب عامل جديد لم يكن حاضرًا في الجولات السابقة: هو جهاز «مستقبل مصر للتنمية المستدامة».

مصادر حكومية وبرلمانية قالت لـ«مدى مصر» إن تحالفًا يشكل حاليًا بقيادة «مستقبل مصر» وعدد من الشركات العالمية على رأسها «باير» الألمانية، لفتح الباب أمام تقنين البذور المعدلة وراثيًا، وبدء استيرادها وتداولها وزراعتها في مصر خلال الأشهر المقبلة.

عقد الجهاز عدة اجتماعات خلال شهري مارس وأبريل الماضيين أحدها مع وفد رفيع المستوى من الشركة الألمانية وممثلي مركز البحوث الزراعية وعدد من الجهات والوزارات المعنية لمناقشة بعض النقاط الخلافية الخاصة بتفعيل الإطار القانوني والتنفيذي لاستخدامات الهندسة الوراثية في الزراعة.

بحسب مصدرين أحدهما حكومي والآخر برلماني تحدثا لـ«مدى مصر» بشكل منفصل، يدعم جهاز «مستقبل مصر» التوسع في استخدامات تقنيات التكنولوجيا الحيوية (الهندسة الوراثية) في الزراعة والغذاء، تنفيذًا لتوجيهات رئاسية بالتوسع في استخدام تلك التقنية في الزراعة لزيادة الإنتاج وخفض التكلفة.

وكشف مصدر حكومي ثانٍ أن السماح بالاستخدام التجاري للبذور المعدلة وراثيًا في مصر يمهد لإنشاء الجهاز مصنعًا لإنتاج بذور معدلة وراثيًا (GMOs) بالشراكة مع شركات عالمية بينها «باير»، فضلًا عن منحه امتيازات تتعلق باستيراد هذه البذور، كما حدث في القمح وفي السلع الاستراتيجية التي انتقلت سلطة استيرادها من هيئة السلع التموينية إلى الجهاز مؤخرًا.

أحد الأسباب التي أدت إلى تعطيل القانون مرارًا كان تخوف الرأي العام منه. ففي مارس 2012، بعد عام على ثورة يناير، أصدر وزير الزراعة، رضا إسماعيل، قرارًا بتعليق تسجيل الذرة المعدّلة وراثيًا، وإيقاف زراعتها في عدد من الأراضي المستصلحة بعشر محافظات، ومنع تداولها التجاري في البلاد، والتي كان سُمح باستيرادها في 2008 من شركة مونسانتو، عملاق اﻟﺒﺬور واﻟﻜﯿﻤﺎوﻳﺎت، واﻟﻤﺴؤﻮﻟﺔ ﻋﻦ إﻧﺘﺎج اﻟﻐﺎﻟﺒﯿﺔ اﻟﻌﻈﻤﻰ ﻣﻦ اﻟﺒﺬور اﻟﻤﻌﺪﻟﺔ وراﺛﯿًﺎ، والمالكة لحق اﻟﻤﻠﻜﯿﺔ اﻟﻔﻜﺮﻳﺔ ﻷﻋﺪاد ﻣﺘﺰاﻳﺪة ﻣﻦ اﻟﺒﺬور ﻋﻠﻰ ﻣﺴﺘﻮى اﻟﻌﺎﻟﻢ، والتي استحوذت عليها «باير» الألمانية في 2018.

في العام التالي، احتج مواطنون ونشطاء بيئيون في مصر ضمن حملة دولية حملت شعارات معادية لاستخدامات الهندسة الوراثية في الزراعة والغذاء، شارك فيها مئات الآلاف، خصوصًا بعد تمرير ﻗﺎﻧﻮن أمريكي يحمي «مونسانتو» عمليًا من تبعات الملاحقة القضائية، بما فيها طلب التعويض في حال ﺛﺒﺖ أن ﻣﻨﺘﺠﺎتها ﺗﺴﺒﺐ أﺿﺮارًا ﺻﺤﯿﺔ وﺑﯿﺌﯿﺔ.

استمر حظر استخدام التعديل الوراثي بموجب قرار عام 2012، والذي تأكد مرة أخرى في 2021 بعدما أصدر حينها، وزير الزراعة، السيد القصير، اللائحة التنفيذية لقانون الزراعة العضوية، والتي تضمنت عدة نصوص تحظر استخدام الكائنات المعدلة وراثيًا، والمنتجات منها أو بواسطتها، والحيوانات المستنسخة أو المهجنة وراثيًا، والكائنات الدقيقة (مثل الفيروسات والبكتيريا والفطريات) المعدلة وراثيًا، فضلًا عن البذور والأجزاء الخضرية المعدلة وراثيًا.

في المقابل، تكررت محاولات تمرير القانون، كان آخرها في فبراير 2025، لكن جميعها باءت بالفشل. غير أنه يبدو أن كل هذا في طريقه إلى التغيير الآن.

هذا التغيير يأتي ضمن تغييرات جذرية أخرى في طبيعة الزراعة في مصر، والتي تراكمت طوال الأعوام الماضية. وعلى الرغم من الاختلافات العلمية حول الأضرار الصحية التي قد تسببها المحاصيل المعدلة وراثيًا، فإن مختلف الخبراء البيئيين والزراعيين يتفقون على حقيقة واحدة: التكنولوجيا في حد ذاتها تحمل إمكانيات هائلة للبشرية، لكن سيطرة الشركات عليها وعلى البنية التحتية للزراعة تدمر التنوع البيولوجي، وتنهك الأراضي الزراعية، وتجعل الفلاحين والأمن الغذائي بشكل عام عبيدًا للشركات الأجنبية المنتجة للبذور ومبيداتها ومخصباتها.

خلال اجتماع حضره رئيس الوزراء ووزير الزراعة ورئيس جهاز مستقبل مصر وآخرون في فبراير 2023، وجّه الرئيس عبد الفتاح السيسي بتكثيف استخدام التقنيات الحديثة في الزراعة والهندسة الوراثية، وتعظيم الاستفادة من الأبحاث العلمية لزيادة الإنتاج وخفض التكلفة، «لما لذلك من مردود إيجابي لصالح المربين والمزارعين.. وبما يدعم الجهود المكثفة لتحقيق الأمن الغذائي في مصر».

مصدر بوزارة الزراعة كشف أنه في ضوء التوجيهات الرئاسية، عقد وزير الزراعة، علاء فاروق، منذ بداية العام الجاري عدة اجتماعات مع عدد من ممثلي شركات عالمية، استعدادًا لإعادة التسجيل التجاري للبذور المعدلة وراثيًا.

أحد هذه الاجتماعات كان في فبراير الماضي وجمع الوزير مع ممثلين عن شركة باير، والتي تخلت عن اسم «مونسانتو» بعد استحواذها عليها في صفقة بلغت قيمتها حوالي 63 مليار دولار في واحدة من أضخم صفقات صناعة الكيماويات والزراعة عالميًا، بسبب الجدل الواسع والسمعة السلبية المرتبطة بالشركة، خصوصًا في ما يتعلق بالمبيدات الزراعية والكائنات المعدلة وراثيًا. وتنتظر «باير» الآن صدور القانون لتسجيل منتجاتها من البذور وبيعها داخل مصر.

شهد الاجتماع نقاشًا حول حزمة من المقترحات العملية لتعميق التعاون الفني، من بينها دعم البرامج البحثية من خلال التعاون في تربية وتحسين سلالات المحاصيل الاقتصادية، وعلى رأسها الذرة والمحاصيل الصيفية، لرفع الإنتاجية ومواجهة التغيرات المناخية، فضلًا عن دراسة واختبار أحدث تقنيات ومنتجات «باير» داخل البيئة المصرية لضمان فاعليتها وأمانها، إضافة إلى دور مركز البحوث الزراعية كمرجعية علمية لتقديم بيانات دقيقة وتجارب ميدانية تدعم الموقف المصري في المحافل الدولية المتعلقة بالاشتراطات الزراعية، بحسب بيان الوزارة.

خلال هذا الاجتماع، بحسب المصدر، أبدت الشركة استعدادها لإنشاء مصنع لإنتاج بذور معدلة وراثيًا في مصر فور الانتهاء من الإطار التشريعي والتنفيذي المنظم.

وأضاف المصدر أن وفد الشركة الألمانية ناقش خلال لقائه مع مسؤولين من «مستقبل مصر» ومركز البحوث الزراعية ونواب بالبرلمان أهمية إصدار الإطار التشريعي والتنفيذي للتداول التجاري للبذور المعدلة وراثيًا في السوق المحلي.

بعد عدة أسابيع، أحال رئيس مجلس النواب، المستشار هشام بدوي، في الرابع من أبريل الماضي، مشروع قانون مقدّم من رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل، محمد فؤاد، وآخرين، بشأن «تنظيم النفاذ إلى الموارد الأحيائية والاقتسام العادل للمنافع الناشئة عن استخدامها»، إلى لجنة مشتركة من لجان الطاقة والبيئة، والتعليم، والزراعة، والشؤون الدستورية والتشريعية.

ينص مشروع القانون الذي قدمه فؤاد على إنشاء جهاز قومي للموارد الأحيائية والمعارف التقليدية، يتبع رئيس الوزراء برئاسة وزير البيئة، ويمنحه العديد من الصلاحيات أبرزها منح التراخيص الخاصة باستخدام الموارد الأحيائية والمعارف التقليدية والابتكارات (استحداث أو تطوير تقنية جديدة أو تطوير تقنية أو معرفة قائمة في مجال التنوع الأحيائي).

حدد المشروع خمسة أنواع من التراخيص تفرق بين أغراض البحث غير التجاري أو الأكاديمي والأغراض التجارية. ويتكلف إصدار الرخصة 200 ألف جنيه بحد أقصى، مع جواز إعفاء أو تخفيض الرسوم في حالتي الترخيص الأكاديمية أو الاستغلال غير التجاري داخل المجتمعات المحلية. بحسب أستاذ الوراثة ومدير متحف حماية النباتات في سيناء، سيد النشيوي، كان الأولى أن ينص القانون على الإعفاء لأغراض البحث وليس ربطها بقرار منفصل.

هذه هي المرة الثالثة منذ عام 2016 التي يُحيل فيها رئيس الغرفة الأولى من البرلمان مشروعَ قانون يخص نفس الموضوع، إلى اللجان الفرعية لإقراره.

يتشابه المشروع الجديد إلى حد كبير مع مسودات سبق أن قدمتها الحكومة إلى البرلمان بغرفتيه، الأولى في 2016 بعنوان «السلامة الأحيائية فى تداول منتجات التحور الوراثى»، قبل أن تدخل عليها الحكومة تعديلات في يناير 2017، وتعيد تقديمها مرة ثانية باسم جديد -الاسم المستخدم حاليًا- إلى مجلس النواب الذي أحاله بدوره إلى لجنة الطاقة والبيئة، والتي بدأت مناقشتها في نهاية 2018، لكنها لم تنته إلى شيء.

وفي مارس 2021، عرضت الحكومة نسخة ثالثة من المشروع على مجلس الشيوخ، وهي النسخة التي أقرّها المجلس في أكتوبر من العام نفسه بعد إدخال مجموعة من التعديلات، قبل أن يعيد إرسالها إلى لجنة الطاقة والبيئة بمجلس النواب، والتي واصلت بحث المشروع حتى العام الماضي.

حددت الحكومة في مسوداتها السابقة الغرض من القانون بـ«حماية موارد مصر الأحيائية والجينية وأصولها الوراثية ومعارفها التقليدية، ومنع استيلاء الغير عليها دون مقابل، وتقاسم المنافع نتيجة تطويرها واستخدامها من قِبل الغير»، والحماية من مخاطر المنتجات والأغذية المعدلة وراثيًا.

لكن مشروع فؤاد يختلف، كما يتضح في مذكرته الإيضاحية، في إشارته المباشرة إلى ضرورة تنظيم زراعة المحاصيل المعدلة وراثيًا داخل البلاد على غرار السماح باستيرادها، والسماح باستيراد البذور المعدلة وراثيًا على غرار المحاصيل المعدلة وراثيًا مثل الذرة وفول الصويا.

يبرر فؤاد في المذكرة الإيضاحية بأن «التخوفات والضغوط التي يستخدمها البعض لعرقلة إصدار التشريع والتخويف من إمكانية زراعة بعض النباتات الناتجة عن تطويرات جينية، والتي حالت دون استكمال المناقشات حوله بعد عرضه على مجلس الشيوخ في الفصل التشريعي السابق، لم تمنع استغلال العديد من المستثمرين لها بل إن مراجعة قوائم الاستيراد تظهر أن نسبة كبيرة للغاية من المحاصيل التي يجري استيرادها هي بالأساس منتجات وأغذية تم تغيير مادتها الوراثية مخبريًا».

يوضح فؤاد أن مصر تستورد مئات السلع الغذائية التي تدخل في تصنيعها مكونات معدلة وراثيًا، فيما تمنع استيراد البذور المهندسة وراثيًا وزراعتها محليًا. يضرب فؤاد مثلًا بما تستورده مصر سنويًا من الذرة الصفراء (10-11 مليون طن)، ومن فول الصويا (4.5-6 ملايين طن)، من دول مثل الولايات المتحدة الأمريكية والبرازيل وغيرها من الدول التي تعتمد على تقنيات الهندسة الوراثية في الزراعة، لتلبية احتياجات سوق الأعلاف لصناعات الدواجن والماشية والاستزراع السمكي، وهو ما يصب في مصلحة عدد قليل من المستثمرين الذين يحتكرون عمليات استيراد تلك المحاصيل.

يتفق أستاذ الوراثة والتكنولوجيا الحيوية بجامعة الزقازيق، أحمد منصور الزهيري، مع ضرورة وجود موقف مصري واضح من الكائنات المعدلة وراثيًا يتبلور في تشريع، لأن غياب الإطار القانوني يخلق حالة من الفوضى. ويقول: «الدنيا سايبة خالص، وكل واحد بيعمل اللي هو عايزه.. لو حد قرر يستورد بذور مهندسة وراثيًا، مفيش حاجة تمنعه، الزيوت المنتجة من بذور معدلة وراثيًا موجودة في الأسواق ومحدش بيمنعها».

ويضيف الزهيري لـ«مدى مصر» أنه بالرغم من حظر مصر استيراد البذور المعدلة وراثيًا وتداولها تجاريًا وزراعتها داخل البلاد منذ 2012، إلا أن غياب الرقابة يجعل كل شيء متاحًا، ويترك الشركات دون رادع يمنعها من إدخال البذور إلى البلاد، لإنتاج محاصيل تستهلك محليًا.

ما يشير إليه الزهيري أثبتته عدد من الدراسات البحثية. كشفت دراسة أجراها أربعة باحثين وباحثات بمعهد بحوث الهندسة الوراثية بجامعة مدينة السادات بالمنوفية، بعنوان «الكشف عن البطاطس المعدلة وراثيًا في درنات البطاطس المزروعة في مصر»، عن وجود درنات بطاطس مهندسة وراثيًا متاحة في السوق المصرية دون أي إشارة إلى كونها معدلة وراثيًا، خاصة أن أجهزة الرقابة المصرية على الواردات تركز فقط على فحص السموم الفطرية والمحتوى الغذائي، دون اعتماد معايير خاصة بالتعديل الوراثي (GMO labeling). أصدرت الهيئة القومية لسلامة الغذاء بالفعل قرارًا نُشر في يناير الماضي بتنظيم قواعد تداول واستيراد الأغذية المعدلة وراثيًا، تشمل إضافة وسم «معدل وراثيًا» ضمن مكونات المنتج وتقديم ما يثبت سلامته، إلا أن هذا القرار لم يدخل حيز التنفيذ بعد.

وبحسب الدراسة المنشورة في «المجلة المصرية للوراثة وعلم الخلايا» عام 2018، زرع الباحثون 26 صنفًا من بذور البطاطس المتوفرة في السوق المصري داخل مزرعة بحثية تابعة لمعهد الدراسات والبحوث البيئية بجامعة مدينة السادات، وذلك لاستخلاص الحمض النووي (DNA) من النباتات وتقييمها جزيئيًا وشكليًا. وتوصل البحث إلى وجود تعديلات وراثية لمقاومة الحشرات في 12 صنفًا، وتعديلات أخرى تزيد من مقاومة الفطريات في عشرة أصناف، بالإضافة إلى استخدام محفز فيروسي في غالبية الأصناف.

على ما يبدو، بدأ هذا النمط في التسلل حتى إلى المؤسسات الرسمية دون انتظار القانون.

يشير مصدر بوزارة الزراعة إلى إعلان هيئة الطاقة الذرية في أبريل 2022 نجاحها في حصاد طفرات جديدة للقمح، تتحمل الملوحة ونقص المياه، وتتميز بزيادة في الإنتاج تصل إلى زيادة طن تقريبًا عن الأصناف العادية، فضلًا عن كونها تستغرق 140 يومًا فقط من بدء الزراعة حتى الحصاد.

وعلى الرغم من أنه لم يصدر قرار من وزير الزراعة بتسجيل أقماح هيئة الطاقة الذرية، ولم ينشر في الجريدة الرسمية، إلا أن مقدم برنامج «الجدعان» المذاع على قناة «القاهرة والناس» افتتح حلقة التاسع من أغسطس الماضي بالإعلان عن موافقة وزارة الزراعة على تسجيل صنفين تابعين للهيئة هما: «طاقة 4» لقمح المكرونة، و«طاقة 152» لقمح الخبز. محافظة الوادي الجديد، من جانبها، أشارت في بيان لها في أبريل الماضي إلى نجاح تجربة زراعة الصنفين في مزرعة بها.

لكن ما لم تذكره الهيئة، بحسب المصدر، أن تلك الطفرات هي أصناف معدلة وراثيًا للقمح، وهو ما أكدته الهيئة الدولية لتطبيقات التكنولوجيا الحيوية الزراعية، ويوضح المصدر أن زراعة تلك الأصناف عممت، واستُخدمت محاصليها محليًا بالفعل، مضيفًا أن التجارب سجلت نتائج جيدة وعرضت على جميع أجهزة الدولة وحصلت على الضوء الأخضر لإزالة أية عوائق أمام تنفيذها.

على الرغم من هذا الواقع، إلا أن كل محاولات إصدار القانون خلال السنوات العشر الماضية باءت بالفشل. وكان السبب، بحسب مصدر بالأمانة العامة لمجلس النواب تحدث لـ«مدى مصر» طالبًا عدم ذكر اسمه، هو نفوذ عدد محدود من النواب المستثمرين.

طبقًا له، هناك شبكة مصالح يتصدرها كبار المصدّرين إلى أوروبا، إلى جانب كبار مستوردي البذور التقليدية، ومستوردي الذرة الصفراء وفول الصويا من الدول الراعية للهندسة الوراثية مثل الولايات المتحدة، وتعارض هذه الشبكة إصدار قانون يسمح باستخدام الهندسة الوراثية.

السبب هو أن أوروبا التي تعد قبلة للصادرات الزراعية المصرية، تحظر دخول المحاصيل المعدلة وراثيًا إلى أراضيها. يشرح الزهيري أن أوروبا تتبنى سياسات صارمة تجاه حظر دخول السلع والمنتجات المستخدم فيها تقنيات الهندسة الوراثية إليها.

تشترط أوروبا ألا تتجاوز نسب التعديل الوراثي 0.9 من مكونات أي منتج، على أن تكون هذه النسبة عرضية وغير متعمدة تقنيًا. ويختبر الاتحاد المنتجات قبل خروجها من بعض الدول المصدرة، وفي موانيها، عبر أجهزة PCR، للتأكد من عدم تخطي تلك النسب في المواد المصدرة إليها، وعند اكتشاف مخالفات، يوقف استيراد الشحنات.

وحتى إذا كان المصدِّر نفسه ملتزمًا بالقواعد الأوروبية، فإن وجود حقول مجاورة تستخدم بذورًا معدلة وراثيًا ستجد طريقها إلى الحقول العادية عبر ما يُعرف بالتلقيح المتقاطع. يكفي أن يستخدم مزارع واحد في السلسلة بذورًا معدلة وراثيًا كي تُرفض أوروبيًا، وهو ما يعني خسارة أعوام تتطلبها إعادة بناء الثقة مع المستوردين الأوروبيين. هذا هو ما يدفع المصدرين إلى تفضيل المنع التام للبذور المعدلة وراثيًا كما هو قائم حاليًا عن أي محاولة للتنظيم.

في المقابل، بحسب المصدر، هناك شبكة مصالح أخرى كانت تدفع نحو إقرار القانون لفتح أسواق جديدة لاستيراد البذور المعدلة وراثيًا والمبيدات المرتبطة بها. توازن النفوذ بين الطرفين، طبقًا له، أسهم في تجميد إقرار تلك القوانين طوال العقد الماضي رغم تكرار المحاولة.

لكن الأمر يختلف هذه المرة. يلاحظ عضو الأمانة العامة بـ«النواب» أن مشروع القانون الجديد لم يأتِ من الحكومة، وإنما من فؤاد ممثلًا عن الهيئة البرلمانية لحزب العدل.

يقول المصدر إن فرص إقرار مشروعات القوانين المقدمة من النواب في المعتاد تكاد تكون منعدمة في الظروف العادية، مقارنة بمشروعات القوانين المقدمة من الحكومة.

يتفق عضو بلجنة الطاقة والبيئة بمجلس النواب، تحدّث أيضًا لـ«مدى مصر» طالبًا عدم ذكر اسمه، مع مصدر «النواب» على أن إقرار مشروع فؤاد أو مشروعات الحكومة يظل مرهونًا بتدخل جهات سيادية عليا لترجيح كفة شركات البذور والمبيدات المعدلة وراثيًا، وحسم المخاوف المتعلقة بمعايير الجودة والسلامة الأوروبية.

بالنسبة لمصدر «النواب»، فإن إعادة تدوير مشروعات القوانين الخاصة بالسلامة الأحيائية، الموجودة في مجلس النواب منذ 2016، وطرحها تحت مظلة «الهندسة الوراثية»، يمثل إما قراءةً جيدة من رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل لحسابات السوق وتوازنات القوى، وإما تنسيقًا مسبقًا مع أحد أجهزة الدولة.

لكن بالنسبة لفؤاد، فإن دافعه هو مواجهة حالة الفوضى وغياب أي تنظيم واضح للاستخدام الآمن لتقنيات الهندسة الوراثية. «إن كان ضارًا نوقف استيراده، ولو مفيد نزرعه»، يقول لـ«مدى مصر».

لا تشير الأبحاث العلمية إلى ضرر تتسبب فيه المحاصيل المعدلة وراثيًا بصحة الإنسان بشكل مطلق. لكن كل محصول ينتج عن تعديل وراثي يحتاج لدراسة منفصلة معمقة لتقييم سلامته، خصوصًا على المدى الطويل. ينص تشريع الاتحاد الأوروبي الصادر في 2015، على سبيل المثال، على أن «تخضع الكائنات المعدلة وراثيًا [لأغراض] الزراعة لتقييم مخاطر منفرد قبل السماح بطرحها في أسواق الاتحاد».

شكلت مصر بداية من 1995 عدة لجان للسلامة الأحيائية للرقابة على المنتجات المستخدم فيها تكنولوجيا الهندسة الوراثية المطروحة في الأسواق، بما يشمل الأدوية واللقاحات والأغذية والتركيبات الغذائية الخاصة والبذور، لضمان الاستخدام الآمن للهندسة الوراثية وحماية البيئة وصحة الإنسان.

وفي عام 2008، وافقت وزارة الزراعة، دون إعلان رسمي، على تسجيل صنف ذرة شامية معدّلة وراثيًا طوّرته «مونسانتو»، عبر تهجين صنف معدّل وراثيًا MON810 مع صنف ذرة مصري محلي اسمه «عجيب». وسجل الصنف الناتج باسم «Ajeeb-YG» في سجلات «مونسانتو»، ومنحت الوزارة في العام نفسه لوكيل الشركة الأمريكية في مصر آنذاك شركة «فاين سيدز» ترخيصًا لتداوله تجاريًا في السوق المصري. أعقب ذلك زراعة الصنف الجديد في 3800 فدان بين عامي 2008-2012.

أجريت لاحقًا عدة دراسات على صنف الذرة الشامية الذي طوّرته «مونسانتو» للسوق المصرية. رصدت دراستان نُشرتا عام 2014 تغيرات نسيجية مرضية في كبد الفئران، وتضخمًا في الأوعية الكلوية، إضافة إلى نخر في خلايا الخصيتين وزغابات الأمعاء بعد 91 يومًا من التغذية على الذرة المعدلة وراثيًا.

بعدها بعامين، أكدت دراسة نشرتها باحثتان بكلية الطب بجامعة طنطا النتائج ذاتها، حيث أظهرت أن الفئران المغذّاة لمدة 90 يومًا على ذرة MON810:Ajeeb-YG عانت من أضرار جسيمة في أمعائها.

بالتوازي مع المخاوف التي عبرت عنها الدراسات المختلفة، انطلقت حملات محلية قادها نشطاء ومجتمع مدني في 2012، ضمن حملات عالمية أخرى، تضغط ضد «مونسانتو».

أوروبيًا، تسببت الضغوط الشعبية والدراسات المختلفة في حظر زراعة هذا الصنف من الذرة في دول مختلفة كالنمسا وفرنسا وألمانيا واليونان والمجر، استنادًا إلى مخاوف من مخاطر على التنوع البيولوجي. ورغم أن الاتحاد الأوروبي أقر زراعة هذا الصنف منذ سنة 1998، إلا أن زراعته تقتصر حتى اليوم على دول قليلة، أبرزها إسبانيا والبرتغال. وفي 2015، أقر الاتحاد الأوروبي إطارًا تشريعيًا يفرض ضوابط مشددة على الزراعات المعدلة وراثيًا تشترط تقييمًا شاملًا للمخاطر قبل الموافقة على أي محصول معدل، يشمل تأثيره على الصحة البشرية والحيوانية والبيئة.

بالمثل، وتحت هذه الضغوط، اضطر وزير الزراعة المصري وقتها لإيقاف شحنة بذور الذرة المعدلة، وهو القرار الذي لا يزال ساريًا.

أحد الأسباب الأساسية التي دفعت هذه الحملات إلى التحرك تتعلق بشكل أساسي بالتأثيرات الكارثية التي قد يتسبب فيها استخدام التكنولوجيا الحيوية في البيئة وأنماط الزراعة بشكل عام، لما له من تأثير على التنوع البيولوجي يتعلق بإمكانية انتقال الجينات المعدلة إلى النباتات البرية، ما قد يؤدي إلى ظهور أعشاب مقاومة للمبيدات، أو التأثير على الكائنات غير المستهدفة (مثل النحل وغيره من الكائنات المفيدة).

إلى جانب هذا، هناك مخاوف الخضوع للشركات متعددة الجنسيات، إذ يؤدي انتشار هذه المحاصيل إلى احتكار البذور والتحكم في النظام الغذائي من قبل عدد محدود من الشركات العالمية.

تتحكم أربع شركات (باير/مونسانتو، وسينجنتا، وباسف، ودودوبون) على نحو 75% من أبحاث تربية النباتات، و60% من سوق البذور التجارية، و76% من مبيعات المبيدات الزراعية عالميًا، بعد أن كانت حصة الشركات العشر الكبرى لا تتجاوز 15% في الثمانينيات.

طورت تلك الشركات بذورًا مصممة للعمل بالتكامل مع مبيداتها الخاصة. على سبيل المثال، تنتج شركة «باير» مبيد الجليفوسات المعروف باسم «Roundup»، كما تنتج بذورًا مقاومة له (Roundup ready). يتسبب هذا في اضطرار المزارعين لشراء البذور والمبيدات معًا بشكل حصري منهم مع كل موسم زراعي. وربطت دراسات متعددة بين اندماجات هذه الشركات وارتفاع أسعار البذور، بما يزيد الضغوط على صغار المزارعين، خصوصًا في الدول النامية.

إلى جانب هذا، يتسبب الاعتماد على نوع واحد من المبيدات إلى زيادة مقاومة النباتات الضارة لها مع الوقت. ولهذا يضطر المزارعون لاستخدام المبيد بكميات أكبر، ما يتسبب في مخاطر صحية وبيئية كبيرة. عدة دراسات حذرت من تأثير ذلك سلبيًا على صحة الإنسان، فيما صنّفته منظمة الصحة العالمية عام 2015 بوصفه «محتمل التسبب في السرطان للبشر». ولهذا واجهت «مونسانتو/باير» آلاف الدعاوى القضائية في أمريكا من مواطنين يُرجعون إصابتهم بسرطان الغدد الليمفاوية إلى التعرض للبذور والمبيدات المقاومة للأعشاب، في الوقت الذي حذرت فيه دراسات محكّمة من التأثيرات البيئية للجليفوسات بوصفه عالي التسرب إلى المياه الجوفية ومُدمِّر لخصوبة التربة.

لهذا ترى أستاذة الأنثروبولوجيا الاجتماعية السابقة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، ريم سعد، إننا لا نحتاج تشريعًا بقدر حاجتنا إلى الوعي والمناقشة المجتمعية حول موقفنا من زراعة البذور المعدلة وراثيًا، مشددة على أنه إجراء يتسبب في نتائج يتعذر تداركها على البيئة وعلى الأراضي الزراعية وعلى الفلاح.

وتؤكد سعد أن الترويج لكون استخدامات التكنولوجيا الحيوية هدفه القضاء على الجوع مردود عليه بأن أزمة الجوع في العالم ليست بسبب نقص الإنتاج ولكن غياب عدالة التوزيع، فضلًا عن أن زيادة إنتاج المحاصيل المعدلة وراثيًا مقرون بزيادة استخدام المبيدات التي تخل بجودة التربة، وبالنظم الإيكولوجية، وتخفض التنوع البيولوجي.

تتفق مع الرأي السابق، استشارية التراث والبيئة، هالة بركات، التي أوضحت أن الحديث عن السلامة الأحيائية دائمًا ما يخلط بين الرقابة على المنتجات المعدلة وراثيًا وبين السماح بها، مضيفة في حديثها لـ«مدى مصر» أن فتح مصنع لتداول وزراعة تلك البذور في مصر يشبه فتح مصنع للأسمنت بسبب المخاطر البيئية والصحية الفادحة. «التفكير في مصالح المستثمرين يدمر الزراعة»، كما تقول.

وتشدد بركات على أن كل ما تحتاجه الزراعة في مصر هو الحفاظ على البذور المحلية ودعم الحكومة لصغار المزارعين وليس كبار المستثمرين للحفاظ على البذور المحلية والأصناف الملائمة للمناخ والتربة، والتي لا تحتاج للأسمدة الكيماوية التي ترهق التربة وتستنفد الموارد المحدودة.

رئيس قسم الوراثة الأسبق بكلية الزراعة بجامعة الزقازيق، سعيد سليمان، يقول بدوره لـ«مدى مصر» إن الشركات العالمية الكبرى لا تستهدف فقط بيع البذور، بل تسعى إلى إحكام السيطرة على المحاصيل الاستراتيجية، مثل القمح والأرز كما فعلت مع الذرة، عبر نشر هجن وبذور مهندسة وراثيًا تستخدم لمرة واحدة، بما يضمن استمرار اعتماد المزارعين عليها موسمًا بعد آخر. بحسب تعبيره، فإننا «نسير بخاطرنا إلى حتفنا»

خسائر طائلة وديون متراكمة من بيع محطة جبل الزيت للإمارات.. تفاصيل صادمة!!

خسائر طائلة وديون متراكمة من بيع محطة جبل الزيت للإمارات.. تفاصيل صادمة!!




الحكومة تعتزم ضم الخبز إلى منظومة الدعم النقدي وطرحه بأسعار السوق، على غرار السلع التموينية، ضمن خطة لا توفر حماية كاملة للمستفيدين من آثار التضخم، وفق موقع «مدى مصر»

الرابط

 موقع مدى مصر 

الحكومة تعتزم ضم الخبز إلى منظومة الدعم النقدي وطرحه بأسعار السوق، على غرار السلع التموينية، ضمن خطة لا توفر حماية كاملة للمستفيدين من آثار التضخم، وفق موقع «مدى مصر»

مصدران: «الدعم النقدي» سيشمل الخبز وتحرير أسعار السلع التموينية.. واستبعاد «سريع» لـ10 ملايين مواطن


انتهت الحكومة إلى ضم الخبز إلى باقي السلع التموينية مع بدء تطبيق نظام الدعم النقدي، على أن تتيح هذه السلع بأسعار السوق، عبر بطاقات موحدة، حسبما اتضح خلال اجتماع بين المتحدث باسم وزارة التموين والاتحاد العام للغرف التجارية، أمس، فيما لفت مصدر حزبي مطلع على خطة التحول للدعم النقدي، إلى أن تطبيقها سيشمل استبعاد عشرة ملايين مستفيد حالي من البطاقات التموينية.

وكان دمج دعم الخبز مع السلع في بطاقة واحدة، وبيع السلع بأسعارها السوقية، ضمن عدة سيناريوهات تدرسها الحكومة لبدء تطبيق الدعم النقدي، اعتبارًا من السنة المالية المقبلة، وفق ما أوضحت عدة مصادر لـ«مدى مصر» في مايو الماضي.

مصدر من «الغرف التجارية» أوضح لـ«مدى مصر» أن اجتماع الأمس، الذي استهدف تبادل وجهات النظر بين «الاتحاد العام» و«التموين»، جمع مساعد الوزير والمتحدث باسم الوزارة، أحمد كمال، مع رئيس اتحاد الغرف التجارية، أحمد الوكيل، والرئيس التنفيذي والعضو المنتدب للشركة القابضة للصناعات الغذائية، علاء ناجي، وممثلي شعب المواد الغذائية في المحافظات.

تبعًا للمصدر السابق، وبحسب ما انتهى إليه الاجتماع مع مساعد الوزير، فلن يشمل نظام الدعم الجديد بيع السلع التموينية بأسعار منخفضة عن السعر الحر، فيما طرح ممثلو الغرف التجارية في المقابل «انتفاء الحاجة إلى التفتيش على البدالين التموينيين، ما دامت السلع ستباع بسعر السوق لا بالسعر المدعم».

ومن ناحية أخرى، قال المصدر الحزبي المطلع على خطة التحول للدعم النقدي، إن استبعاد عشرة ملايين من مستحقي الدعم سيستند، بحسب الخطة الحكومية، إلى معايير متعلقة بالإنفاق والملكية، مثل تسجيل الأبناء في مدارس خاصة، أو نوعية السيارة التي تملكها الأسرة.

ويبلغ عدد المستفيدين من دعم السلع التموينية حاليًا 60.8 مليون مواطن، مقابل سبعين مليونًا يستفيدون من دعم الخبز، فيما بدأت الوزارة قبل عشر سنوات عملية «تنقية» مستمرة لجداول المستحقين للدعم، عبر تطبيق محددات جديدة كل فترة، كان آخرها الأسبوع الماضي، حين أوقفت صرف الخبز والسلع لمن يمتلك وحدة داخل مجمع سكني فاخر، أو سيارة فارهة وحديثة، أو من استورد سيارة من الخارج باسمه، أو مالك حصة تجارية في شركة، أو من حرر ضده محاضر سرقة كهرباء.

ومنذ السنة المالية 2017-2018 وحتى السنة المالية الجارية، وبرغم زيادة عدد السكان، حذفت الحكومة نحو عشرة ملايين مستفيد من الدعم، تستهدف حذف مثلهم في خطتها الجديدة، ولكن بشكل سريع، بحسب المصدر السابق، «هيصحوا الصبح يلاقوا نفسهم مش موجودين».

وإلى جانب تقليل عدد المستفيدين، يشمل التصور الحكومي تطبيق معادلة دورية للتضخم على الدعم النقدي، بحسب المصدر السابق نفسه.

تلك المعادلة قد لا تضمن حماية المستفيدين من الدعم النقدي بشكل كامل من آثار التضخم، لاحتواء منظومة الدعم النقدي على سلع غذائية فقط، في حين يعتمد حساب معدل التضخم العام على سلة أوسع من السلع، ما يجعله عادة أقل بكثير من معدل تضخم السلع الغذائية.

بحسب بيانات البنك الدولي، وقعت مصر ضمن أعلى شرائح تضخم في أسعار الغذاء في العالم، في المدة بين أبريل 2023 ومارس 2024، والتي كان تضخم أسعار الغذاء خلالها أعلى بنسبة 12% من التضخم العام.

ويعود النظام الحالي للدعم الغذائي إلى عام 2014، الذي شهد تحول دعم السلع التموينية من «نظام سلعي بحت إلى نظام نقدي قائم على قسائم الشراء أو البطاقات»، حسبما سبق وأوضحت لـ«مدى مصر»، أستاذة الاقتصاد في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة القاهرة، ومستشارة وزير المالية لشؤون العدالة الاقتصادية وقتها، شيرين الشواربي، وهو التحول الذي تبعه على مدار سنوات، زيادة قيمة الدعم النقدي التمويني للفرد، من 15 جنيهًا وصولًا إلى 50 جنيهًا، القيمة التي لم تتغير منذ 2017، فيما تراجعت قيمة الدعم الفعلية في ظل ارتفاع أسعار السلع التموينية المتاحة على البطاقة.

وفي 2014، وحين كانت تكلفة الرغيف 30 قرشًا، لم يدخل الخبز ضمن قرار التحول للدعم النقدي، وإن تم تحديد خمسة أرغفة للفرد الواحد كحد أقصى، وبعد عشر سنوات، زاد سعر الرغيف المدعم، من خمسة إلى 20 قرشًا، مقابل تحمّل الحكومة 132 قرشًا عن كل رغيف، وفقًا لتصريحات حكومية العام الماضي.